بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاستحقاق الرئاسي اللبناني ولعبة الطائفية

المرحلة الانتقالية المضطربة التي يعيشها لبنان هي صورة مصغرة من التغيرات التي تمر بها المنطقة ككل فلبنان واجهة الدول العربية وأي خلل بين هذه الدول ينعكس على هذه الواجهة، فرغم العناصر الداخلية التي تؤسس للصراع اللبناني الحالي، فإن جوهر المشكلة كامن في المكون الخارجي للمعادلات السياسية في هذا البلد.

المشكلة التي يعيشها لبنان اليوم هي الاستحقاق الرئاسي، وتعثر الفريقين الأساسيين على الوفاق. أما الموضوع المبطن أو المحرك لهذه الاضطرابات فهو العلاقات مع الغرب، أي أمريكا والمجتمع الدولي.

لنبدأ على سبيل المثال بطرح مطالب الفريق الذي عرف بالموالاة أي تحالف “14 أذار” الذي نشأ بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري واتهم سوريا بشكل مباشر بهذا الاغتيال. فمواصفات الرئيس الجديد لديهم كالتالي: رئيس ذو خطاب سيادي/ إستقلالي (في الإشارة لعلاقة مع سوريا) ما بعد الوصاية السورية، رئيس يعمل على دعم المحكمة الدولية التي ستتناول اغتيال الرئيس رفيق الحريري والأغتيالات السياسية الأخرى التي تلتها. وتحريك آليات تنفيذها، رئيس يعمل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة وأهمها القرار1559 و 1701 (خاصة قضية نزع سلاح حزب الله وسلاح المخيمات الفلسطينية)، رئيس يرفض المواجهة المسلحة ويفاوض بالأساليب السلمية السياسية عبر مؤسسات الأمم المتحدة لإسترجاع حقوقه (وهذا الشرط من تصور حزب القوات اللبنانية)، هذه الموصفات تصب في معظمها في خانة السياسة الخارجية اللبنانية، وكل هذه المواصفات أيضا وجد أنصار هذا الإتجاه في شخص كلا من النائب بطرس حرب والنائب السابق نسيب لحود.

أما المعارضة اللبنانية أو فريق “8 أذار” فهي تحدد نظرتها إلى كرسي الرئاسة على الشكل التالي: رئيس يتصدى للمشروع الأمريكي للهيمنة على المنطقة والذي يحقق الفشل في العراق وبالتالي يعتمد على تحالفاته في الداخل اللبناني كورقة قوة وضغط في الجغرافيا السياسية، أما فيما يخص المحكمة الدولية، هناك قبول بالمبدأ ولكنهم يرفضون استعمال المحكمة كورقة ضغط من قبل الولايات المتحدة أي رفض تسييس المحكمة الدولية، رئيس جديد يحارب الفساد في مؤسسات الدولة ويعمل على استرجاع حقوق المسيحيين المهمشة خلال فترة الوصاية السورية (مأخوذ من تصور التيار الوطني الحر)، وحول موضوع سلاح المقاومة، يرى هذا الفريق أن الحل يكمن في الحوار الداخلي وليس في القرار الدولي وفي نسج استراتيجية دفاعية لبنانية شاملة. ويدعم أنصار هذا الفريق حتى الآن النائب ميشيل عون رئيس التيار الوطني الحر.

وإلى جانب الفريقين هناك مرشحين الخط الثالث، اي خارج الفريقين، فهم العماد ميشيل سليمان قائد الجيش، رياض سلامةحاكم مصرف لبنان، و جان عبيد نائب ووزير سابق، بالإضافة إلى أسماء أخرى.

هناك من يشبه الوضع الحالي بما كان قائم في فترة 1958، أثناء نشوء حلف بغداد، والانقسام الداخلي اللبناني بين مؤيد للحلف (السلطة في ذلك الوقت برئاسة كميل شمعون) وآخر معارض و متحالف مع التيار العربي الناصري، مما أدى إلى صيف ساخن بين حرارة الشمس وغزارة الرصاص، وإلى وصول العماد فؤاد شهاب المقرب من عبد الناصر إلى مقعد الرئاسة.

وهناك أيضا من يحلل فشل المبادرات الدولية والاقليمية والداخلية بالموقف الأمريكي الملتبس الذي لم يتخذ قرار جازما من الانتخابات. المشروع الأمريكي أمام مفترق طرق ولم يعد بعد سياسته المقبلة في المنطقة: مزيد من سياسة العسكرة ، مواجهة القوة الإيرانية الصاعدة، تطوير سياسة احتلال العراق أم التفاوض مع إيران وسوريا، دعم الديبلوماسية، وتحديد برنامج الإنسحاب التدريجي من العراق.

