بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

حول أهم الحركات المناهضة للرأسمالية في ربع القرن الأخير

الأسئلة الكبرى لحركة سياتل

لم يعد أحد اليوم من اليمين أو اليسار يجرؤ أن يهمل حركة مناهضة الرأسمالية، التي بدأت خطواتها الجادة الأولى قبل عامين في نوفمبر- ديسمبر 1999 في سياتل في الولايات المتحدة. فلقد شبت هذه الحركة عن الطوق، واستطاعت أن تفرض قضية مقاومة الرأسمالية العالمية ومؤسساتها (كالبنك والصندوق الدوليين ومنظمة التجارة العالمية) على أجندة الطبقات الحاكمة في المراكز الكبرى للتراكم الرأسمالي في العالم.

والأكيد أنه ليس من المبالغة القول، خاصة بعد التقدم الرائع الذي أحرزته الحركة في جنوة، أن هذه الحركة تمثل أهم وأكبر تطور في الصراع الطبقي العالمي منذ أيام 68 المجيدة. وفي منطقتنا العربية – وفي الشرق الأوسط على وجه العموم – ربما ينظر البعض للحركة كمجرد أخبار عن عوالم بعيدة تتناقلها صحفنا بهذه الدرجة أو تلك من الأمانة أو التعاطف (أو بالطبع العداء). على أن هذه النظرة، فضلاً عن أنها تعكس مفهومًا منغلقًا ومحدودًا عن الصراع الدائر في عالمنا الواحد، فهي في الواقع تهمل حقيقة أساسية، وهي أن توسع حركة سياتل المناهضة للرأسمالية النيو-الليبرالية، تكمن الفرصة ويوجد الأفق لبناء مرتكز جديد لحركة سياتل المتصاعدة.

وفي هذا المقال لن يكون هدفنا تفصيل مراحل ومسار حركة سياتل، ولا تحليل كل أبعاد الصراع الأيديولوجي (الفكري) بين عناصرها المختلفة، ولكن سينصب تركيزنا على طبيعتها وجذورها ومعضلاتها الإستراتيجية، بالإضافة بالطبع إلى روابطها بالإطار العام للصراع الطبقي العالمي، ومن ثم إمكانية توسعها إلى نضال جماهيري ضد الرأسمالية يقع مركزه في أوساط الطبقة العاملة، بصفتها الطبقة الأساسية القادرة على دفع المعركة إلى الأمام وإعطائها طابع جذري شامل.

جذور وبدايات

في مطلع عقد التسعينات، كان الأمر يبدو كما لو أن الأيديولوجية الرأسمالية قد حققت انتصارًا حاسمًا (وفي رأي بعض السذج نهائيًا) على الاشتراكية بكافة ألوانها وأشكالها. بالطبع كان هذا واحد من آثار الانهيار المدوي لدول الكتلة الشرقية واحدة تلو الأخرى. ولكنه أيضًا- وبنفس المقدار- كان من نتائج الهزائم المتتالية التي شاهدتها الطبقات العاملة في مختلف بلدان العالم على مدى سنوات أواخر السبعينات والثمانينات. ففي المراكز المتقدمة للرأسمالية العالمية، وعلى خلفية الهزائم والتراجعات، سيطرت سياسات وأفكار اليمين وأذنابهما، وأصبح المنطق النيو- ليبرالي (الذي يعني ليس أكثر من تكثيف استغلال الجماهير العاملة) هو المنطق السائد في دول الغرب، وأيضًا في المؤسسات الدولية التي تمثل مصالح الدول الإمبريالية الكبرى عالميًا. أما في دول ما يطلق عليه العالم الثالث، فقد سار على قدم وساق- خاصة مع تصاعد أزمة، وعلى إدماج الاقتصادات المحلية في الأسواق العالمية، كل ذلك من خلال إجراءات متوحشة للخصخصة وسحب الدعم والخدمات الاجتماعية، وضرب الحركات العمالية والاجتماعية.

في ظل جو كهذا كانت مقاومة الرأسمالية تأخذ فقط أشكالاً جزئية، قطاعية، مطلبية. ففيما عدا استثناءات قليلة، كانت معظم الإضرابات العمالية في الرأسماليات الصناعية، حتى بغض النظر عن نتائجها، إضرابات قطاعية محدودة حول قضايا تخص مصنع واحد أو ربما قطاع صناعي واحد. لم تسمح حدود وظروف كهذه بطرح أسئلة كبرى حول “النظام” وطبيعته ومقاومته. ولم تسمح بالتالي بنشوء حركة لها هذا الأفق والإمكانية. بالطبع كانت توجد قوى “مسيسة” تطرح منظورًا ضد- الرأسمالي، ولكنها كانت قوى معزولة صغيرة على هامش الصراع الطبقي بكل المعايير.

