بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاتحاد السوفيتي.. توازن إمبريالي.. أم ثورة عمالية؟

تصاعدت في الفترة الأخيرة لهجة الأسف على الاتحاد السوفييتي والتوازن العالمي الذي انهار والذي كان يسمح بقدر من الاستقلالية و “الأمان” لشعوب العالم الثالث، ويدعم حركات التحرر الوطني في مواجهة الإمبريالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وحول الفراغ الذي خلقه انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد قطب واحد بالعالم، مثل الولايات المتحدة وحلفائها، ومظاهر هذا الانفراد من بلطجة واعتداءات مستمرة، وفرض الوجود العسكري الغربي في أنحاء العالم، وآخر مظاهر هذه البلطجة هو الحرب التي يقودها حلف الأطلنطي الآن على الصرب بزعم حماية ألبان كوسوفو.

وقد بعث احتجاج روسيا على عملية ثعلب الصحراء ضد العراق، وضرب الناتو للصرب أملا جديدا لدى البعض باحتمال عودة روسيا كقطب ثاني للعالم خاصة وأن شعبية الحزب الشيوعي الروسي بقيادة زيجانوف تزداد في روسيا وحال وصوله إلى السلطة سيحاول إعادة بناء الاتحاد السوفييتي مرة أخرى كقوة عظمى في مواجهة البلطجة الأمريكية ليعيد بسط حمايته على الدول الضعيفة!!

تراجعت هذه الآمال سريعا عندما ظهرت حدود الهياج الروسي تجاه الأطلنطي، وهذه الطريقة في التفكير ليست سوى امتداد للأفكار الخاطئة التي هيمنت على الحركة الشيوعية في مصر كما في أغلب دول العالم وخاصة في العالم الثالث، والتي شكل الجزء الأهم منها الفهم الخاطئ لطبيعة الاتحاد السوفييتي ودوره على الصعيد العالمي وتجاه الحركات الثورية وحركات التحرر الوطني.

وفي البداية يجدر بنا كشف الوهم عن التوازن المزعوم بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والذي كان من شأنه كما هو شائع توفير قدر من الحماية والدعم للدول الضعيفة وحركات التحرر الوطني. إن حجم الاعتداءات والتدخلات التي وقعت في الفترة من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الثمانينات، وهي فترة الحرب الباردة (التوازن)، من قبل الولايات المتحدة ضد العديد من دول العالم الثالث تكفي لإزالة أي وهم حول ذلك الدور الحمائي الذي لعبه الاتحاد السوفييتي، ونذكر على سبيل المثال الاعتداءات والتدخلات التي قام بها المعسكر الغربي بقيادة أمريكا ضد فيتنام، وضد كمبوديا، وجرينادا، ونيكاراجوا، وشيلي، وبنما، وليبيا بالإضافة إلى الذي تم بدعم ورعاية مباشرة من أمريكا في مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق وفلسطين، فمع كل هذا القدر من النشاط العسكري والعدواني للولايات المتحدة وحلفائها يصعب تصديق أن وجود الاتحاد السوفييتي شكل في وقت من الأوقات قيدا على هذا النشاط، إن طبيعة الرأسمالية العالمية القائمة على التنافس والتي تتجاوز مصالحها حدودها الوطنية مما يدفع الدول الرأسمالية لحماية مصالحها خارج حدودها كما في الداخل ويجري توفير هذه الحماية تارة بالنشاط الدبلوماسي وتارة بالحلول العسكرية، تلك الطبيعة الرأسمالية تجعل من المستحيل حدوث تجانس بين الكتل الرأسمالية. ومع تصاعد الأمة الاقتصادية واختناق السوق تزداد التناقضات والصراعات بين مراكز الرأسمالية العالمية، ولكن هذا التناقض والصراع لا يجعل أبدا من أي من أطرافه حارسا للشعوب المقهورة أو داعما لتحررها، لقد كان هذا الصراع على أشده بين كل من إنجلترا وفرنسا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر للنزاع على المستعمرات وطرق التجارة العالمية فيما بينهما، ثم بدأتا في التفاهم والتحالف في مواجهة قوى إمبريالية أخرى (ألمانيا والنمسا). وعندما ظهرت الولايات المتحدة على ساحة الصراع الدولي كقوة صاعدة كان شعارها (حق الأمم في تقرير المصير!) هو الوسيلة المثلى لإزاحة النفوذ الإنجليزي والفرنسي وإحلال النفوذ الأمريكي محلهما، وكلنا يذكر الموقف الأمريكي من العدوان الثلاثي على مصر 1956 والذي دعم الحكومة الناصرية في مواجهة القوى الاستعمارية الآفلة.

