بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الطائفية ونظام الأسد في سوريا

لا تزال الثورة السورية مستمرة، وأصبحت لديها طبيعتان، طبيعة حراك سياسي سلمي، وطبيعة عنفية متمثلة بالجيش السوري الحر، الذي نشأ كردة فعل على القمع الوحشي الذي انتهجه نظام الأسد بمواجهة الحركة الشعبية.

ورغم البيانات والهتافات المتعددة التي أطلقها الثوار في سوريا، رفضا للطائفية وللمطالبة بوحدة الشعب السوري، نرى الكثير من القوى المساندة للنظام تحاول أن تبيّن أن الثورة تطغى عليها الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تدعمها السعودية وقطر. وبالمقابل تحاول هذه القوى، بالشراكة مع جزء كبير من اليسار “الممانع”، تصوير نظام بشار الأسد، كما لو كان نظاماً علمانياً تقدمياً، وحامياً للأقليات الدينية!

ولكن، على الرغم من زيف هذا الطرح، وعدم صوابية هذا التشريح لواقع الثورة السورية، من الخطأ أن ننزلق إلى عدم الاعتراف بكون الطائفية هي جزء من السياسات، التي تنتهجها بعض القوى، في الحراك الثوري السوري. ففي أي واقع ثوري، تصعد إلى السطح قوى وإيدولوجيات مختلفة ومتناقضة، تتوحد موضوعياً في تضررها من النظام القائم، ولكنها في نفس الوقت، تختلف جذرياً في ما بينها، حول السياسات المتبعة ومنهجية العمل الشعبي، والخطاب السياسي والإيديولوجي. وإنكار وجود هكذا ديناميات، في أي واقع ثوري، لا يندرج سوى في محاولات التسخيف والتبسيط، التي ينتهجها بعض المثقفين، في تعاطيهم مع واقع الثورات العربية، بشكل عام، وواقع الثورة السورية، بشكل خاص.

أجل، هناك مجموعات وقوى في الحراك السوري تنتهج المنطق الطائفي، في مواجهتها للنظام، لكن ماذا يجب أن يكون دور اليسار الثوري في سوريا، في مواجهة هذا الواقع؟ أيجب عليه أن يترك المعركة، وينتظر إلى أجل غير مسمّى، حتى تأتي الثورة الاجتماعية المثالية والنقية، كما فعلت بعض قوى اليسار التقليدي؟ أو ننخرط كليا في الحراك الثوري، من أجل التخلص من النظام، وفي نفس الوقت، وعلى نفس المستوى من الأهمية، نتولى العمل على تثوير القوى والجماهير المنخرطة، في الحراك الشعبي، بمواجهة الخطاب الطائفي؟

يجيب لينين عن هذا السؤال، بالقول:”إن تصور إمكانية قيام ثورة اجتماعية… بدون هبات ثورية يقوم بها قطاع من البرجوازية الصغيرة، بكل ما له من تحيزات، وبدون حركة من جانب جماهير البروليتاريا، وأشباه البروليتاريا، غير الواعين سياسيا، ضد قهر ملاكي الأراضي والكنيسة والملكية، وضد القهر القومي.. الخ.، أقول إن تصور هذا كله يعني التخلي عن الثورة الاجتماعية. فالمتوقع هو أن تنتظم صفوف جيشٍ في مكان ما، ويقول:”نحن للدفاع عن الاشتراكية” وآخر تنتظم صفوفه في مكان ثان، ويقول”نحن للدفاع عن الامبريالية”.. وهكذا تكون الثورة الاجتماعية…

“إن من يتوقع ثورة اجتماعية “محضة”، أو “نقية”، لن يحيا أبدا حتى يراها. فمثل هذا الإنسان يثرثر بكلمة الثورة، من دون أن يفهم معناها”.

إن السيرورة الثورية ليست ذات لون واحد، ولن تكون كذلك، أبدا؛ فإن كانت لا تعود، عندئذ، ثورة؛ ودور اليسار الثوري هنا واضح جدا، وهو مواجهة النظام، وتثوير الحركة الشعبية.

ولقد رأينا كيف أن جزءا كبيرا من الحراك الثوري السوري، عمد منذ بداية الثورة إلى رفض الطائفية، على رغم محاولات النظام المتكررة إشعال نيران الطائفية. فرأينا شعارات، كـ”جميعنا سوريون، جميعنا متحدون”، تتكرر دائماً، وفي كثير من التحركات رأينا يافطات واضحة تقول “لا للطائفية”. بالإضافة إلى ذلك، قامت لجان التنسيق المحلية في سوريا بتنظيم حملة، تحت شعار “طائفتي الحرية”، حيث رفعت اللجان يافطات ترفض فيها الخطاب الطائفي، كما ترفض الممارسات الطائفية للنظام، ومحاولته جر الثورة الشعبية إلى فخ طائفي.