وبدون شك نستطيع أن نرى الهوة الضخمة التي تفصل بين حدود حركات الثمانينات وأوائل التسعينات، وبين حركة سياتل بما تعنيه من عولمة لمقاومة الرأسمالية، ومن طرح للقضايا الأساسية الجوهرية، ومن شمول للنظرة (بغض النظر عما يعتري تلك النظرة من تشوش). فكيف حدث هذا التحول؟ كيف ولدت هذه الحركة من رحم شروط المرحلة السابقة؟ وكيف استطاعت في أعوام قليلة أن تخلق لنفسها أفقًا عالميًا، ليس فقط في النظرة، ولكن أيضًا- وبنفس القدر من الأهمية- في القدرة على التعبئة؟

حتى نفهم هذا “التحول” علينا أن ننظر إلى ثلاثة عناصر تتداخل في وحدة، ولم يكن ممكنًا أن يتحقق مفعولها إلا بوحدتها: تناقض أيديولوجية “الانتصار الحاسم للرأسمالية” مع الواقع المعاش، انحسار الأثر السلبي لهزائم أواخر السبعينات والثمانينات، وأخيرًا وليس آخرًا تطورات الأزمة الاقتصادية- السياسية- الاجتماعية في المراكز المتقدمة للتراكم الرأسمالي.

فعلى الرغم من مظهر الانتصار الذي بدت عليه الأيديولوجية النيو- الليبرالية في مطلع التسعينات، إلا أنه ربما يكون من غير المبالغة القول أن هذه الظاهرة- المؤقتة على أي حال- كانت ترجع إلى الفراغ والأزمة الأيديولوجية على اليسار ربما أكثر من القوة الذاتية لليمين. وقد كان من المفارقات ذات المغزى أنه حالما حققت الليبرالية “انتصارها المشهود”، شهدت الرأسمالية العالمية موجة شخصًا كهيلموت كول (المستشار الألماني في ذلك الحين) يؤكد أن: “ما تشهده ألمانيا ليس كسادًا عاديًا، إنما أزمة بنيوية تراكمت على مدى سنوات طوال”. طال هذا الكساد- بدرجات متفاوتة- المراكز المتقدمة للرأسمالية العالمية بما فيها الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، وباقي دول الاتحاد الأوروبي.

من هنا بدأ التآكل يحدث مفعولة في أيديولوجية الليبرالية الجديدة (المتوحشة) التي وعدت بإنقاذ شعوب العالم مرة وإلى الأبد من فظائع الستالينية وشرورها، وبإدخالها في جنة الليبرالية الوارفة الظلال! ثم تتابعت الوقائع والتجارب المريرة: من الانهيار الاقتصادي المروع في الاتحاد السوفيتي الذي رجع بهذه الدولة عشرات السنوات إلى الوراء في غضون نصف عقد من الليبرالية ليس أكثر، إلى الانهيارات المتتالية في أمريكا اللاتينية إلى الأزمة الاقتصادية الحاسمة وذات المغزى في جنوب آسيا، إلى الكساد الراهن في اليابان، ثم التراجع الاقتصادي البادي بقوة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع كل واحدة من هذه التجارب، يثبت بشكل قاطع من خلال تجربة الحياة اليومية أن الليبرالية الجديدة تعادي مصالح الأغلبية الساحقة من سكان هذا الكوكب. وفي النهاية انهارت تقريبًا تلك الأيديولوجية لتناقضها المباشر والصادم مع خبرة الحياة في عقد التسعينات. فكما صعدت هذه الأيديولوجية بشكل مفاجئ ومناقض للأساس الموضوعي للاقتصاد العالمي، انهارت أيضًا بشكل سريع تاركة فجوة هائلة بين أفكار منظري “الرفاهية الليبرالية الجديدة وبين مصالح وتطلعات ملايين البشر من الكادحين.

على أن تفسخ الأفكار البرجوازية وفقدانها لسيطرتها وتأثيرها على الجماهير مهما يكن عمقه لا يمكنه وحده أن يخلق ثورة. إذ أن تتلازم في وحدة واحدة مع عملية فقدان الثقة في الأفكار السائدة عملية بناء لأفكار جذرية، أو ثورية، جديدة وقابلة للحياة. المسألة هنا ليست مسألة نظرية، وإلا لكانت غاية في السهولة: ففي نهاية المطاف كلنا يعلم أن الكتب مليئة بالأفكار الثورية. المسألة في جوهرها مسألة عملية، مسألة أن تخلق خبرة الاستغلال والقمع- التي ولدت الشك في أفكار البرجوازية- خبرة أخرى للمقاومة والرفض. هنا- وفي هذا السياق- يمكن أن تُخلق الأفكار الجذرية التي تساهم في تغيير الحياة.

