بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

في حوار مع الناشط السوداني إيهاب إدريس

السودان: حكاية انتفاضة أشعلتها خطط التقشف

منذ أواخر مايو الماضي أبدى صندوق النقد الدولي ترحيبه لتنفيذ السودان إجراءات تقشفية كزيادة الضرائب وإلغاء الدعم الحكومي للوقود وإلغاء مئات الوظائف الحكومية وخفض رواتب الموظفين بحجة مواجهة عجز اقتصادي كبير وازدياد متواصل بمعدلات التضخم، وهي نفس الإجراءات التي ستزيد العبء على الفقراء في بلد يعيش ما يقارب نصف سكانه تحت خط الفقر. وبحلول شهر يونيو اندلعت الاحتجاجات الشعبية المناوئة للاستغلال على المستوى الداخلي ضد حكومة البشير وعلى المستوى العالمي ضد شروط صندوق النقد الدولي المعادية للجماهير.

وباشتداد حدة التظاهرات تدفقت الأسئلة حول إذا ما كان السودان سيلحق بقطار الربيع العربي، وكيف سيكون مستقبل الانتفاضة مع تذبذب الحركة الجماهيرية صعودا وهبوطا. للإجابة على تلك التساؤلات أجرت جريدة “الاشتراكي” حوارا مع الناشط السوداني إيهاب إدريس*.

مع اندلاع الاحتجاجات بالسودان تطلعت دول العالم العربية والغربية لانتفاضة شعبية ضد رئيس طالما لاحقته المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد شعبه. صف لنا طبيعة الصراع بين السلطة الحاكمة والجماهير الشعبية الثائرة، وماذا كانت أهم المطالب؟

 إن الصراع بين جماهير الشعب السوداني والنظام الحاكم هو صراع بين مصالح الجماهير ومصالح الرأسمالية الطفيلية الحاكمة. يوما بعد يوم ترتفع وتائر هذا الصراع بإزدياد شراسة النظام في إستنزاف الشعب وموارد البلاد، فبعد أن أهدر النظام ريع الطفرة النفطية التي دخلت خزائن الدولة(تقدر بـ 51 مليار دولار) لم تترجم إلى تنمية أو خدمات بل ذهبت إلى  أثرياء الإسلاميين-بعضهم تنفيذيين كبار وقادة في الحزب الحاكم- عبر الفساد الصريح أو المغطى بصبغة شرعية مما أدى إلى طفرة مهولة في ثروات الرأسمالية الطفيلية وإرتفاع في التضخم. وبعد إنفصال الجنوب حيث توجد جقول النفط الأساسية، وإضمحلال موارد الدولة الأخرى جراء سوء الإدارة السياسية والتنفيذية والإهمال المتعمد لتدمير بعض أهم موارد البلاد كمشروع الجزيرة العملاق الزراعي الذي كان يورد عائدات مهمة لخزينة الدولة عبر زراعة وتصدير القطن منذ الإستعمار البريطاني وجراء الصرف المهول على الجيش الذي يخوض حروباً أهلية تتناسل والأجهزة الأمنية المتضخمة والتي لا يستطيع النظام أن يخفض الصرف عليها لأنها درعه الأساسي والأخير ضد شعبه. بفعل كل هذه العوامل الاقتصادية وغيرها لجأ النظام لتنفيذ الحزمة الأخيرة في برنامج صندوق النقد الدولي فرفع أسعار الوقود وفرض زيادة ضخمة في الضرائب بالذات ضريبة القيمة المضافة القاتلة، عند ذاك انفجر غضب الجماهير واندلعت انتفاضة الشعب السوداني حيث تركزت مطالب الجماهير في التالي:

  • المطالبة بإلغاء الزيادات
  • إعادة الدعم للسلع الضرورية
  • محاربة الفساد
  • توفير الخدمات الأساسية بالذات الصحية مجانا.
  • ثم تطورت المطالب إلى الدعوة إلى إسقاط النظام.

تطور المطالب بسرعة شديدة لمرحلة إسقاط النظام ليست وليدة تحريض من القوى المعارضة للجماهير بشكل مفتعل ولكن هي تغير نوعي في الصراع المحتدم منذ اليوم الأول للانقلاب وعبر ثلاثة وعشرون عاما من التراكم، وأعتقد أن المرحلة هي مرحلة نضوج العوامل الموضوعية والذاتية لاندلاع انتفاضة تغيير النظام.