تكمن المشكلة الداخلية بالأساس في اختلاف الأراء حول شخصية الرئيس الذي يحدد الدستور انتخابه قبل 24 نوفمبر 2007 أي موعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود وعدم التوافق حول آليات و أساليب انتخاب الرئيس الجديد وعجز الدستور عن ايجاد حل واضح وجازم (النص الدستوري يدعو للتأويل حول النصاب) خصوصا وأن اللجنة المختصة في هذا الشأن –مجلس الشورى – منحلة من قبل السلطة. ينبع الخوف من عدم الوصول الى توافق بين الفريقين قبل 24 نوفمبر الى احتمال ان يدفع هذا الوضع بالبلاد إلى الفراغ أو قيام حكومتين وبالتالي يحصل إنقسام في البلد وتدهور في الوضع الأمني-الاقتصادي- الاجتماعي (بوجود سلاح مع كل الأطراف).

وهنا كل فريق له رؤية مختلفة لآلية الانتخاب وقراءة الدستور والوصول إلى السلطة، ففريق “14 أذار” يعتبر أن من الضروري انتخاب رئيس في المهلة المحددة حتى في حالة فشل الوفاق، بنصاب الجلسة الانتخابية في البرلمان أي بحضور النصف +1 من النواب وهوالعدد الذي تملكه الموالاة حاليا. وبذلك إذ تعثر التوافق حول رئيس يكون الحل في الإنتخاب بالنصف + 1 وليس الفراغ السياسي.

أما فريق “8 أذار” فهو يشدد على وجوب حضور ثلثي النواب لفتح الجولة الأولى من الإنتخاب – وهو عدد لا يمتلكه أحد- أي أنه بالنسبة لهم ليس هناك حل إلا في التوافق بين كل اللبنانيين حول الرئيس وفي هذا السياق، تأتي مبادرة الرئيس نبيه بري التي تتلخص في الوصول إلى رئيس مشترك مقابل تخلي المعارضة عن مطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية وفك الاعتصام الموجود في وسط البلد منذ بضعة أشهر.

وينطلق الفريق الموالي في رأيه من مبدأ أن الدستور المعدل في الطائف هو دستور برلماني وأن الأكثرية النيابية لها الشرعية في انتخاب الرئيس من فريقها وفي تشكيل السلطة.

أما الفريق المعارض، فيعتمد في قراءته للدستور على مبدأ العيش المشترك، وأن أي سلطة مخالفة لمبدأ العيش المشترك هي سلطة فاقدة للشرعية –أي أن ثلثي النواب يجب أن يفتتحوا الجلسات الانتخابية- بكلام آخر، الدستور أيضا مبني على النظام الطائفي الذي لم يُلغى بعد، بل تم تكريسه أكثر، وعلى توازن الطوائف، وهو عنصر أساسي في قيام الدولة اللبنانية.

على أرض الواقع، حتى لو كان الرئيس يمثل كل لبنان واللبنانيين إلا انه يجب أن يكون ماروني حسب المحاصصة الطائفية وأن الاستحقاق يعني المجتمع المسيحي أولا وعلى رأسه الكنيسة المارونية وهذا المجتمع منقسم سياسيا بين موالاة ومعارضة، ولكل فريق وزنه الجماهيري.

الدستور يحاول الجمع في آن واحد بين نظام البرلمان ونظام العشائر وهذا أمر صعب للغاية وهو تعبيير عن الصيغة اللبنانية القائمة على “الديمقراطية التوافقية” التي هي معادلة ضعيفة فكريا وعمليا. وفي حال تعطيل دور البرلمان الدستوري، يصبح تفسير وتحليل وتأويل الدستور في يد السياسيين، أي أن السياسة في لبنان هي فوق الدستور

وبما أن الأحزاب السياسية التي تحرك الشارع سواء في المعارضة والموالاة على السواء، تستمد قوتها وشرعيتها من الخطاب الطائفي والمذهبي وتعتمد بالأساس على قوى جماهيرية طائفية (هنا التناقض في خطاب الموالاة) فإن الساسة هم لا غيرهم أمراء الطوائف والعشائر والعائلات الروحية.

الدستور وحده ليس كاف للخروج من المأزق الوطني، والتوافق حول اسم الرئيس الجديد ليس تشخيصا دقيق للحل، التوافق تعبير سياسي مبهم يوحي إلى فكرة الخروج من المشكلة بصيغة اللا غالب واللا مغلوب، وهذا أمر صعب، التسوية هو المنطق السليم للطريق إلى الحلول. والمبادرات تتبلور على مبدأ التسوية الذي يشكل عصب أساسي في مبدأ الحوار بين فريقيين مختلفين في الرأي، على كل فريق أن يقدم تنازلات.

منذ إغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير 2005 والبلد يعيش فترة مضطربة أمنيا وسياسيا أدت إلى انقسام سياسي عميق -إلا أن لا أحد من الفريقين نجح في صياغة مشروع سياسي كامل متكامل تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الخارجية ويبلور أيضا مشروع اقتصادي اجتماعي للبلد.