وربما كان واحدًا من أنهم الآثار التي أحدثتها وقائع سنوات التسعينات هو تمهيد الأرض لميلاد حركة المقاومة الجديدة. وواحد من أهم عناصر عملية تمهيد الأرض كان انحسار الأثر السلبي لهزائم الثمانينات، أولاً وقبل كل شيء من خلال تفسخ وانزواء جيل القيادات المهزومة التي أفرزتها موجة مد السبعينات، ثم انسحبت إلى الأكاديمية، وما بعد الحداثة، وربما إلى اليمين ذاته، على مدى الثمانينات. خرجت هذه القيادات من النسيج الحي للحركة العمالية والحركات الاجتماعية، وانتقلت (ماديًا) إلى مواقع أخرى. وفي نفس الوقت تجددت دماء المجتمع والطبقة العاملة والحركة الطلابية وغيرهم، بعناصر شابة لم تعش خبرة الهزائم، ولم تبلور منظور سياسي لتبرير الهزيمة و”تعميقها فلسفيًا” هذا الجيل هو الذي نراه في قلب حركة سياتل، سواء من الأوساط العمالية، أو من مختلف الأوساط المناهضة للرأسمالية.

وفي تلازم مع تجديد الدم الاجتماعي- الطبقي هذا، وفي تلازم أيضًا مع تسارع دورات الكساد في مختلف مراكز الرأسمالية، ثم على خلفية تصاعد سياسات الإفقار وتعظيم الاستغلال، بدأت تتبلور حركات المقاومة الجديدة. وقد لعبت حالة الاستقطاب الطبقي في مراكز مهمة كأوروبا الموحدة، وأمريكا اللاتينية، وشرق أوروبا، وجنوب شرق آسيا، دورًا هامًا في بلورة شكل ودرجة حدة المقاومة. إذ لم يقتصر أثر الأزمات الاقتصادية المتتابعة على الإفقار فقط، وإنما تعداه إلى خلق أزمات سياسية ذات أشكال متعددة. ففي أوروبا، شهدت القارة واحدة من أكثر حالات الفوضى السياسية عمقًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث تساقطت – كأوراق الخريف – أحزاب مستقرة على مدى عقود. في إيطاليا مثلاً، لم ينهر الحزب الشيوعي وحدة، وإنما امتدت الخلخلة – وبقوة – إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي العتيد وفي أسبانيا تلقت الاشتراكية الديمقراطية، التي حققت في الثمانينات انتصارات مشهودة، ضربات موجعة قوضت الحزب الذي ظل مسيطرًا ما يقترب من عقدين من الزمان. ومؤخرًا في ألمانيا، تلقى الحزب المسيحي الحاكم على مدى سنوات طوال هزائم قصمت ظهره وأقعدته. وهلم جرا. أما في شرق أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فقد بدا للكثيرين أن الحكام “الديمقراطيين” الجدد يمثلون مافيا أخطبوطية تمص دماء الشعب. في إندونيسيا سقط ثلاث حكام على مدى ثلاث سنوات، وفي الفلبين، وبيرو، وغيرها كثير، كانت قضايا الفساد تتلاحم مع قضايا الاستغلال والإفقار. ولم يشك أحد للحظة أن عدم الاستقرار السياسي مربوط بلا انفصام بالأزمة والانهيار الاقتصاديين.

أزمة القوى السياسية التقليدية التي نتحدث عنها كانت- ولا زالت- تعكس بطرق معقدة ومتباينة إفلاس المؤسسات والأحزاب التي نشأت في ظل “التوازنات القديمة” وعدم قدرتها على التعبير عن الواقع الجديد. وربما كانت أزمات الأحزاب الإصلاحية في الديمقراطيات الغربية هي الأكثر تأثيرًا وأهمية من وجهة نظر مساحات وفرص ظهور حركات نضالية جديدة (وذلك بالذات إذا وضعنا في الاعتبار أن مركز حركة مناهضة الرأسمالية لا يزال حتى اليوم في الدول الصناعية). فهذه الأحزاب تعاني اليوم من شلل غير مسبوق: فلا هي قادرة على إجراء إصلاحات تحافظ بها على ولاء قاعدتها العمالية التقليدية، ولا هي قادرة على خلق قاعدة طبقية جديدة تستطيع من خلالها أن تحفظ توازنها السياسي. وحتى في الولايات المتحدة، التي كان عقد التسعينات بالنسبة لها عقد انتعاش ونمو متواصلين، فإن حدوث هذا على حساب تخفيض هائل في الأجور مع تفكيك لدولة الرفاهية، قد خلق مرارة تجاه “النظام” بدأت آثارها تظهر فور- وبل وحتى قبل الاختلال الأخير في التوازن الاقتصادي.

من مجموع هذا كله – أزمات اقتصادية متتالية، هجوم شرس على كل مكتسبات العمل، تحلل أيديولوجية الليبرالية الجديدة، ميلاد جيل جديد متخلص من الهزائم – ولد أفق جديد في نهاية التسعينات. أفق سمعنا أولى أصدائه في سياتل، ثم ترددت تلك الأصداء في براغ ونيس وكيبك وجوتنبرج وتايلاند وواشنطن، ثم تعالت وتصاعدت في جنوة في مظاهرات قوتها 300 ألف مناهض للعولمة الرأسمالية.

