بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

64 عاما على ذكرى النكبة:

الأسرى يريدون شاليط جديد

لم تكن ذكرى إحياء النكبة هذا العام مثل كل عام، فعشية يوم التظاهرات انطلقت الزغاريد وعمت شوارع فلسطين احتفالات بنصر جديد أضيف إلى انتصارات المقاومة الفلسطينية قبل 64 عاما مضى، حيث خاض الفلسطينيون إضرابهم الجديد في تحدي بطولي لقوات دولة محتلة مارست كل أنواع القهر والاستبداد.

جاء الإضراب احتجاجا على المعاملة السيئة والتفتيش المهين ومنع زيارات أهالي المعتقلين، كما جاء الإضراب بالدرجة الأولى ضد سياسات الاعتقال الإداري حيث يبلغ عدد المعتقلين إداريا ما يقارب 280 أسيرا يقبعون بإجراءات غير قانونية، ومنذ عام 2000 حتى الآن فقد صدر ما يقارب 20 ألف قرار اعتقال إداري. في حين شهدت الفترة التي تسبق أو تلي الحرب على غزة بستة أشهر أعلى معدلات الاعتقال الإداري لما يقارب 1700 قرار اعتقال، والعديد منهم يمكثون تحت الاعتقال عدة سنوات، كما وصل حجم المعتقلين إداريا منذ عام 1967 ما يقارب 700 ألف فلسطيني وفقا للإحصاءات. وهو ما يمثل عمق مشكلة الأسرى الفلسطينيين.

بداية الإضراب

والاعتقال الإداري هو أحد الموروثات القمعية عن الانتداب البريطاني حيث يتم القبض عشوائيا وبدون توجيه آية تهم كما يتم منع المحامين للدفاع عن المعتقلين بحجة سرية الاتهامات ضمن ملف سري لا يسمح للأسير أو المحامي الإطلاع عليه وهو ما يضع الأسير تحت التعذيب الجسدي والنفسي طيلة فترة الاعتقال التي تبدأ بستة أشهر وتجدد لفترات غير محدودة.

لم تكمن قوة الإضراب فقط باعتباره أحد فنون النضال الشعبي، فصحيح أن الإضراب خلق المصالحة الفلسطينية الحقيقية التي تربو إليها جماهير الشعب الفلسطيني، حيث وضع جميع الأسرى تحت مسمى أسير يواجه خطر الموت الذي لا يفرق بين الفصائل المختلفة، لكن الإضراب أيضا عكس في مضمونه معاني رمزية تفردت بها الثورة الفلسطينية، وخلقت نوعا جديدا من المواجهات ليس فقط بين مقاتل قادر على مواجهة دبابات الاحتلال بأسلحته الخفيفة لكن بقدرته على مواجهة المحتل أيضا داخل أسوار الاعتقال وبدون تلك الأسلحة. الإضراب هنا أضاف حلقة قوية من حلقات المقاومة الفلسطينية التي تصدرت المشهد مؤخرا وأصبحت قادرة على تحريك أطراف اللعبة داخل أسوار السجن وخارجه.

فمع خوض الأسرى الإضراب الأول للأمعاء الخاوية في سبتمبر الماضي، مثلت نتائج المعركة حافزا قويا للحركة الأسيرة ككل في انتهاج نفس المسار خاصة بعد خروج أكثر من ألف أسير فلسطيني تزيد مدة أحكامهم عن 92 ألف سنة، وفي أكبر عملية تبادل للأسرى عرفتها الحركة الأسيرة. كما ساعد دخول الأسير خضر عدنان لإضرابه الذي امتد 66 يوما ثم تبعته المناضلة هناء شلبي بإضراب دام 44 يوما، ساعد على تقوية شوكة المناضلين ورسم طريق جديد للحرية، لعل ذلك ما انعكس على القوة العددية للمضربين، مقارنة بالإضراب الأول، لتقدر بنحو 1600 أسير فلسطيني.

