بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التجربة المغربية في بناء حركة للعاطلين

تشكل المغرب وضعا سباقا في المنطقة العربية في تشكل حركة قاعدية للعاطلين عن العمل تمتد بجذورها إلى الثمانينيات. عبد الرحمان عاجي والشرقي النبيذ، من الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين هناك، يرويان لنا حكاية الحركة.

كانت البوادر الأولى لظهور حركة العاطلين مع مطلع الثمانينيات مع احتجاجات عنيفة في مدن الرباط، فاس، البيضاء بعد أن أصدرت الدولة المغربية قراراً يمنع خريجي الفلسفة من دخول مراكز التدريب الحكومية. أثمرت هذه الاحتجاجات عن تشكيل لجان محلية. هذا التطور جاء بعد سنة من دخول الدولة في سياسة التقويم الهيكلي سنة 1983. وقد لقيت هذه الاحتجاجات قمعاً عنيفاً ككل الحركات الجماهيرية الاحتجاجية في تلك المرحلة من تاريخ المغرب (انتفاضتي 81 و84)، وإذا كان النظام قد استطاع إخماد نار احتجاجات طالبي الشغل في بداية الثمانينيات فإنه لم يكن إلا إخماداً إلى حين.

جمعية المعطلين: الولادة الطبيعية

مع مطلع التسعينيات وفي معمعان الغليان الاجتماعي (انتفاضة 90) برزت مرة أخرى معضلة البطالة إلى السطح، وأخذت احتجاجات المعطلين بعداً أكثر صلابة وانتشاراً واسترسالاً وتنامياً مطرداً لتشكل ملامح حركة منظمة بكل معنى الكلمة ذات مطالب محددة بدقة وتصورات نظرية، على اختلافها، لمعالجة المعضلة. ومن صلب هذه الحركة تشكلت من جديد لجان محلية لتسهر على تأسيس إطار وطني للعاطلين. وبالفعل تأتى ذلك بعقد المؤتمر التأسيسي بتاريخ 26 أكتوبر 1991 للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب (“ج.و.ح.ش.م.م.”) كإجابة موضوعية على طموح جموع من أبناء الشعب المغربي الكادح الذين أصبحوا عرضة للإقصاء الممنهج والتهميش والتشرد جراء حرمانهم من حقهم الطبيعي بل و”الدستوري” في الشغل.

ومنذ تأسيسها عقدت الـ “ج.و.ح.ش.م.م” سبع مؤتمرات وطنية وهي تتهيأ لعقد مؤتمرها الثامن أيام 26-27-28-29 أكتوبر 2006 تحت شعار: “تنظيم قوي، حركة مكافحة للمساهمة في مواجهة مخططات الدولة في ميدان التشغيل”. واستطاعت الجمعية أن تراكم تراثاً نضالياً، إعلامياً، تنظيمياً، إشعاعياً.. متكاملاً. وقد أثبتت “ج.و.ح.ش.م.م” مؤتمراً تلو الآخر قدرتها أولاً على البقاء والتفاعل العلمي مع كل المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالمغرب، وثانياً إعطاء إجابات موضوعية عن كل هذه المتغيرات في ارتباطها مع مجال اشتغالها.

الـ “ج.و.ح.ش.م.م.” وتمثيل المعطلين وطنياً

ظلت الجمعية الوطنية قرابة عقد من الزمن من حياتها تعتبر نفسها الممثل الشرعي والوحيد لحركة العاطلين حملة الشواهد بالمغرب بل تطمح إلى أن تلف من حولها كل أبناء الكادحين ممن هم مؤهلون للشغل وطالهم الإقصاء والتهميش (ذوي السواعد). إلا أنه وبقوة الواقع والقوى المتصارعة فيه (النظام، الأحزاب، النقابات، الجمعيات..)، برزت إلى السطح في الخمس سنوات الأخيرة تكوينات تمثل المعطلين إلى جانب الجمعية الوطنية (مجموعات الدكاترة العاطلين، اتحاد الأطر العليا المعطلة..)، وهي تكوينات لفئات محصورة العدد وذات مطالب “ضيقة” بالإضافة إلى كونها لم ترق إلى مستوى تنظيمات وطنية ذات فروع وتنسيقات ومجالس على عكس الجمعية الوطنية، مما يجعل نضالات هذه المجموعات ممركزاً فقط بالعاصمة الرباط ومحصورة العدد.

الـ “ج.و.ح.ش.م.م” بين الظاهرة والقضية

ظل الاعتقاد السائد بين صفوف معطلي الجمعية الوطنية ، منذ تأسيسها وحتى المؤتمر الوطني الثالث، يضع البطالة نظرياً في خانة الظواهر الاجتماعية التي سرعان ما تزول بزوال مسبباتها. لكن سرعان ما تم تجاوز هذا الطرح واعتبار معضلة البطالة قضية طبقية بناءاً على تحليل علمي لأصلها المادي، وكذا لسبل الحد منها قبل السعي للقضاء عليها نهائياً. وبانعقاد مؤتمرها الوطني الرابع، كانت الجمعية الوطنية قد تبنت طرحاً نظرياً متقدماً نوعاً ما على مستوى الحقل الاجتماعي المغربي ينفذ إلى عمق الإشكال بدلاً من الاكتفاء بتمظهراته وتجلياته، بحيث أدركت أن البطالة شأنها شأن باقي قضايا الشعب المغربي الكادح لا يمكن حلها حلاً نهائياً إلا في إطار الصراع الطبقي العام الدائر رحاه بالمغرب، في ارتباطها ببعضها وبالنظر كذلك للمعنيين المباشرين بفك ألغاز هذا الصراع. ولما كان كل شيء عن الجمعية الوطنية مثار جدل حاد بين مختلف الأطراف التي شغلت الفضاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالمغرب، بدءاً بالولادة، التسمية، الشكل التمثيلي، التنظيم، أسال كذلك هذا الموقف، من البطالة باعتبارها قضية طبقية، الكثير من المداد بل وزاد علاقات الجمعية الوطنية بمحيطيها انغلاقاً.