انطلاق الحركة وتطورها

قبيل اندلاع الشرارة الأولى لحركة مناهضة العولمة في سياتل في نوفمبر – ديسمبر 1999، كان النصف الثاني من التسعينات قد تطورًا مهمًا: عودة النضالات العمالية ذات التأثير القومي. لم يحدث هذا فقط في فرنسا – الدولة ذات التاريخ والحاضر المتأججين طبقيًا- مع إضراب ديسمبر 1995 ضد خطط ألان جوبيه “الإصلاحية” أو مع سلسلة إضرابات إبر فرانس وسائقي الشاحنات، ولكنه حدث أيضًا في العديد من الدول الرأسمالية المتقدمة و”النامية” كما يسمونها: في كوريا في عدد من الإضرابات العامة وعدد من الإضرابات لعمال صناعة السيارات، في إيطاليا في إضراب عام، وفي بلجيكا واليونان ونيجريا وغيرهم في عدد من الإضرابات العامة، بل وفي الولايات المتحدة في إضرابات جنرال موتورز وعمال البريد.

وبالرغم من أن قليلين هم الذين يتحدثون عن هذه الإضرابات عندما يطرحون على أنفسهم السؤال عن طبيعة وخلفيات حركة مناهضة العولمة، إلا أنه ليس هناك من شك في أن إغفال هذه الإضرابات وطمسها من الصورة سيؤدي إلى التخبط بشأن أسباب وتوقيت ميلاد الحركة. فهذه الإضرابات هي بالذات التي فتحت باب وأفق النضال الجماهيري الجماعي أمام أعداء العولمة الرأسمالية. لم يكن التوتر والتأزم والمرارة وزوال الأوهام هم فقط الإطار الذي انطلقت منه حركة سياتل؛ احتاجت الحركة – بالإضافة إلى كل ذلك – إلى بيئة نضالية ومثل كفاحي حتى تنطلق في طريقها، وقد توفر هذان على مدى النصف الثاني من التسعينات في صورة حركة عمالية تستيقظ من سباتها وتحقق لنفسها مسار ومسيرة مؤثرة.

وربما كان التناقض الذي خلقه الواقع بخصوصيته هو أن حركة سياتل التي حفزتها – على الأقل جزئيًا – إضرابات العمال، قد ولدت ثقل عمالي محدود، أو في أحسن الأحوال غير مركزي. فبالرغم من الوجود العمالي المؤثر والظاهر في سياتل (لحظة البداية)، حيث شارك الـAFL-CIO، وهو أكبر اتحادات العمال الأمريكية، في الحشد والتعبئة، بالرغم من ذلك إلا أن الأكيد أنه في محطات أخرى للحركة كان الوجود العمالي هامشيًا تمامًا. بل أنه في نيس (بعد عام من سياتل)، وفي المظاهرات التي حاولت محاصرة اجتماع حكومات الاتحاد الأوروبي، قرر جناح أساسي ومؤثر من اليسار المشارك في حركة مناهضة العولمة أن يقاطع المظاهرات العمالية يوم 6 ديسمبر2000، ويحشد لمظاهرة أخرى في اليوم التالي تضم العمال “الحمر” فقط! وهو ما أدى بالطبع إلى فشل ذريع للمظاهرات. هذا ناهيك عن الأصوات العالية لقوى مختلفة ترى أن عصر الطبقة العاملة ولى وانقضى منذ عقود طوال. وهكذا نرى أنه بين عصبوية بعض قوى اليسار من ناحية، والتشكك التقليدي في أوساط حركات المجتمع المدني في “النزعة العمالية” من ناحية أخرى، بالإضافة بالطبع إلى المشاكل الخاصة بالحركة العمالية، لا تحظى إستراتيجية الارتباط بالعمال حتى اليوم بنفوذ واسع في أوساط “شعب سياتل”.

وإذا كنا سنتحدث عن المحطات الأساسية في حركة مناهضة العولمة، فمن المناسب أن نقول أن محطة براغ (سبتمبر2000، ضد الاجتماع السنوي للبنك الدولي وصندوق النقد) كانت هي الأخرى مفصلية. فإذا كانت نيس قد أبرزت واحدة من أوجه ضعف الحركة، وهي بالتحديد علاقتها المتأزمة – أو فلنقل غير السلسة – بالحركة العمالية العالمية، فإن براغ قد أبرزت وجهًا من أوجه القوة والتطور في تلك الحركة. ففي براغ ظهر لأول مرة بقوة الطابع الأممي للحركة. وهذا ما سمحت به الأرض الأوروبية، ونتيجة للتراث اليساري الأكثر تجذرًا في أوروبا، كانت مظاهرات براغ أممية حقًا. في براغ – كما يؤكد أحد المشاركين الاشتراكيين الثوريين – أنصهر الكردي مع التركي مع اليوناني مع الألماني مع البولندي مع الأسباني مع الباسكي في وحدة واحدة. امتزج الجميع في نضال أممي واحد تحت شعارات موحدة ضد الرأسمالية العالمية ومؤسساتها الخبيثة. في براغ أيضًا برزت قوة اليسار الراديكالي على أفضل ما يكون مقارنة بسياتل. حيث استطاعت المنظمات الراديكالية أن تحشد بشكل مؤثر للمظاهرات مما أعطاها طابع أكثر جذرية وكفاحية.