منذ أواخر مايو الماضي وحتى اندلاع الاحتجاجات أبدى صندوق النقد الدولي ترحيبه لتنفيذ السودان إجراءات تقشفية عديدة بحجة مواجهة عجز اقتصادي كبير. كيف ترى الإصلاحات التي وعد بها الرئيس في إطار تلك الإجراءات؟

لم يجرؤ أي نظام في السودان على تنفيذ روشتة صندوق النقد الدولي إتقاء لغضبة الجماهير أو لرفض الاقتصاديين تلك الوصفة المدمرة والقاسية؛ ما عدا نظام الإنقاذ الإسلامي والرأسمالي التوجه، فهذا النظام ينتهج ذات الايدلوجية الرأسمالية الشرسة، واقتصادييه هم مؤسسي البنوك الإسلامية في السودان والسعودية. هذه البنوك هي التي مولت الأنشطة التجارية للرأسمالية الإسلامية الصاعدة في نهاية السبعينيات تحت رعاية نظام  النميري المتحالف مع الإسلاميين والمؤسسات المالية السعودية (البركة وفيصل..الخ). والنظام بحسب أيدلوجيته الحاكمة بالحق الإلهي لا تقيم كبير هم لأغلبية المواطنين بل تعتقد أن عليهم”السمع والطاعة” وإلا ووجهوا بالقمع الرهيب والذي لم يشهد له السودان مثيلا.

تعود السودانيون من رئيسهم أن يقول ما لا يفعل.. يعد بإصلاحات ولا يغير شيئاً بل يزداد الوضع سوءا فهو في النهاية ينفذ برنامجه المتسق مع مطالب صندوق النقد الدولي.. سيمضي النظام في تنفيذ حزمة تعليمات الصندوق قدما، وقد حاول النظام في خضم الانتفاضة الماضية أن يمرر زيادة كبيرة في أسعار الكهرباء إلا أن إزدياد حدة الانتفاضة أجبرته على إلغاءها لكنه سيعاود الكرة لا محالة.

يرى البعض فرص تطور الانتفاضة السودانية ووصولها لحدودها الثورية في إسقاط النظام في ظل فساد أزكم الأنوف ونهب منظم مارسته السلطة الحاكمة للشعب الفقير، في حين يرى البعض الآخر أن الانتفاضة السودانية تعكس تدهور مؤقت للاقتصاد السوداني سرعان ما سيتعافى مع اقتراب تصدير الذهب والتوصل لاتفاق مع الجنوب بشأن النفط. كيف ترى مستقبل الانتفاضة السودانية؟

نبدأ أولا بأسطورة الذهب: إنكشف مؤخراً أن البنك المركزي خسر في بيع الذهب مبالغ مهولة وغير محددة بعد والتنقيب عموما هو تنقيب أهلي يقوم به مجموعة من المغامرين هجروا الزراعة التي إنهارت وإنساقوا وراء أحلام الثراء السريع، مع بعض التنقيب المنظم في منطقة إمتياز لشركة فرنسية شرق السودان وإستثمارات أخرى أصغر، هذا النشاط التعديني محدود ولا يغطي ولو جزء صغير في الفجوة الضخمة، وما ينتج عنه يذهب جزء كبير منه في الفساد الفاغر فاهه، وسوء الإدارة التنفيذية والمالية الغير قابل للعلاج لأن طاقم الإدارة المحدود العدد لا يتغير بفضل منهج التمكين للإسلاميين وإقصاء الآخر المتبع منذ ما يقارب الربع قرن من حكمهم.

أما الإتفاق مع حكومة الجنوب الذي سيوقع في النهاية فإنه سيوفر مداخيل محدودة لأنها مجرد رسوم وليس حصة في العائدات النفطية كما كان قبل الإنفصال. والأهم من ذلك أن الأنبوب الناقل سيحتاج لمدة أقلها الستة أشهر ليبلغ الضخ زروته والمباحثات متعثرة حتى الآن للوصول للإتفاق النهائي وقابلة للإنهيار. في غضون ذلك هناك إنفاق مهول ويتضاعف على الجيش والأجهزة الأمنية.