كما أن الاتحاد السوفييتي أيضا تحرك لحماية مصالحه خارج حدوده، وخلق مناطق نفوذ تمكنه من القيام بالاستغلال الإمبريالي للمناطق التي يمتد إليها نفوذه مثلما كان يتم التبادل مع دول أوروبا الشرقية حيث كان الاتحاد السوفييتي يستورد السلع من دول أوروبا الشرقية والصين بأقل كثيرا من السعر العالمي، وفي العديد من الحالات كان يعيد طرح نفس السلع في الأسواق بأسعارها العالمية، في نفس الوقت الذي كانت تشتري فيه دول أوروبا الشرقية السلع السوفيتية بأعلى من السعر العالمي، هذا بالإضافة إلى استغلال الأيدي العاملة في هذه الدول عن طريق المشروعات المشتركة. أليست هذه نفس الأهداف التي تسعى إليها الإمبريالية من توسيع نفوذها (الأسواق، المواد الخام، الأيدي العاملة)، والفارق الوحيد بين الاتحاد السوفييتي وباقي القوى الإمبريالية في هذا المجال أن أيا من هذه القوى لم ترفع راية حمراء مرسوما عليها مطرقة ومنجل، وعلى الرغم من رفع الاتحاد السوفييتي لهذه الراية، وعلى الرغم من دعمه لبعض دول العالم الثالث في مواجهة الإمبريالية، إلا أنه لم يتردد في إرسال قواته إلى دول شرق أوروبا لإقامة أنظمة موالية له كما في ألمانيا الشرقية وبولندا وبلغاريا وغيرها، أو لدعم تلك الأنظمة ضد الحركات الجماهيرية والعمالية مثل المجر 1956، وتشيكوسلوفاكيا 1968، وبولندا 1982، وأخيرا مغامرة أفغانستان، هذا إلى جانب الضم العسكري لجمهوريات البلطيق بعد الحرب العالمية الثانية.

بعد كل هذا هل يمكن تصديق أي دور للاتحاد السوفييتي في دعم استقلال الدول الضعيفة وحركات التحرر الوطني، هذا الدور في أي الأحوال لم يزد عن دور الولايات المتحدة في نفس الشأن، كذلك لا يمكن الحديث عن الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري من الاتحاد السوفييتي للدول الحليفة دون أن نذكر أن الولايات المتحدة أيضا دعمت حلفاءها اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا، الفارق الوحيد أن الدعم الأمريكي للحلفاء — اليابان، كوريا الجنوبية، إسرائيل، البرازيل — كان أكثر تأثيرا وفعالية وضمن لها التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري على الأنظمة الحليفة للاتحاد السوفييتي!

لسنا هنا بصدد محاكمة تاريخية لنظام رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفييتي، ولكن الذي ينبغي مواجهته هو تلك الأوهام حول التوازنات الدولية ووجود قوة عظمى تتبنى الدفاع عن حقوق الشعوب المقهورة، تلك النظرة التي تتضمن ولو بشكل غير مباشر نظرة سلبية للجماهير وتعلق آمال التحرر على قوى خارجية. إن أي حركة تحرر أو ثورة لابد أن تضع في اعتبارها بالطبع التوازنات الدولية ولا تتجاهلها، والبلاشفة أنفسهم فعلوا ذلك بعد انتصار الثورة وأثناء مفاوضات بريست ليتوفسك، ولكن المراهنة على قوة إمبريالية عظمى أخرى حتى لو كانت تتخفى خلف الراية الحمراء ليست سوى إهدار للحل الوحيد الحقيقي والممكن وهو الثورة العمالية المدعومة من كل المضطهدين في الدول الإمبريالية ذاتها، إن صعود زيجانوف والشيوعيون في روسيا إلى السلطة، إن حدث، لن يعني سوى إعادة ضم الجمهوريات السوفيتية السابقة بقوة السلاح دون إرادة الشعوب، وإعادة البحث مرة أخرى عن مناطق نفوذ وأنظمة موالية في العالم الثالث، بالإضافة إلى مزيد من الاضطهاد والقمع للعمال والفقراء والأقليات في روسيا نفسها. كذلك فإن التناقضات الموجودة حاليا داخل تحالف الإمبريالية والذي يظهر من وقت لآخر مثلا في احتجاج فرنسا على عملية ثعلب الصحراء ضد العراق ومطالبتها برفع الحصار لن يدفع أبدا أيا من تلك القوى لدعم حركات تحرر حقيقية للأمم المقهورة.

إن هيمنة الإمبريالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة على العالم لا يمكن مواجهتها إلا بقوة واحدة هي قوة الطبقة العاملة وحلفائها، إن منصات الصواريخ وحاملات الطائرات الإمبريالية لن تتغلب عليها منصات صواريخ وحاملا طائرات إمبريالية أخرى، ولن تواجهها وتنتصر عليها سوى متاريس الثورة العمالية.