أما محطة جنوة، فقد كانت – من وجهة نظر كل مشارك ومراقب – فارقة وحاسمة. في هذه المحطة لم يحدث فقط أن تحقق حشدًا غير متوقع، حتى من وجهة نظر أكثر المشاركين تفاؤلاً، وإنما يمكن القول أن الحركة شبت عن الطوق، من حيث القاعدة الاجتماعية ومن حيث التنظيم ووحدة المطلب. فقد مهدت الأعمال التحضيرية، التي كان مسئولاً عنها منتدى جنوة الاجتماعي، الطريق لخلق درجة أعلى من التماسك والتجانس في حركة هي بطبعها صعب أن تكون موحدة من الناحية الإستراتيجية (بسبب تباين – بل وتعارض – القوى المشاركة فيها). وتحت شعاري “البشر قبل الأرباح”، و”عالمنا ليس للبيع”، بما يتميزان به من بساطة وقدرة على جذب تعاطف أوسع قطاع ممكن من المضطهدين والمستغلين، استطاعت الحركة أن تحشد300 ألف في أكبر مظاهرة مناهضة للعولمة الرأسمالية حتى تاريخه، أما من ناحية القاعدة الاجتماعية، فحجم الحشد المتظاهر نفسه يوحي باتساع القاعدة الاجتماعية. على أن الأهم هو حجم المشاركة العمالية في الحركة. جنوة تمثل علامة فارقة في هذا السياق. فقد أيدت الاحتجاجات عشرات من النقابات العمالية، سواء بسبب النجاحات الخاصة للحركة الأممية لمناهضة العولمة، أو بسبب خصوصية الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية الإيطالية.

ما هي حركة مناهضة العولمة؟

لا يكفي لكي تفهم حركة ما أن تشرح الخلفية التي نشأت على أساسها، ولا أن تشرح محطاتها الرئيسية. عليك إلى جانب هذا كله أن تشرح طبيعتها الطبقية، وأن تحدد أفقها ومشروعها السياسي. في هذه النقطة بالتحديد نجد أن اليسار الراديكالي منقسم على نفسه، أو على الأقل متباين في تصوراته. فهناك أولئك الذين يميلون – مع الاعتراف بأهمية الحركة وتأثيرها – إلى جانب النقد، معتمدين على لفت الانتباه إلى تنافر العناصر المكونة “لشعب سياتل”، وإلى ميل بعضها إلى أفكار محافظة وقومية، بل ورجعية يشير هؤلاء النقاد إلى النقابات المحافظة (النقابات الأمريكية على سبيل المثال قدمت في سياتل مطالب حمائية من ضمنها منع دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية)، وإلى جماعات الأكاديميين المعتدلين، وإلى مؤسسات المجتمع المدني المتذبذبة ذات الأجندات البرجوازية الصغيرة النفعية.. الخ.

إلى جانب هؤلاء – وفي سجال دائم معهم – يوجد المؤيدون الذين يركزون على الجوانب الإيجابية للحركة من حيث أنها حطمت جدار الخضوع والاستكانة، وشقت مجرى جديد، وطرحت بشكل واضح شعارات الواقع في السنوات السابقة – ضد الرأسمالية وآثارها ورموزها.

على أنه من الواضح – من وجهة نظر الرؤية الماركسية الثورية الحية – أن المشكلة في السؤال عن الطبيعة الطبقية للحركة تكمن في طريقة ومنهج طرحه. إذ أن طرح هذا السؤال من وجهة نظر استاتيكية جامدة – “ما هي القوى المشاركة في الحركة الآن وفورًا؟” – يؤدي بالضرورة إلى خلط وتخبط في الفهم. فالقوى المشاركة في سياتل على سبيل المثال تختلف بشكل ظاهر عن تلك التي شاركت في جوتنبرج أو براغ أو جنوة وغيرهم. ولا يرجع هذا فقط إلى التطور الداخلي للحركة من مرحلة إلى مرحلة، وإنما أيضًا إلى تطور تأثيرها الخارجي، وإلى اختلاف البيئات المحلية لكل موقع (بلد) تتم فيه التعبئة والحشد.

