بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التدخل الغربي في ليبيا.. وسرقة المبادرة الثورية من الشارع العربي

المقال بقلم طارق علي، ونشر باللغة الإنجليزية في جريدة الجارديان البريطانية…

يعتبر تدخل الولايات المتحدة والناتو بغطاء من مجلس الأمن في ليبيا نموذج لإظهار القصف وكأنه حركة موحدة ضد الديكتاتور الليبي، لكن الحقيقة وراء ما يحدث من تدخل هو وضع حد للثورات العربية القادمة، وتأكيد السيطرة الغربية على الحركة الثورية ومصادرة دفعة العفوية التي تتمتع بها، وأخيرا محاولتهم إستعادة وضع ما قبل إندلاع الثورات العربية.

ومن قبيل السخف الإعتقاد بأن توجيه قصف جوي لطرابلس هدفه حماية المدنيين، هذه الحجة الجاهزة هدفها الوحيد هو كسب تأييد المواطنين في أوروبا وأمريكا وجزء من العالم العربي، وكأن الغرب يقول: انظروا لنا، هانحن نفعل الخير ونساند الشعوب!”.

السخرية الحقيقية تكمن في الإعتقاد بأن الأيدي الدامية لقادة التحالف في العراق وأفغانستان وباكستان هي نفس الأيدي التي تدافع اليوم عن الشعب الليبي. وتحاول وسائل الإعلام المنحازة في فرنسا وبريطانيا تسويق ما يحدث لليبراليين في الغرب الذين يقعون فريسة مثل هذه القمامة الإعلامية. والنتيجة.. تحرك المجتمع المدني في الغرب للمشاهد الوحشية من قصف للمدنيين بالطائرات، وهي الحجة التي استخدمتها واشنطن لقصف أحد العواصم العربية، في نفس الوقت الذي يعمل فيه حلفاء أوباما الباقون في العالم العربي بجد لتعزيز الديمقراطية في بلدانهم.

مفارقة ثانية، يستمر قصف ليبيا في الوقت الذي يدخل فيه السعوديون لقمع البحرينيين الذين يتعرضون لإعتقالات واسعة، وهو مالم تتوسع قناة الجزيرة في تغطيته، بعد كبح جماحها بعض الشئ، على ما يبدو، لتتوائم مع سياسة ملاكها، ويمكن القول أن ما يحدث في البحرين الآن يجري بدعم نشط من الولايات المتحدة. الوضع ذاته في اليمن، التي خرج غالبية مواطنيها ضد قمع الديكتاتور الحاكم الذي لا يتورع عن قتل المزيد من شعبه يوميا دون تحرك واحد من الغرب لفرض ولو حظر علي الأسلحة، وليس حظر جوي مثلما حدث في ليبيا، وهو ما يعكس انتقائية الولايات المتحدة وكلابها المدربة على القنص في الغرب. والموقف بالنسبة لفرنسا مختلف بعض الشئ، فبعد فشل ساركوزي في إنقاذ صديقه بن على في تونس، قرر التحرك هذه المرة للمساعدة في التخلص من القذافي.

الموقف البريطاني مكرر بعض الشئ، فبعد دعمهم لنظام القذافي على مدار عقدين من الزمان، يهرعون اليوم للقضاء عليه حتى لا يفوتهم تقسيم الغنائم. يمكن القول، أن العملية الجارية الآن ضد ليبيا أحدثت إنقساما في النخبة السياسية والعسكرية الأمريكية بسبب عدم وضوح هدفها النهائي.. أوباما وحلفائه الأوروبيين يتحدثون عن تغيير النظام، بينما يقاوم الجنرالات ذلك مؤكدين أن ما يحدث ليس جزءا من مهامهم.

وحاليا تجهز وزارة الخارجية الأمريكية حكومة جديدة تتكون من حلفائها الليبيين الناطقين بالإنجليزية، في الوقت الذي لا يعرف فيه أحد على وجه الدقة متى يتداعى القذافي وجيشه الذي يواجه مقاومة عنيفة. وبدأ القذافي في خسارة التأييد الكامل من جيشه عندما طلب منهم إستهداف المواطنين.

وهو ما دعا العقيد إلى تغيير لهجة خطابه من التحدى إلى الحديث عن رغبة الإمبريالية الإطاحة به طمعا في ثروات بلاده النفطية، وهذه الحجة قد يراها أشد المعارضين للقذافي صحيحة، باعتبار أن الغرب يجهزون كرزاي آخر في الطريق. وربما يشعر المواطنون الليبيون الذي يرحبون بهجوم طائرات الناتو- بدافع من اليأس- بالندم على خيارهم مستقبلا مثلما ندم العراقيون من قبل.

وفي حال نجاح هجوم الناتو في إسقاط القذافي قد يقودنا هذا إلى مرحلة ثالثة، وهي حفز الغضب القومي ضد العائلة المالكة في السعودية، وهنا لا يخامرني أدنى شك في أن واشنطن ستتدخل وتفعل كل ما هو ضروري وممكن للإبقاء على العائلة المالكة في سدة الحكم، لأن سقوط السعودية يعني ببساطة سقوط الخليج بأكمله.

الهدف ببساطة من الهجوم الغربي على ليبيا، وهو ما ساعد عليه حماقة القذافي، هو أخذ زمام المبادرة مرة أخرى من قوى الشارع الثورية، عن طريق الظهور بمظهر المدافعين عن الحقوق المدنية. ولن يقتنع البحرينيون والمصريون والتونسيون والسعوديون واليمنيون، وحتى في أمريكا وأوروبا بمبررات هذه الهجمة، لأن النضال لم ينته بعد.