تنسيقية سراقب رفعت يافطات تحمل رموز جميع الطوائف والتلاوين السورية، بينما في داعل، رفع المتظاهرون يافطة تقول:”في سوريا المستقبل، سياسات الإقصاء ستنتهي”. وفي الأشهر القليلة الماضية، رأينا يافطات تقول أن الطائفية هي مقبرة الثورة السورية.

لقد أكدت الحركة الشعبية في سوريا، في أكثر من مناسبة، التزامها بالنضال من أجل سوريا موحدة، وضد التقسيم، بناءا على تضامن شعبي اجتماعي، ووطني، وفي تحد واضح للانقسامات الطائفية والاثنية.

من صنع الطائفية؟

ولكن ما يغيب عن سمعنا عادة هو السياسات والممارسات الطائفية والعنصرية المستعملة من قبل النظام، بمحاولة منه لتفريق الحركة في الشارع. ويعود تاريخ هذه السياسات إلى الأيام الأولى لتولي حافظ الأسد الرئاسة في سوريا. فالنظام السوري هو نظام سلطوي، وزبائني، وقد وجد لنفسه الدعم من قبل أجهزة الأمن، التي تهيمن عليها بشكل عام شخصيات علوية، بالإضافة إلى شبكات من البيروقراطيين، والرأسماليين المتمركزين حول القطاع العام، والذين استطاعوا أيضا الاستفادة، على الصعيد الاقتصادي، بشكل كبير، خلال التسعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق قانون الاستثمارات رقم ١٠ في العام ١٩٩١.

وكذلك حصل النظام على الدعم من قبل البرجوازيين المسيحيين والسنة، في دمشق وحلب، الذين استفادوا كثيرا من السياسات النيوليبرالية، التي اعتمدها النظام في السنوات الماضية، وخاصة بعد إطلاق مسيرة السوق الاجتماعية، في ٢٠٠٥.

ولا يجب أن ننسى أيضا في ١٩٧٠، حين هلل تجار حلب ودمشق لمجيء حافظ الأسد إلى السلطة، ومساندتهم للحركة التصحيحية التي قادها حافظ الأسد، والتي انهت السياسات الراديكالية التي اعتمدت في الستينيات، والتي تحدت سلطة البرجوازية، السياسية والاقتصادية. فتجار المدن حينها، والذين كانوا ناشطين بشكل قوي ضد الجناح اليساري، في حزب البعث، أرسلوا متظاهرين إلى شوارع المدن الكبرى، حاملين يافطات تقول:”طلبنا من الله المدد (العون)، فأرسل لنا حافظ الأسد».

ومنذ ذلك الحين سعى النظام إلى بناء شبكة من الولاءات لنفسه، عبر أكثر من وسيلة، معظمها اقتصادي، مع أفراد وزعامات من كل الطوائف السورية. وبالمقابل، اعتمد النظام الاستقطاب الطائفي والقبلي والعائلي، في تشكيله الجهاز الأمني للنظام الحاكم، المؤلّف بغالبيته من شخصيات علوية.

فالطائفية كانت ومازالت أحد الأسلحة الأبرز لنظام الأسد، في محاولاته الدائمة لجم الحركات الشعبية المعارضة، كذلك الأحزاب السياسية، والحركات المدنية، وذلك من خلال رفع شأن العلاقات العائلية والقبلية، بمواجهة العلاقات أو التجارب الإنسانية المدنية. وهدفت هذه السياسات إلى توجيه الأنظار بعيدا عن الفساد، والفروقات الاقتصادية والقمع والاضطهاد، وغياب الديمقراطية.

هذا وعادة ما تفسر الطائفية، بكونها انتصار التقاليد على الحداثة، أو تعبيرا عن مشاعر بدائية أو كره تاريخي ما، بين المجتمعات، كما الحال بين الشيعة والسنة في العراق، والبحرين ولبنان، أو العلويين والسنّة في سوريا، أو الأقباط والسنّة في مصر. وفي هذا السياق يروّج بأن الطائفية هي إرث مدمج في مجتمعاتنا، ما قبل حداثي، يمنع مجتمعاتنا من التطور والدخول في حيز الحداثة.

ولكن واقع الأمر يختلف عن هذا الطرح، فالطائفية كتعبير سياسي هي تعبير حداثي، يستمدّ القوة من التناقضات الطبقية والسياسية والاجتماعية، التي نشأت مع دخول مجتمعاتنا، في كنف النظام الرأسمالي، تحت إدارة الدول الكولونيالية، في أواخر القرن التاسع عشر.