وبغض النظر عن الوضع الاقتصادي والذي لو زادت موارده فإنه لن يغير في حال المواطنين ولو بمجرد النسمة في هذا الإختناق، فكل زيادة في الموارد سيذهب 70% منه لأدوات القمع وسيبتلع الفساد والإنفاق البذخي ما تبقى.
في كل المجالات فشل الإسلاميون حيث إنهار الإقتصاد وبالذات الأنشطة الإنتاجية ويراوح الآن بين قروض دولية”ربوية” ورهونات للقطريين بلا حدود وسيطرة تامة للأنشطة الطفيلية غير الإنتاجية تحت الصيغ الإسلامية المزعومة مما يجعل الملايين خارج العملية الاقتصادية ويتحركون في هامشها. كما أظهروا فشل في التعامل الديمقراطي مع الواقع المتعدد للبلاد، فالأيدلوجية القائمة على الغلبة للعنصر/الثقافة العربية الإسلامية أدى إلى أقصاء كل الآخرين من غير ذوي تلك الأصول مما أدى إلى إنفصال جنوب السودان – ذلك الحدث الذي لم نفق من هوله حتى الآن لنفهم ونقيًم تبعاته ونتعامل مع جراحاته في الشعور الوطني الجمعي.

الحروب الأهلية تتسع يوما بعد يوم في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وهناك فساد مؤسسي محروس بقوة السلطة بدأ بفكرة التمكين المالي للحزب الحاكم للسيطرة على إقتصاد البلاد ليتحول إلى غول ضخم لا قِبل للنظام بمحاربته، وحتى لو أراد فقد أصبح فسادا في العائلات الحاكمة لا يشبعه شيء قادر على الإبتلاع والمطالبة بالمزيد. الغلاء أصبح فاحشا مع بقاء الرواتب ومداخيل الشعب على حالها في ظل إرتفاع نسب التضخم يوما بعد يوم بشكل لا قبل للأغلبية به ( تبلغ نسبة التضخم الآن حوالي 42% ).الخدمات الأساسية مثلا (الصحة والتعليم بشكل خاص) والتي يجب أن تكون مجانية في بلد أغلبية مواطنيه  فقراء لم يتم خصخصتها فقط بل وارتفعت أسعارها بحيث أصبحت مستحيلة على أغلبية الشعب وإنهارت نوعيتها تماماً.

إلى جانب ذلك وللطبيعة الديكتاتورية لحكم الإسلاميين فشلوا في التعامل مع التعددية السياسية للبلاد، ففي مجال الحقوق الأساسية والتحول الديمقراطي التي كانت أساس الدستور الإنتقالي بعد توقيع إتفاقية السلام السودانية قام الإسلاميين بالإلتفاف على الدستور عبر قوانين غير دستورية كقانون الأمن الوطني والصحافة..الخ وعبر تزوير مفضوح للإنتخابات البرلمانية والرئاسية، ثم عادوا للمربع الأول فقلصوا هامش الحريات لدرجة القمع العنيف الذي إنطلق من عقاله مسعورا ومزعورا في الانتفاضة الأخيرة، الأمر الذي سد أفق الحوار السياسي بل حتى الأمل في الحوار مما جعل الإصلاح والمساومة التاريخية مستحيلا.

أود هنا أن أشير إلى أمر بالغ الأهمية والخطورة؛ فبالتزامن مع الانتفاضة الأخيرة وفي سباق معها إنطلقت مبادرة أمريكية تكشفت عبر خطاب السيد ليمان –المبعوث الأمريكي للسودان- والذي سبق البشير لزيارة القاهرة قبل أيام، هذه المبادرة لها دعم عربي معلوم، وتهدف إلى إنقاذ النظام عبر تجميله وتقديم بعض التنازلات؛ فليس لأمريكا مثل الإسلاميين من حليف أو وكيل ينفذ سياساتها. هذا السباق لن يجهض الانتفاضة بل سيسرعها ويقوي عزم إنطلاقها.

دائما ما تلعب الطبقة العاملة دورا حاسما في الثورات الشعبية كما كان في تونس ومصر اللتان شهدتا ارتفاع ملحوظ في الحراك العمالي على مستوى إضرابات واعتصامات أربكت استقرار الطبقة الحاكمة. حدثنا عن دور النقابات والتنظيمات العمالية في الدفع الثوري وفي ظل تصريحات نائب الرئيس السوداني للعمال بشحذ الهمم وزيادة الإنتاج لمواجهة الأزمة الاقتصادية.

النظام الحاكم منذ اليوم الأول عمل على إلغاء الحركة النقابية وقمعها بوحشية، وقام-ضمن سياسة تمكين الإسلاميين وتنفيذا كذلك لتعليمات صندوق النقد- بفصل المئات من النقابيين المتمرسين ضمن قوائم ضمت الآلاف من العاملين في القطاع العام والدولة.