الـ “ج.و.ح. ش. م. م.” ومحيطها السياسي

لقد شكل الدفاع المستميت لجماهير العاطلين عن حقهم في استقلالية منظمتهم عن كل الإطارات والتنظيمات والسلطة، إلى جانب إيمانهم بمبادئ الجماهيرية والتقدمية والديمقراطية كمبدأ وممارسة، وكذا تأطيرهم النظري المتميز والمتقدم للعطالة باعتبارها قضية طبقية لن تعرف حلها النهائي إلا بالقضاء على البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة، لقد شكل هذا كله أرضية ملغومة في علاقة الجمعية الوطنية والكيانات السياسية والنقابية المغربية وجهاز الدولة القائم بالمغرب.

إن امتداد الـ “ج و.ح.ش.م.م.” بأشكالها النضالية بالمدن والقرى والمداشر الذي تجاوز 120 فرعاً، أعطاها قدرة على الالتحام بمعارك وقضايا الجماهير الشعبية والإسهام الوازن في معارك احتجاجية عامة بطولية (تالسينت، الحسيمة ..الخ). في الوقت الذي ظلت فيه قوى سياسية ونقابية وجمعوية تنظر بعين الترقب والانتظارية لهذه المعارك، وهذا نابع من طبيعتها الإصلاحية والانتهازية. ولما كان القمع والحصار المشدد هو لغة النظام القائم الوحيدة في التعاطي مع المعارك التي تخوضها الجمعية الوطنية منفردة أو الى جانب الجماهير الشعبية، نال مناضلوها حصة الأسد من القمع والتنكيل والاعتقال والمحاكمات الصورية والاستشهاد (الحمزاوي مصطفى 16 مايو 1993، أدايا نجية 11 ديسمبر 2001).

الجمعية والتدابير أو الاجراءات الرسمية للحد من البطالة

مع مطلع التسعينيات تتالت تدابير وتباشير النظام التي يزعم من خلالها حل معضلة البطالة، خاصة بطالة حاملي الشهادات بمختلف أصنافها (نظرية، تطبيقية، إجازة باختلاف أنواعها، دبلوم الزراعة والهندسة الفلاحية، البيطرة، دكتوراه باختلاف أنواعها ..الخ). وكان من بين هذه التدابير الرسمية خلق مجلس الشباب والمستقبل، التكوين التأهيلي، التكوين الاندماجي، مراكز التكوين والتأهيل، مناظرات وملتقيات رسمية حول التشغيل. وباعتراف مقترحي هذه التدابير، فهي لم تساهم في حل هذه القضية، بل أنتجت مآسي أخرى ومجموعات أخرى من العاطلين (ضحايا التكوين التأهيلي، التكوين الاندماجي، ضحايا النجاة، ضحايا التشغيل الذاتي.. كلها تحتج كمجموعات).

وقد كانت الجمعية دائماً وفور صدور أي تدبير من هذه التدابير التي أثبت الواقع فشلها سباقة إلى وضعها موضع الامتحان والنقد لكشف مستورها ومراميها وأهدافها، التي لن تكون إلا طبقية تهدف إلى امتصاص غضب شرائح العاطلين التي تتسع يوماً بعد آخر، وخلق إجماع حول القضية بل وتضييق الخناق على الجمعية الوطنية وعزلها وتشتيت فعل حركة العاطلين ككل (الدفع موضوعياً بخلق المجموعات).

ويبقى القاسم المشترك في كل هذه التدابير الرسمية ثبوت جوهرها كمخططات طبقية تهدف إلى ضرب الشغل القار (الدائم) والوظيفة العمومية واستبداله بالشغل بالعقدة (المؤقت). وتهيئ الشروط للإجهاز الكلي على المكتسبات التاريخية لأبناء الشعب المغربي الكادح، التي نالها عبر نضالات مريرة، تطبيقاً للإملاءات الإمبريالية التي تسعى إلى ضرب مقومات أي اقتصاد وطني (الخصخصة..) وجعل المغرب كباقي دول العالم سوقاً ليس إلا لترويج منتجاتها.

الجمعية الوطنية لحملة الشهادات العاطلين بالمغرب في أرقام

  • أكثر من 120 فرعاً
  • أكثر من 1500 ملف متابعة (قضية) بتهم (التجمهر المسلح وغير المسلح، والتظاهر بدون تصريح وترخيص وإتلاف ممتلكات عامة).
  • ستة ملفات حكمت بالنافذ والباقي موقوف التنفيذ.
  • أكثر من 1000 كسر.
  • شهيدان وأكثر من 20 إجهاض.
  • 15 (خمسة عشر) سنة على تأسيس الجمعية ولم تتوصل بعد بوصل الإيداع القانوني رغم أنها استوفت جميع الشروط القانونية منذ التأسيس إلى الآن.