ويقول أسامة مقدسي، في كتابه “ثقافة الطائفية”: “أحد أكثر الأخطاء التاريخية شيوعا، حول الشرق الأوسط، هو إعتبار أن الطائفية حاجز أمام الانتقال إلى الحداثة، وهي عارض من عوارض ما يسمى قوس الأزمات. هذا التحليل أدى إلى مسارات محبطة للتحقيق التاريخي، حيث قام الكثير من الأكاديميين بالعودة، بعيدا في الماضي، لإيجاد جذور المشكلة، بينما مشكلة الطائفية تستمر بالتقدم في الحاضر، وتتجه لتكون أكثر تعقيدا وأكثر ترسخا. فالطائفية لم تكن ارتدادا إلى الماضي، بل كانت تقطع معه، وسجلت ولادة ثقافة جديدة تتخذ من الانتماء الديني السمة التي من خلالها يعرف المواطن الحديث نفسه”.

فالطائفية اذاً هي تعبير حداثي، وفي معظم الوقت هي صورة مُسقطة من قبل الطبقة الحاكمة، على الحركات الشعبية، بغية إلغاء شرعيتها، وبهدف خلق تفرقة ما بين الجموع المنتفضة على الحكم.

وكما يقول محمد القحطان، من السعودية:”إن الطائفية هي نتاج هذا النظام الذي يفرّق بين العمال والموظفين، ويختلق خرافات نمطية، لدى كل فئة من فئات العمال، لتشتيت أي جهود نحو الاتحاد والعمل المباشر، لمواجهة الطبقة التي تستغلهم، وتضطهدهم – لذا يتم اختلاق صراع ضار بين الطائفتين السنيّة والشيعية – بينما في الحقيقة لا يوجد علاقة استغلالية بين الفقراء السنة للفقراء الشيعة، إنما العلاقة الاستغلالية المستبدة هي بين الطبقة الحاكمة والطبقة الكادحة، بمختلف طوائفها”.

والقصة تكرر نفسها في لبنان، فنستطيع أن نلاحظ يوميا في لبنان كيف توظّف السياسات الطائفية في ضرب التحركات العمالية، أو التحركات الشعبية. فمثلاً في إضراب موظفي مؤسسة كهرباء لبنان، قام شبيحة وزير الطاقة، جبران باسيل، بالتظاهر ضد الإضراب، متهمين العمال بكونهم يحاولون “تشييع” مؤسسة كهرباء لبنان، وحاولوا تحريض المناطق المسيحية في بيروت، حينها، لمواجهة الإضراب، فردّ العمال باعتصامات ليلية، كان يشكّل العمال المسيحيون فيها عصب الدفاع عن الإضراب، لمواجهة التحريض الطائفي.

أما في مصر، فلقد رأينا في عدة مناسبات، استخدام النظام للسياسات الطائفية، من خلال القمع الوحشي الذي تعرضت له مظاهرات الأقباط، مثلاً في أحداث ماسبيرو، في أكتوبر 2011 حيث عمد النظام إلى تأجيج جو من المعاداة، ضد الأقباط سايقا، من خلال حرق الكنائس، الذي ثبت لاحقا تورط حبيب العادلي، وزير الداخلية الأسبق، فيها.

استقرار النظام باستمرار الطائفية

والنظام السوري لم يكن بعيدا عن هذه الممارسات خلال الأربعين عاما الماضية، ليس فقط على المجتمع السوري، بل على المجتمع اللبناني أيضا. فسياسة النظام السوري اعتمدت على ثلاثة محاور أساسية:

– مركزة القوة السياسية بيده، من خلال السيطرة على الحركة النقابية والحركة السياسية، واحتواء المعارضة وتفريغها.

– إنشاء شبكة من العلاقات مع التجّار وأصحاب الأعمال، ومع المؤسسات الدينية والطائفية، وتشجيع نمط العلاقات القبلية في التمثيل السياسي.

– بالإضافة إلى ذلك انتهاج سياسات اقتصادية نيوليبرالية، أدت إلى تراجع خدمات الدولة، أمام صعود مؤسسات الرعاية الدينية، والعائلية.

كل هذه السياسات أّدت بطبيعة الحال إلى إنتاج بيئة وثقافة طائفيتين قائمتين، ولهما مساحتهما في الواقع السوري، التي تظهر اليوم بشكل فظ، إثر القمع الوحشي الذي يقوم به النظام يوميا ضد الجماهير المنتفضة، محاولا من خلال هذه الوحشية دفع المجتمع السوري نحو حرب أهلية طائفية، يستطيع من خلالها إعادة إنتاج هيمنته، التي يفقدها يوما بعد يوم.

وما سنقدمه هنا هو شرح لكيف قام النظام بإنتاج تلك البيئة، على مدى الأربعين عاما الماضية:

١- السيطرة على الحركة العمالية: وقد بدأت سياسات السيطرة على الحركة النقابية، منذ مجيء حافظ الأسد إلى السلطة، فقام بحلّ نقابات الأطباء، والمحامين، والمهندسين، والصيادلة، في العام ١٩٨٠، حيث كان لهذه النقابات دور قيادي، في النضال من أجل الديمقراطية والحريات السياسية، ومن أجل إلغاء قانون الطوارئ. وأعيد فتح هذه النقابات بعد ذلك، واستبدال قياداتها بقيادات معيّنة من قبل النظام، وتابعة له، واعتمدت هذه السياسة في مجمل الحركة النقابية.