لكن ظل الصراع من أجل الحقوق محتدما وبالذات الحقوق النقابية، والحق في نقابات مستقلة تمثل المنضوين تحتها مطلبيا ومهنيا وفئويا، وبالضد من قانون نقابة المنشأة السيء السمعة، هذا القانون الذي يؤدي إلى إلغاء التمايز بين مصالح الفئات والمهن المختلفة وجمع الكل في نقابة تمثل المنشأة التي يعملون بها(كالأطباء والممرضين والإداريين والمحاسبين والعمال …إلخ في مستشفى واحد!). ويؤدي إلى تشتيت وإضعاف النقابات.

في خضم الانتفاضة نجح الأطباء مثلا في إنشاء نقابتهم، والمحامين، برغم سيطرة أتباع النظام على الإتحاد، كما نجحوا في القيام بفعاليات إحتجاجية ضخمة ودعم لا محدود مع المعتقلين.

وهناك إنتصارات نقابية في كل مكان الآن وقد أخذ العاملين والمهنيين زمام المبادرة. لكن ذلك ليس بالمستوى المطلوب أو الكاف وذلك لطبيعة النظام الحاكم من ناحية والتشوهات الهيكلية للإقتصاد السوداني من ناحية أخرى.

من رأيك هل هناك عوامل لم تتوفر في الانتفاضة السودانية ساعدت على خفوت حدتها بعدم الاستمرار بنفس القوة نحو مطلب إسقاط النظام؟

إن عدم تبلور البديل المقدم من قوى المعارضة للشعب هو عامل مثبط للانتفاضة وذلك واضح، فقوى المعارضة في تناقضاتها الطبقية\الايدلوجية\السياسية لم تحظ بعد بالمصداقية الكافية وثقة الشعب، لكن يوما بعد يوم ونتيجة لضغوط الشعب وبالذات القواعد الشابة للأحزاب اليمينية، والصبر المصمم والعنيد للقوى الديمقراطية لإنجاز أوسع تحالف وببرنامج حد أدنى متفق عليه ومقنع للجماهير، كفيل بحسم هذا العامل المهم لإنجاح الانتفاضة.

كما وأن القمع الوحشي للجماهير المنتفضة الذي إنتهجه النظام ساهم في إمتصاص الموجة الأولى للانتفاضة. هذا القمع الذي بلغ ذروته بإعتقال ما يزيد عن ألفي ناشط سياسي بعضهم من أهم الكوادر القيادية والوسيطة أضعف التخطيط والقيادة والإلهام لهذه الموجة، لكن ذلك أيضاً دفع بناشطين وكوادر أخرى للتصدي للمهام القيادية وهؤلاء دفعت بهم الجماهير في خضم المعركة.

هذه الموجة والقمع الذي واجهها لم يؤدي لإرعاب الجماهير كما توقع النظام، فالإستخدام المفرط للقوة والمقاومة الباسلة للشعب أدى لكسر حاجز الخوف وإزدياد ثقة الجماهير بنفسها وقدراتها.

من العوامل الهامة لاستمرار الانتفاضة هو التنسيق في فعاليات الإحتجاج والمقاومة، التنسيق بين القطاعات (المهنيين والطلاب مثلا) أو التنسيق بين المناطق( الشوارع والميادين والأحياء السكنية مثلا). كما وأن الجماهير في كل مدن البلاد تقريبا قد إنخرطت في الانتفاضة حتى في قلب دارفور والذي قدمت فيه “نيالا” أضخم التضحيات من شهداء وجرحى ومعتقلين إلا أن هذا الإنتشار الجغرافي الواسع كان يعوزه التنسيق والتنظيم اللازم، الأمر الذي لو حدث لأنهك النظام ولخارت قواه سريعا.

أيضا كانت الآلة الإعلامية والدعائية ضعيفةً بشكل واضح، وذلك بسبب إضمحلال هامش الحريات تماما للصفر فصحف المعارضة لا تصدر، فالميدان لسان حال الحزب الشيوعي مثلا صودرت كل أعدادها من المطبعة، ولأسباب ذاتية يمكن لقوى المعارضة معالجتها مما يسمح بالوصول لأوسع ما يمكن الوصول إليه من الجماهير.

معظم عوامل إنحسار الموجة الأولى هي عوامل ذاتية ولا شك أن قوى الشعب السوداني تعكف على معالجتها الآن وبوتائر عالية السرعة. إن التناقض بين الشعب والسلطة الحاكمة بلغ مداه التناحري الأقصى وإندلاع الموجة الجديدة للانتفاضة متوقع قريبا.

* إيهاب إدريس علي: ناشط سوداني ومحامي معارض اعتقلته أجهزة الأمن السودانية مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية.