بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودان والنفط

“كان البترول لعنة علينا”، هذا ما قاله يوماً الروائي السوداني جمال محجوب، متحدثا عن حركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون جارنج في جنوب السودان، بعد تأكد وجود مخزون نفطي كبير في هذه المنطقة. مر ربع قرن على اندلاع هذه الحركة وأربع سنوات على وفاة قائدها، جعل اكتشف البترول، في أقاليم عديدة أخرى، منها إقليم دارفور، من السودان “دولة نفطية”.

حيث يؤكد بنك التنمية الأفريقي أن العوائد البترولية حاليا تمثل 60 بالمائة من إجمالي عوائد الدولة السودانية، و 95 بالمائة من إجمالي عوائد صادراتها. وقد قدرت مجلة “جاز أند بترول جورنال”، الاحتياطي النفطي السوداني في 2007، بـ 5 بليون برميل، ما يجعله يحتل الصف الخامس في ترتيب الاحتياطيات الافريقية، بعد الأنغولي (8 بليون) وقبل المصري (3.5 بليون).

وحسب ما نشره موقع الإحصائيات الدولية “أنديكس موندي” بناء على تقارير لوكالة الاستخبارات الأمريكية، لم يكن هذا الاحتياطي يتعدى 1،6 بليون برميل في 2005 . ليس مستبعدا إذن أن تضاعفه ثلاث مرات في ثلاث سنوات هو بعضُ ما يفسر عودة السودان إلى واجهة الأحداث الدولية.

ولم يتوقف الإنتاج النفطي السوداني عن التزايد خلال السنوات العشرة الأخيرة إذ قفز من 75 ألف برميل في 1999 إلى 414 ألفا في 2006، ويحتمل أنه بلغ السنة الماضية 750 ألفا، أي نصف إنتاج دولة نفطية كليبيا. ولا مبالغة في القول إن نمو قطاع الطاقة كان العامل الأساسي في نمو الناتج المحلي الخام للسودان في السنوات الأخيرة : 5.10 بالمائة في 2003، 8 بالمائة في 2006 و12.8 بالمائة في 2008.

وتستغل البترول السوداني شركات أغلبها أسيوية، فالصينية “CNPC” تملك 40 بالمائة من أسهم مجمع “جريتر نايل بتروليوم أوبرايتن كومباني» الذي يستغل حقول «الكتلة البترولية 1»، شرقي النيل الأبيض، وتملك باقي أسهم المجمع «Petronas» الماليزية (30 بالمائة) و «ONGC» الهندية (25 بالمائة) و»Sudapet» السودانية (5 بالمائة). الشركة الصينية ذاتها، «CNPC»، تشارك في استغلال «الكتلتين 3 و7»، شرق النيل الأبيض، وتستغل «الكتلة 6» التي تمتد حتى جنوب دارفور.

بالنظر إلى كل هذا فإن الحملة الغربية لمحاكمة عمر البشير، في المحكمة الجنائية الدولية، هي حملة مقنّعة ضد نفوذ الصين في السودان، وتغلغلها في إفريقيا عن طريق الاستثمارات النفطية، وتقديم قروض منخفضة الفائدة إلى الدول التي أنهكها الاقتراض من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي.

كما ساند البيت الابيض جيش التحرير السوداني (جون جارنج)، يساند اليوم متمردي دارفور، أملا في إجبار حكومة عمر البشير على التملص من قبضة غريمها الصيني، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد منذ 1997. أما فرنسا فبعد أن ساندت الدكتاتور السوداني في وجه معارضة الجنوب، عادت لتضبط موقفها على الموقف الأمريكي، ويفسر ذلك بأن الوضع السوداني قد يعرف مستقبلا تطورات مصيرية. ومن هذه التطورات المحتملة انفصال الجنوب، علما أن فرنسا لم تيأس من استرجاع «الكتلة البترولية رقم 5» (أقصى الجنوب) التي تخلت عنها شركة «توتال فينا ألف» مرغمة عقب اندلاع المواجهات في الجنوب.

يبدو واضحا أن تزايد اهتمام القوى الامبريالية العظمى بالسودان مرتبط باقتراب موعد الاستفتاء على الوضع النهائي لأقاليم الجنوب المقرر إجراؤه في 2012 بموجب اتفاق السلام الموقع في 2005 بين عمر البشير وجون غارنغ. وقد يتمخض عن هذا الاستفتاء انقسام البلاد إلى دولتين، إحداهما «شمالية» والأخرى «جنوبية» يسيرها قادة جيش التحرير السوداني.