وهذا ما سهّل للنظام لاحقا إنشاء علاقات متينة مع البرجوازية السورية، وأيضا تسهيل تمرير السياسات النيوليبرالية، منذ العام ٢٠٠٠، وهي التي أدّت بطبيعة الحال إلى انحدار المستوى المعيشي لغالبية السكان، انحدارا مخيفا. ورغم ذلك، وتبياناً للعمق الاقتصادي لأزمة النظام السوري، فلقد شهد العام ٢٠٠٦ تحركين عماليين بارزين، أولهما كان اعتصام مئات من عمال البناء، أمام الشركة العامة للبناء في دمشق، وثانيهما كان إضراب سائقي السيارات العمومية في حلب، وقد قمعا بشكل قاسٍ.

ونستطيع أن نرى هذا البعد الاقتصادي والعمالي، في الثورة السورية، رغم أن الكثير من وسائل الإعلام، والقوى السياسية، تغفل هذا الجانب وتشارك بدورها في التحريض الطائفي. فخلال شهر كانون الأول/ديسمبر، من العام ٢٠١١، شهدنا إضرابات عامة وعصيانا مدنيا شلّت أجزاء كبيرة من سوريا، ما أدى إلى ردود وحشية من قبل النظام، وإلى سياسات طرد جماعية ضخمة، بحيث قام النظام بطرد أكثر من 85 ألف عامل/ة، ما بين كانون الأول/ديسمبر ٢٠١١ وكانون الثاني/يناير ٢٠١٢، وقد أقفل أكثر من ١٨٧ مصنعا (بحسب إحصائيات النظام) لكسر حركة العمال.

٢- أما على المستوى التعليمي فاستهدف النظام الأساتذة والمعلمين/ات اليساريين/ات، بينما في نفس الوقت أعطى مساحة أكبر للتيارات الدينية الأصولية.  فمثقفون مستقلون من أمثال ميشيل كيلو، ووادي إسكندر، وأساتذة جامعيون كرفعت السيوفي وآصف شاهين، كانوا نقديين تجاه النظام، فتم استهدافهم أيضا.

٣- وعلى المستوى السياسي، قام النظام بقمع واضطهاد أي حركات سياسية، أو أحزاب معارضة لا تلتزم بمظلة الجبهة الوطنية الديمقراطية، التي أنشأها حافظ الأسد. والأحزاب المنتمية للجبهة لا تتمتع بأي حقوق سياسية فعلية، بل تتحرك وفق إرادة النظام. ففي بداية السبعينيات من القرن الماضي، قام النظام بضرب الأحزاب والتنظيمات العلمانية واليسارية، كحركة 23شباط (تيار راديكالي من أصول حزب البعث)، وكذلك حزب العمل الشيوعي (بصيغته القديمة، وقبل سحق النظام له، في الثمانينيات، وأوائل التسعينيات)، هذين الحزبين اللذين كان معظم أعضائهما من الطائفة العلوية، فضلاً عن ضرب الحزب الشيوعي–المكتب السياسي، بقيادة رياض الترك.

استكمل هذا النهج مع مجيء بشار الأسد إلى السلطة، فقام النظام حينها بقمع كل حركة طالبت بالحريات السياسية والديمقراطية، ما بين العام ٢٠٠٠ والعام ٢٠٠٦، وكانت تضم عدداً من المثقفين والفنانين والكتاب والأكاديميين والسياسيين. وترافق هذا الأمر مع بداية نشوء منتديات نقاشية كانت شكلت منطلقاً لها المنابر التي نشأت مباشرة بعد وصول بشار إلى الحكم. وقد ترافق ذلك مع عدة اعتصامات شكلت حالة جديدة في الواقع السياسي السوري، وقامت بالدعوة لهذه الاعتصامات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، في نفس الوقت. وعلى إثر ذلك قام نظام بشار الأسد بقمع هذه التحركات وإقفال المنتديات واعتقال الكثير من المثقفين/ات والناشطين/ات المبادرين/ات إليها.

وقد أدى هذا الوضع، بطبيعة الحال، وذلك منذ أيام حافظ الأسد في السلطة، إلى إحكام سيطرة حزب البعث على معظم تفاصيل الحياة السياسية في سوريا. وأصبح الحزب الوحيد الذي يحق له تنظيم النشاطات السياسية، والمحاضرات والمظاهرات في الجامعات، كما في شتى المجالات، والمواقع، وكان الوحيد الذي يملك الحق بتوزيع جريدته في الجامعات والثكنات، وحتى الأحزاب الموالية للنظام لم يكن لها الحق بالدعاية السياسية، وحتى بمكتب في حرم الجامعة. وقام حزب البعث بإنشاء منظمات شعبية مكنته من إحكام سيطرته على أقسام مختلفة من المجتمع، كالشباب والنساء. وبالإضافة إلى مركزة القوة السياسية، قام حافظ الأسد بعد مجيئه إلى السلطة بالسيطرة أيضا على حزب البعث، فتم تغيير النظام الداخلي للحزب، بحيث أصبحت قيادة النظام والسلطة الأمنية هي من يقرر ويعيّن القيادات الحزبية، وبالمقابل تم قمع أي معارضة حزبية داخلية.

وفي المؤتمر السابع لحزب البعث، قام رفعت الأسد بتلخيص الأمر بشكل جيد، بينما كان يشرح رؤيته لكيفية عمل الحزب، بقوله: “القيادة تعيّن، والحزب يوافق والشعب يهتف، هكذا تعمل الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، ومن لا يهتف يذهب إلى سيبيريا”.

هذا وقد كانت شهدت فترة السبعينيات من القرن الماضي تحول القيادات الحزبية للبعث من مناضلين ملتزمين وناشطين متحمسين، كما كان الأمر في الخمسينيات والستينيات، من القرن الماضي، إلى موظفين تابعين.

وفي الفترة التي تلت السبعينيات، عمدت قيادة الحزب إلى توسيع القاعدة الحزبية بحيث أصبح الحزب الآداة الأهم في بسط سيطرة النظام على تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في سوريا، وبالطبع تعزز هذا الدور للحزب، من خلال ربط التوظيف، والترقي الوظيفي في مؤسسات الدولة، بالانتساب، ما شجّع تضخم القاعدة الحزبية من ٦٥،٣٩٨ في ١٩٧١، إلى ٣٧٤،٣٣٢ في ١٩٨١، ومن ثم إلى ١،٠٠٨،٢٤٣ في حزيران/يونيو من العام ١٩٩٢.

إعادة تعريف العلاقات المدنية والسياسية من خلال الخطاب الديني والطائفي

وفي ظل سيطرة شبه كاملة على تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا، عمد النظام إلى إنشاء شبكة من العلاقات تنمّي، بطبيعتها، العلاقات الدينية والطائفية والعائلية، بدلاً من العلاقات المدنية. فلقد عمد النظام إلى تقوية وتمتين علاقته مع رجال الأعمال السنّة، وانتهاج سياسات ليبرالية مضبوطة، سعت إلى تمكين النظام من تجميع الثروات، في ما بينه وبين شبكة العلاقات التي يرعاها، والتي لم تقتصر فقط على رجال الأعمال، بل شملت أيضاً الأجزاء الأكثر رجعية في المجتمع السوري.

هكذا تمت ترقية رجال الأعمال إلى مواقع قيادية في الحزب، فضلاً عن ترقية عدد كبير من التكنوقراط غير الحزبيين، في الدولة.

ففي مجلس الشعب، أُعطي مجال أوسع، وصوت أعلى، لأصحاب المصالح والشركات، كما رجال الدين، بالإضافة إلى زعماء العشائر في المقاعد المستقلة وغير المنتسبة إلى البعث. وقد شكّل هؤلاء حوالى ٣٣،٢٪ من مجلس الشعب، منذ ١٩٩٤. وقد هدف حافظ الأسد من هذه السياسات إلى تأمين استقرار النظام، عبر تجميع الرساميل والثروات، في مواقع مضمونة، وفي نفس الوقت استقطاب المجتمع التجاري، وخاصة رجال الأعمال، إلى جانبه.

وقد تمّ تثبيت البعد الطائفي للنظام الحاكم في سوريا، من خلال تقوية هيمنة المؤسسات الطائفية والدينية على المجتمع، خاصة في الطائفة السنية، بينما على مستوى العلويين، تم الربط المباشر ما بين العائلة الحاكمة (آل الاسد) وجموع العلويين في سوريا، وفي نفس الوقت انتهاج نهج إقصائي وقمعي تجاه الأكراد. وهو، بطبيعة الأمر، ما أسس لعلاقات تجعل من الدين والطائفة والعائلة مسرحاً لتعبيرها السياسي، بدلاً من المساحة المدنية.

وبالرغم من أن النظام قام بقمع حركة الإخوان المسلمين في سوريا، بوحشية، بين السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لم يمنعه ذلك من انتهاج سياسات محافظة دينية، بتعارض مباشر مع ما يدَّعيه من طبيعة مدنية وعلمانية. فقام النظام ببناء عدد كبير من المساجد، ودعم مدارس الشريعة الإسلامية، ورفع أجور الأئمة والمدرسين والخطباء ورجال الدين السنّة، وذلك بالإضافة إلى الترويج للإسلام في الإعلام الرسمي، بينما في نفس الوقت، حاول تشجيع بناء مؤسسة دينية إسلامية محافظة، لاستقطاب التيارات الإسلامية المتعددة، ولبناء شرعية إسلامية للنظام.

ومنذ عام١٩٧٣، ونتيجة لاحتجاج بعض الشخصيات الدينية السنية، كالشيخ حسن حبنتكة، قام حافظ الأسد بتعديل الدستور، بعد تبنيه من مجلس الشعب، وأعلن من خلاله أن “دين الرئيس هو الإسلام”.  وأُبقي على هذا البند الدستوري في الدستور الجديد، الذي اعتمده نظام بشار الأسد في آذار/مارس ٢٠١٢، وكذلك أضيفت عبارة “الشريعة الإسلامية هي مصدر كل التشريعات”، للتأكيد على العمق الإسلامي للنظام الحاكم.

تراجع خدمات الدولة أمام انتشار أوسع للمؤسسات الدينية غير العلوية

مع تبني «الاقتصاد الاجتماعي الجديد»، وكان الغطاء الإيديولوجي للسياسات النيوليبرالية، التي بدأ باعتمادها النظام، منذ عام ٢٠٠٠، عنى ذلك انسحاب الدولة من مرافق أساسية وحياتية، وترافق مع ازدياد كبير لعدد مؤسسات الرعاية الدينية، وكذلك تدني المستوى المعيشي للسكان، بصورة فاضحة. ففي الفترة التي سبقت الثورة، مباشرة، كان يرزح ٣٠،١٪ من السكان تحت خط الفقر، وحوالى المليونين (أي ١١،٤٪) من السكان كانوا غير قادرين على تأمين حاجاتهم الأساسية. كما أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي كان يتناقص، منذ بدايات التسعينيات، من القرن الماضي، وهذا ما دفع النظام إلى انتهاج سياسات نيو ليبرالية أكثر جرأة، واستكمال البحث عن رساميل خاصة.

وكمثال أساسي على هذه السياسات، شهدنا تراجعا كبيرا في القطاع الصحي، أمام ازدياد كبير لمؤسسات الرعاية الدينية خاصة. ففي عام ٢٠٠٤، حوالى ٣٠٠ مؤسسة رعائية كانت تعطي أكثر من ٨٤٢ مليون ليرة سورية لأكثر من 72 ألف عائلة. إحدى أشهر وأهم هذه المؤسسات كانت جماعة زيد، التي كانت تربطها علاقات متينة مع البرجوازية السنية الدمشقية، ويديرها الإخوان الرفاعي، الذين وإن كانوا ينتهجون اليوم خطابا مناهضا للنظام، فهذا لم يمنعهم (ما قبل الثورة) من بناء علاقات متينة ومصالح مشتركة بينهم وبين النظام، من خلال تمكين النظام لهم من السيطرة على الجوامع الجديدة على حساب المؤسسات الأخرى، بينما حصل الكثير من أعضائهم على مراكز هامة في المؤسسة الدينية الرسمية. ما أدى بطبيعة الحال إلى تعمّق دور المؤسسات الدينية، المسيحية والإسلامية، في المجتمع السوري.

فلقد تم بناء حوالى 10 آلاف جامع، ومئات مدارس الشريعة، وأكثر من ٢٠٠ مؤتمر ديني تم عقدها، في المراكز الثقافية، في عام ٢٠٠٧. وفي نفس الوقت، قامت قيادات المؤسسات الدينية الرسمية بلعب دور المجتمع المدني السوري، وتأكيد الولاء للنظام، وكانوا، بإيعاز من النظام، يمثلون صورة توافقية وحداثية عن المجتمع السوري، أمام الوفود الأجنبية. وتأكيدا لهذين الدور والبعد الإسلاميين، قام بشار الأسد، في ٢٠٠٩، بالاجتماع بيوسف القرضاوي في دمشق، ضمن فعاليات مؤتمر لاتحاد العلماء المسلمين في العالم.

وترافقت هذه السياسات مع ازدياد الرقابة على الأعمال الفنية والأدبية، العلمانية واليسارية، بينما ازدادت أعداد الكتب الدينية والإسلامية في المكتبات، وكذلك تمت أسلمة التعليم العالي. وهذا يظهر بشكل صارخ في العلوم الإنسانية، حيث تمت بشكل منهجي الإشارة إلى الدين في قراءة الظواهر والمسائل العلمية والاجتماعية والثقافية. وقامت الحكومة أيضا بسحب رخصة منظمتين نسويتين في ٢٠٠٧، استجابة لضغط عدد من المؤسسات والشخصيات الدينية. 

فسياسة التقرّب من المؤسسات الدينية، كانت أحد الروافد الأساسية التي شكلّت المساحة البديلة من المساحات السياسية المدنية، ما أدى إلى إعادة تعريف التعبير السياسي، في شكل ديني وطائفي. وتأكيدا على ذلك، رأينا كيف أن النظام، في نيسان/أبريل ٢٠١١، وفي محاولة منه لاستقطاب الأقسام المحافظة في المجتمع السوري، قام بإقفال الكازينو الوحيد في البلاد، وألغى القرار الذي كان يمنع المنقبات من دخول صفوف الدراسة في الجامعات.