لكن الحقيقة أن نجاح الإضراب لم يعتمد فقط على قوته العددية، فبرغم ضخامة أعداد المضربين إلا أن الإضراب كان من الممكن كسره بسهولة من إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية إذا تمادت في عمليات القمع الموجه ضد المعتقلين بمنعهم من تلقي العلاج بعد أن ساءت أحوالهم، أو بالتفتيت النوعي للمضربين بنقلهم لزنازين أخرى لم تخض الإضراب في ظل تعدد الاحتمالات حول نجاح الإضراب أو فشله، لكن الحركة الأسيرة استطاعت أن تحسم الأوضاع لصالحها من خلال تجارب عرفها التاريخ الفلسطيني منذ بداية السبعينات استطاعت خلالها مراكمة الخبرة النضالية من الإضراب عن الطعام لمدة 7 أيام إلى الإضراب عن الطعام لمدة 77 يوما كما في حالة ثائر حلاحلة وبلال ذياب.

تراكم الخبرة النضالية انعكس أيضا على فرص تطور النواحي التنظيمية للإضراب بدءا بتكوين لجنة مركزية يقودها معتقلي سجن نفحة تحدد مسار الإضراب وطرق التفاوض، إلى التحكم فعليا في حركة الشارع والتهديد بإشعال انتفاضة فلسطينية ثالثة، وهي النقطة التي وصل عندها الإضراب لأكثر مراحله خطورة على الكيان الصهيوني. يمكننا في هذا الصدد المقارنة بين إضراب اليوم والإضراب الذي خاضه الأسرى بكل السجون عام 2004 الذي استمر 19 يوما حيث تم كسره من إدارة السجون باعتماد سياسة (اضربوا حتى الموت )، تزامن ذلك مع مرحلة جذر للمقاومة الفلسطينية بمحاصرة مقر ياسر عرفات برام الله ثم اغتياله في الوقت التي شنت فيه قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة شملت المقاومين.

السلطات الإسرائيلية هنا وجدت أن التهديدات بإشعال انتفاضة فلسطينية ثالثة ليست مجرد مناوشات، وأن الوضع مختلف تماما عن أوضاع عام 2004 في ظل تهديدات كتائب عز الدين القسام بإطلاق المفاجئات للكيان الصهيوني حال استشهاد أحد المضربين، وفي ظل حركة مد شهدتها المنطقة عربية بثوراتها ضد الظلم والاستغلال، وفي ظل تصعيد عالمي التف حول قضية الأسرى بتسيير المظاهرات الحاشدة بالسويد والنمسا وأسبانيا وأمام السفارات الأمريكية بالعديد من الدول، كما تزامن ذلك بمخاوف لدى السلطات الإسرائيلية باشتعال حالة الغضب العالمي مع الذكرى السنوية للنكبة. ولن يكون ذلك بعيدا عن أحرار فلسطين.

هنا أدرك الكيان الصهيوني أن فرص إحراجه سياسيا على المستوى الدولي تزداد بشكل أوسع مع ازدياد حالة القمع ضد المضربين في محاولة بائسة منه لفك إضرابهم، بما ينبأ مستقبلا بفرض الإضراب عن الطعام كمنهج ثابت للمقاومة.

مكاسب ومخاوف

وبرغم ما حققه الإضراب من مكاسب نوعية في إنهاء حالة العزل الانفرادي التي طالت القيادات الفلسطينية تحديدا، وكسر قانون شاليط الذي انتهك حقوق المحامين والأهالي في زيارة ذويهم، إلا أن التعامل مع ملف الاعتقال الإداري، وهو السبب الرئيسي للإضراب، كان بمنطق الحل الشخصي للحالات الفردية على حدا، حيث تعهد الجانب الإسرائيلي بإطلاق سراحهم بعد انقضاء مدة محكوميتهم دون تمديد لفترة اعتقال أخرى، بمعنى أن قانون الاعتقال الإداري لم يسقط نهائيا، وبناء عليه مازال هناك المهددين باعتقالهم على هذا النحو.

وحتى مع الحالات التي سيتم إطلاق سراحهم، اشترط الجانب الإسرائيلي على الأسرى الامتناع عن المشاركة في أي عمل إرهابي، وهو مفهوم مطاطي يمكن أن يصاغ من وراءه تلفيق التهم من جانب قوات الاحتلال، كما اشترط أيضا عدم إعلان أي إضراب جديد عن الطعام، وهو ما يوحي باحتمال تعرضهم للاعتقال وممارسة نفس الأساليب القمعية من جانب الاحتلال. كما أن الزيارات العائلية للأسرى حتى وإن أبدت اسرائيل السماح بها، فلن تكون بالسهولة التي سيواجه بها الأهالي مشكلة أزلية تكمن في مراكز التفتيش ومضايقات الجنود وربما مصادرة محتوياتهم، كما حدث لأهالي أسرى سجن عوفر، كما تعرض أسرى سجن 6 بالنقب إلى تعذيب وانتهاكات جسدية صباح اليوم التالي لتوقيع الاتفاق عقوبة لهم على المشاركة في الإضراب.

في هذا الصدد يمكننا التذكير بالإضراب المفتوح الذي خاضه الأسرى عن الطعام عام 2000؛ احتجاجاً على سياسة العزل والقيود على زيارات أهالي المعتقلين. وقد نجحوا في تحقيق أغلب المطالب بما فيها كسر حالة العزل الانفرادي، وهم اليوم يحتجون ضد نفس السياسات التي تم تحسينها كشكل مرحلي في تعامل العدو مع القضية. لا يمكن هنا التقليل من قوة الإضراب وخوضه بمنتهى البسالة، لكن قضية الأسرى كالطائر يحتاج جناحين للطيران، جناح يضرب بقوة داخل السجون والآخر خارجه يهدد مصالح العدو المباشرة ويضع البديل السياسي لحل القضية.

كلمة السر: شاليط

وبرغم ما تشهده الساحة الفلسطينية على مستوى التنوع التكتيكي للمقاومة في فرض أكبر عملية تبادل للأسرى بصفقة شاليط، وفي خوض أطول إضراب عن الطعام في تاريخ البشرية كذلك أطول إضراب فردي لخضر عدنان في تاريخ الحركة الأسيرة، إلا أن البديل السياسي في المقاومة المسلحة وأسر المزيد من الجنود أشباه شاليط لم يكن مطروحا على أرض الواقع، وأثبتت السلطة الفلسطينية فشلها الحاد في اختزال قوة الإضراب إلى مجرد مساعي تفاوضية عبر تدشين حملات وإقامة الفعاليات للتوعية بقضية الأسرى. السلطة الفلسطينية حاولت عبثا رفع سقف المطالب بإعادة جثامين 100 من الشهداء الفلسطينيين وإطلاق سراح معتقلي ما قبل أوسلو، لم يكن مستغربا إذن في ظل عدم وجود أساليب قوية لممارسة الضغط، أن يأتي خطاب نتنياهو برفض المطالب ورفض وقف الاستيطان أيضا !

وبرغم اتباع اسرائيل للاعتقال الإداري الذي ورثته عن الانتداب البريطاني وممارستها لنفس أسلوب المستعمر، إلا أن السطة الفلسطينية مازالت تتفاوض من أجل حل الدولتين و الاعتراف بدولة اسرائيل !

قضية الأسرى تفتح دائما ملفات السلطة الفلسطينية في كيفية تعاملها مع أرشيف مسلح سطرته دماء أشبال وزهرات فلسطين، وإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فإن الشعب الفلسطيني يلفظ بأمعائه الخاوية كل مساعي الاستجداء ويسطر بمقاومته الباسلة سطور تاريخ جديد يتصدره الأحرار.

الشعب الفلسطيني يريد شاليط جديد.