وعلى ذلك ربما يكون من الأنسب النظر للحركة في تطورها ونموها وأفقها، بدلاً من النظر إليها في إحدى مراحلها معزولة عن سياقها. فلا يجب أن ننسى أن هذه حركة في مرحلة تشكل وتبلور، لا يجب أن نغفل أن مستقبلها ربما سيكون مختلفًا بشكل ملحوظ عن ماضيها وحاضرها. فكما أشرنا سابقًا، ليس هناك من شك في أن المرارات الطبقية التي خلقتها أزمات وهجمات سنوات الثمانينات والتسعينات قد تفجرت في مسارين مرتبطين بشكل جدلي، ولكنهما يحتفظان حتى اللحظة الراهنة بتميزهما واستقلالهما النسبي. فمن ناحية أولى تبلورت حركات مقاومة متتابعة – كان مركز ثقلها الأساسي هو الطبقة العاملة وإضراباتها المنظمة – ضد الرأسمالية المحلية والدول البرجوازية الممثلة لها، وفي مواجهة السياسات الليبرالية الجديدة. ومن ناحية ثانية برزت – في مرحلة متأخرة بعض الشيء – حركة مناهضة العولمة الرأسمالية بسماتها المعروفة لنا.

والحقيقة أن فهم تطورات وآفاق الجدل بين حركة سياتل ومظاهر النضال الطبقي العمالي والجماهيري الأخرى هو الذي يشرح لنا طبيعة الحركة وإمكانات تطورها المستقبلية. فصحيح تمامًا أن تلك الحركة نمت في بيئة الأزمات وتبخر الأوهام وتصاعد النضالات العمالية، وهي البيئة التي ترسخت أكثر فأكثر مع مرور سنوات التسعينات. ولكن صحيح أيضًا أنها – كما ألمحنا سابقًا – تضم قوى مؤثرة تسعى إلى عزلها عن التيار العام للنضال الطبقي (العمالي بالذات)، وإلى قصر أفقها على تعبئة ما يطلق عليه “المواطنين” فقط، بما يعني في الواقع تقييدها بنطاق الطبقة الوسطى وقواها من أكاديميين ومثقفين ونشطاء مجتمع مدني. وبين هذه القوى المقيدة، وبين الساعين إلى دفع الحركة في اتجاه الالتحام بالمجرى العام للصراع الطبقية والعمالية، بدور صراع بدأ يتصاعد في المرحلة الأخيرة بالذات.

وفي سياق هذا التنافر المتزايد – بإمكانيات المستقبلية المفتوحة – يمكن أن نرى أن حركة مناهضة العولمة لا زالت كتابًا لم تكتب فصولة كلها بعد، بل ربما لم تكتب لهم فصوله بعد. فأولئك القادمين من أوساط الطبقة الوسطي الجديدة الذين بدءوا يطرحون تساؤلات جذرية حول طبيعة النظام وحول وحشيته وإفلاسه، وأولئك الطلاب الذين تفرض عليهم وضعيتهم الاجتماعية الانتقالية الخاصة حساسية شديدة إزاء الكارثة التي تحيق بالعالم في ظل الرأسمالية، كل هؤلاء تضغط عليهم الظروف المحيطة في اتجاه بناء حركة مقاومة ضد توحش رأس المال وضد نهب كوكب الأرض وثرواته وشعوبه. وقد شرعوا بالفعل في بناء هذه الحركة، ثم انطلقت وأصبح لها وزنها وجماهيريتها، ومن ثم أصبح السؤال هو هل ستظل حركة سياتل حركة “مواطنين طبقة وسطي” في قيادتها ورؤيتها، أم أن التزايد المتوقع في جماهيريتها – مع احتدام الأزمة السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية – سعيد مع الزمن، ومع الجهد الدءوب من جانب قوى اليسار الجذري، تعريف مواقفها وإستراتيجيتها؟

والواقع أن قدرة حركة سياتل الظاهرة على تعبئة قوى عديدة ومتباينة مناهضة للرأسمالية تعد نقطة قوة بلا شك، ولكنها تطرح بإلحاح مسألة الهيمنة: أي بلغة أخرى تطرح السؤال عمن من القوى الطبقية – الاجتماعية له القدرة على الهيمنة على هذه الحركة وقيادتها فكريًا وتنظيميًا. هذا السؤال لا يمكن أن نتوقع أن تكون إجابته نظرية. الإجابة سيطرحها الواقع عمليًا. فإما أن تسير الحركة في طريق مسدود، وذلك إذا ما اختنقت في عصبويتها التي ستعزلها عن الطبقات الاجتماعية الأساسية المعادية للرأسمالية، وبالتالي تصبح مجرد حركة فوقية تدور في حلقة شريرة تتجاوزها الأحداث والنضالات المتصاعدة، أو أن تنفتح على تلك الطبقات الأساسية لتخلق لنفسها أفق وعمق وجماهيرية – وهو ما يبدو أنه يحدث بأسرع مما كان يتوقع الكثيرون. وفي هذه الحالة ستطرح مسألة الهيمنة نفسها عمليًا: أي طبقة ستستطيع ذاتيًا وموضوعيًا في تلك اللحظة أن تهيمن وتقود؟

إن ما نطرحه هنا شبيه إلى حد كبير بالإشكاليات المفهومة للحركات الطلابية. هذه الحركات تبدأ في الحرم الجامعي، وبين الطلاب بطبيعتهم الخاصة. ولكنها سرعان ما تجد نفسها في مأزق وجود: فإما طريق مسدود، أو الالتحام بالحركة الأوسع للطبقات الأساسية في المجتمع، وعلى رأسها الطبقة العاملة. وفي الحالة الأخيرة ما يحدث هو أن تتجاوز الحركة الطلابية ذاتها، ومطالبها المحدودة، لتصبح حركة المجتمع كله، حركة كل المستغلين، أي حركة جماهيرية حقًا تطرح على ذاتها بشكل عملي مسألة القيادة والهيمنة.

غير أنه من الضروري أن نؤكد هنا أن “تجاوز” أي حركة لذاتها، وتحولها إلى حركة اجتماعية – طبقة شاملة، ليس قرارًا يمكن أن تأخذه – بمحض إرادتها – القوى والمنظمات القائدة للحركة! يحتاج هذا التحول إلى تبلور شرط موضوعي مناسب: استحكام الأزمة الاجتماعية – السياسية إلى الحد الذي يفرض تعميم الحركة الجماهيرية ضد النظام السائد. وبهذا المعيار فإن حركة سياتل – بالرغم من أجواء الأزمة وانهيار الآمال – ليست اليوم في الوضع الذي يدعونا إلى توقع انتقالها سريعًا وبشكل سلس إلى حركة شاملة وعميقة الجذور في أوساط الجماهير. فالرأسمالية العالمية في مراكزها الكبرى – كما نرى – لم تصل أزمتها بعد إلى حد انهيار أسس الاستقرار القائم، وذلك تقف الولايات المتحدة على أعتابها اليوم ربما تمثل القشة التي ستؤدي إلى تسارع الخطوات في اتجاه “المعركة الفاصلة”.

خلافات شعب سياتل وأفق المستقبل:

تحتاج حركة سياتل إلى أن تصبح حركة جماهيرية حقًا حتى تطرح على نفسها بشكل عملي مسألة القيادة الطبقية (أي الطبيعة الطبقية). ولكن هذا ليس كل شيء. فحتى تصل حركة سياتل إلى هذا المستوى من التأثير والجماهيرية، تجتاح – بالإضافة إلى توفر الشرط الموضوعي المناسب – إلى أن تتبع سياسات معينة وأن تتجنب أخطاء معينة، أي بلغة أخرى تحتاج إلى بلورة إستراتيجية ذات أفق جماهيري مسيس.

ولا نحتاج إلى كثير من الخبرة والعمق حتى نكشف أنه ليس من الضروري على وجه الإطلاق أن تسير حركة سياتل في الطريق الصحيح فللأسف، من الممكن أن تسير الحركة في مسارات خانقة، قاتلة استراتيجيًا، تؤدي في نهاية المطاف إلى تفويت كل فرصة للتقدم للأمام. ومن وجهة النظر تلك تكتسب الخلافات الإستراتيجية بين قوى سياتل – خاصة الخلاف حول مسألة العنف – أهميتها. فهذه الخلافات هي في الحقيقة خلافات حول إمكانيات المستقبل وفرصه.

في الشهور الأخيرة، خاصة بعد مظاهرات جنوة، بدأت الخلافات والمخاوف تتصاعد بين القوى المكونة للتحالف المناهضة للرأسمالية الليبرالية الجديدة. وذلك على خلفية الإحساس المتزايد لدى البعض من المعتدلين – بل ومن الجذريين أيضًا – بأن الحركة تسير في طريق مسدود، أو على الأقل غير المرغوب فيه. تنامي هذا الإحساس مع تصاعد القمع الموجه من قبل الطبقات الحاكمة تجاه حركة مقاومة الرأسمالية. ففي جوتنبرج في السويد، في شهر يونيو الماضي، استخدم البوليس لأول مرة الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين مما أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص. وفي جنوة كانت حادثة مقتل كارلو جولياني – وهو نشطاء الحركة – علامة فارقة من وجهة نظر الكثيرين.

مع تصاعد العنف من جانب الدولة، بدأ الكثيرون يراجعون مواقفهم. فقد كتبت سوزان جورج – نائب رئيس منظمة أتاك، وهي أهم منظمات مناهضة العولمة – أنها اليوم أصبحت مترددة في العمل على تعبئة آلاف الشباب ليشاركوا في مظاهرات وأعمال احتجاج قد تؤدي إلى إيذائهم أو مقتلهم. وفي نفس الوقت كان انسحاب منظمة “أسقطوا الديون” من اليوم الأخير من مظاهرات جنوة، علامة أخرى على ظهور انقسامات في أوساط نشطاء الحركة بصدد ما ينبغي عمله في مواجهة العنف المتصاعدة.

وبالطبع فإن واحد من ردود الأفعال الأساسية على “التصعيد” من جانب الطبقات الحاكمة، كان رد الفعل الفوضوي، وهو المتمثل في رفع شعارات مواجهة العنف بعنف مضاد. أي بتصعيد أعمال تحطيم المحلات والعربات وضرب البوليس وغيرها، وهي الأعمال التي واكبت حركة مناهضة الرأسمالية منذ بدايتها. وعلى جانب آخر كان هناك هؤلاء الذين يصممون على إنهاء كل عمل من أعمال العنف بوصفها “السبب الرئيسي وراء تصعيد العنف الرسمي”، وذلك بهدف “تفويت الفرصة على أعدائنا”!

الأمر الواضح إذن هو أن هذا الخلاف بين قوى سياتل بدأ مؤخرًا يأخذ أبعادًا كبيرة، خاصة أن الصحافة البرجوازية تضغط بقوة من أجل تعبئة رأي عام ضد الحركة بإبراز ما تسميه بوقاحة بـ”العنف الهمجي ضد النظام والمدنية”! هذا الضغط، إلى جانب تكتيكات أخرى من جانب الحكام، يعملان على إحداث انقسام في الحركة بين المعتدلين والمتطرفين، وهو انقسام لو حدث في هذا الوقت المبكر لن يكون في مصلحة قوى مناهضة الرأسمالية ككل. ولكنه للأسف وارد الحدوث، بالذات لأن المعتدلين ذوي الأجندات الإصلاحية – بل وأحيانًا الانتهازية – يبحثون عن طرق للتفاوض مع النظام وليس لمواجهته.

على أنه يهمنا هنا التأكيد على أن التيارين المطروحين في الساحة اليوم – الفوضويين والمعتدلين – لا يقدمان حلول إستراتيجية حقيقة لحركة سياتل. فالطريق المسدود الذي ربما تصل إليه الحركة لن يتم تجنبه بمزيد من العنف الهامشي غير المنظم، ولا – بالطبع – بمزيد من المهادنة والمساومة مع الرأسمالية. الحل الحقيقي هو البحث عن أفق استراتيجي لمرحلة جديدة. فإذا كانت المرحلة الأولى في حركة سياتل قد نجحت في عولمة الحركة، وفي إعطائها طابع جماهيري إلى حد ملحوظ ومثير الاحترام، فالمطلوب اليوم هو البحث عن مسار يضرب الرأسمالية في العمق بدلاً من أن يزعجها ويشير إلى إفلاسها فقط. يعتمد هذا المسار – من وجهة نظر أغلب القوى الاشتراكية الثورية – على جانبين. الجانب الأول يتعلق ببلورة برنامج للتوحيد بين قوى الحركة؛ برنامج يتسم بالعملية حتى يمكن أن تتبناه قطاعات عريضة من الجماهير التي التفتت للحركة كبديل، ويتسم أيضًا بالاتساع والمرونة بما يسمح بتوحيد كل القوى وليس تفريقها. هذا بالطبع يمكن أن يتحقق بالوجود القوي – وغير العصبوي – لليسار في الحركة، سواء من أجل بلورة البرنامج، أو من أجل مقاومة الضغوط البرجوازية الدافعة للانقسام.

أما الجانب الثاني فهو ذلك المتعلق بتوسيع الحركة، وهذه نقطة أثرناها من قبل وتكتسب أهمية قصوى اليوم. فمظاهرات سياتل تزعج الرأسمالية ولكنها لا تعمل على تقويضها وتحطيم مراكز قوتها. وذلك أمر كان طبيعي وإيجابي في البدايات. ولكن مع ظهور الأفق المسدودة، ومع المصاعب المتزايدة، تحتاج الحركة إلى التقدم خطوة كبيرة إلى الأمام – تحتاج إلى ضرب الرأسمالية في مركز قوتها. فإذا كانت معارك الشوارع – كأداة وحيدة للمقاومة – تبرز ضعف كوادر الحركة إزاء الآلة القمعية الشرسة للدولة، فإن إضرابات العمال في مواقع العمل يمكنها – إذا أصبحت هي مركز ثقل المقاومة – أن تقلب الموازين بشكل فعال لصالح القوة المضادة للرأسمالية. فكما أكدت روزا لوكسمبورج مرارًا، تمتلك الجماهير العمالية سلاحًا جبارًا هو سلاح الإضراب الجماهيري الذي يهز أسس عمل الماكينة الرأسمالية، وفي نفس الوقت يلعب دورًا هائلاً في التعبئة والتوعية السياسية للجماهير.

هنا نعود مجددًا إلى مسألة انخراط الطبقة العاملة في حركة سياتل. فمن وجهة نظر معضلة الحركة راهنًا يبدو أن التفاف العمال حول الحركة، ليس فقط سيعطيها طابعًا جماهيريًا متغلغلاً أكثر فأكثر، وإنما أيضًا سيفتح الإمكانية لتجذير إستراتيجيتها بالضرب في مقتل. وإذا ما نجحت الحركة في تعميق ارتباطها بالنضال العمالي المتصاعد بالفعل في كل أركان العالم، فإنها سوف تكون بذلك قد خرجت من منعطفها الصعب الراهن، وتحولت إلى حركة “شعبية” بحق، و”جذرية” بحق.