محاولة إحكام السيطرة على الطائفة العلوية وربطها مباشرة بآل الأسد

بينما كان النظام يقوم بتشجيع العلاقات الاعتمادية، ما بين السنّة والمؤسسات الدينية، عمل على الربط ما بين الجموع العلوية والنظام مباشرة، إن لم نقل بعائلة الأسد. فقام النظام باعتماد سياسات مختلفة، منها ضرب أي حالة اعتراضية على النظام، ضمن العلويين، بالإضافة إلى محاولة تحويل الطائفة العلوية إلى طائفة سياسية، مربوطة مباشرة بعائلة الأسد.

فقد كان حافظ الأسد قد قام، أولا، بالقضاء على أي بديل عسكري لحكمه، كالجنرال محمد عمران الذي اغتيل في بيروت عام ١٩٧١، والذي كان يتمتع بعلاقات جيدة مع البرجوازية السنية الدمشقية. وقام حافظ الأسد بسجن صلاح جديد، منذ استلامه الحكم وحتى عام ١٩٩٣، عام وفاة هذا الأخير.

وقام النظام أيضا بتأسيس مؤسسة الإمام علي المرتضى، في عام ١٩٨١، التي كان الهدف منها استقطاب الطاعة في جموع العلويين، والزيادة من سلطة جميل الأسد، أخ الرئيس، في منطقة اللاذقية. وكان هدف المؤسسة، بحسب تعريف جميل الأسد، هو بناء شخصية علوية. واستخدمت المؤسسة بشكل أساسي من أجل ترشيح شخصيات علوية تابعة لآل الأسد، بمقابل المرشحين البعثيين الآخرين. ولكن لم تعش تلك المؤسسة طويلا وانتهت في عام ١٩٨٣، على إثر انتقادات كبيرة من قبل أعضاء من حزب البعث ومن النظام. ولم يسمح بعدها لأي مؤسسة رعائية أخرى بالنشوء في المجتمع العلوي، خلافا لما كان يتم في الطوائف الأخرى. فعائلة الأسد عمدت حينها إلى الربط ما بينها وبين الجموع العلوية، من خلال العلاقات الزبائنية والعائلية. وبالإضافة إلى ذلك لم يسمح النظام بنشوء المجلس العلوي الأعلى، على غرار المجلس الشيعي الأعلى، أو المجلس الإسماعيلي الأعلى، ولم يسمح بأي اشارة رسمية إلى المجتمع العلوي، وهذا الأمر لا يأتي من منطلق “علمانية” النظام، بل من أجل إلغاء إمكانية نشوء أي جسم يمنع أو يحد من سيطرة آل الأسد على الطائفة العلوية. كما عمد النظام إلى تشجيع الولاءات العشائرية في الطائفة العلوية، ما شجّع التفرقة في ما بين أبنائها.

في المقابل، فإن ظروف الفقر المدقع التي عاناها العلويون، بفعل السياسات الاقتصادية لنظام الأسد، دفعت الكثير منهم نحو الالتحاق بالجيش، أو بالأجهزة الأمنية، التي كانت تحت سيطرة العائلة الحاكمة مباشرة. ففي تقرير لمجموعة الأزمة الدولية (انترناشيونال كريسيس غروب):

“بقي الريف العلوي من دون أي إنماء؛ والكثير من السكان التحقوا بالجيش؛ لغياب أي بديل اقتصادي فعلي؛ وموظفو الأجهزة الأمنية كانوا ذوي دخل قليل، بينما يعملون لفترات طويلة. والأفراد حديثو السن من العلويين، انتسبوا في غالبيتهم إلى القوى العسكرية والأمنية، لكون النظام لا يسمح لهم بأي خيار ثانٍ. هذا وإن العلويين العاديين نادرا ما استفادوا من الفساد، في أعلى هرم النظام، وخاصة تحت حكم بشار الأسد”.

فهذا الربط، أو إحكام السيطرة على الطائفة العلوية، اتخذ شكله الفعلي بمحاولة نظام الأسد عسكرة العلويين تحت سيطرته، فأصبحت بالتالي الطائفة العلوية خزانا بشريا لنظام حكم حافظ الأسد، ومن ثم ابنه بشار، وهذا الواقع كان أحد أبرز الأمور التي أسست للبيئة الطائفية الناتجة من الصراع مع النظام الأمني للأسد، في الثورة السورية، اليوم.

التمييز والعنصرية تجاه الأكراد

قام نظام الأسد منذ ١٩٧٠ بزيادة التفرقة والتمييز بحق الأكراد، وخلق جو من التفرقة ما بين الأكراد والعرب والآشوريين والتركمان، وخاصة في الشمال. ففي ظل حكم الأسد، جرى اعتبار الأكراد، الذين يشكلون أكثر من ١٠٪ من المجتمع السوري، مواطنين من الدرجة الثانية، لم يسمح لهم بتعليم لغتهم، ولا الاحتفال بتقاليدهم، وأي محاولة لخرق هذه القوانين قد يُعاقب عليها ب ١٠ سنوات من السجن. بالإضافة إلى ذلك، تم إفقار المناطق الكردية، وأعطيت الأراضي إلى ملاكين عرب، وتمت السيطرة على آبار البترول الغنية، في المناطق الكردية، وتركت الطرقات بحالة سيئة ومن دون صيانة.

فما بين العام ١٩٧٢ والعام ١٩٧٧، اعتمدت سياسات شبه عنصرية، في عدة مناطق كردية. فحوالى 25 ألف مزارع عربي، ممَّن تضررت معظم منازلهم من الفيضان الذي سببه بناء سد الطبقة، أرسلوا إلى الجزيرة العليا وأسكنوا في بلدات نموذجية وحديثة، موازية للبلدات الكردية المفقرة. وتمتعت هذه القرى والبلدات الحديثة بالخدمات الجيدة من مياه وكهرباء ومستشفيات ومدارس وطرقات، وغيرها من الأمور، بينما البلدات الكردية كان ينقصها تقريباً كل شيء. بالإضافة إلى ذلك كانت تعاني المجتمعات الكردية سياسات تمييزية قاسية، منها منعهم من التدريس، لكونهم غير عرب، وتم اعتماد سياسات طرد العمال الأكراد، وتدمير المنازل، واعتقال القيادات السياسية الكردية، وغيرها من الأمور. وقامت الحكومة السورية أيضا بتغيير اسماء المناطق الكردية واستخدمت الاسماء العربية، ومنعت الأهالي من تسجيل ابنائهم وبناتهم، بأسماء كردية.

فسياسة الحزام العربي كانت تهدف فعليا إلى بناء حزام اجتماعي يقفل أو يحاصر الحافة الشمالية، والحافة الشمالية الشرقية من الجزيرة، مقابل الحدود مع تركيا والعراق. وتمت مصادرة الأراضي الكردية وإعطاؤها لعرب، وأرسلت العائلات الكردية لتعيش في الداخل السوري، للسماح للعرب بالمجيء، بدلا منها. وتدعيما لهذا الحصار العنصري، كان هناك وجود عسكري قوي في هذه المناطق، وقدمت تسهيلات كبيرة وتقديمات سخية من قبل الدولة لتشجيع الازدهار الاقتصادي في المناطق العربية.

وبالطبع، كنتيجة لهذه السياسات، ظهرت احتجاجات عديدة ما بين الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وخاصة ضمن احتفالات النيروز، أو ذكرى إحصاء الحسكة الذي تم في ١٩٦٢، في غرب سوريا، والذي كانت نتيجته منع الجنسية السورية عن حوالى 150 ألف كردي، ومنعهم هم وأولادهم وعائلاتهم من أي حقوق مدنية، مع محاصرتهم في حالة من الفقر والتمييز. واليوم يقارب عددهم 300 ألف.

وفي ٢٠٠٤، قام النظام بقمع انتفاضة الأكراد، التي بدأت بمدينة القامشلي، وانتشرت حينها إلى مختلف المناطق الكردية في سوريا، في الجزيرة، وعفرين، وحلب ودمشق. واستخدم النظام أيضا القبائل العربية لضرب احتجاجات الأكراد، في المناطق الشمالية الشرقية، ما زاد من التفرقة ما بين الأكراد والعرب. وأكثر من ٢٠٠٠ كردي إما ماتوا أو اعتقلوا، بينما تم نفي آخرين غيرهم إلى خارج سوريا.

لقد سجل النظام الأسدي في سوريا الكثير من الممارسات الطائفية والعنصرية، ومحاولاته المتعددة تقسيم الشعب السوري، على أساس طوائف واثنيات مختلفة، حملت في نفس الوقت تناقضا أساسيا. فسياسات الإفقار والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، لحقت بجميع فئات المجتمع السوري، وخاصة تبعا للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، التي اتبعها النظام في بداية القرن الواحد والعشرين، ما أدى بشكل ملحوظ إلى التأثير في ارتباط شخصيات وحركات ومنظمات من مختلف طوائف الشارع السوري بالثورة على النظام، وذلك لكون ما يجمع الشعب السوري بمجمل تلاوينه من رفض للنظام ما زال يلعب دورا أساسيا في بناء خطاب وحدوي، ومواجه للطائفية، بات يبرز بأحد الشعارات والهتافات الأشهر للثورة السورية، وهو “واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد”.

فالطائفة العلوية مثلا لم تكن تختلف بأي امتيازات اقتصادية عن الطوائف الأخرى؛ ولقد كتب حنّا بطاطو، في التسعينيات من القرن الماضي، أن المزارعين العلويين كانوا يحتجون على الحرمان من وسائل الراحة، ومازالوا يعتمدون على الحراثة حتى في ظروف طقس قاسية، بينما محاصيلهم الزراعية كانت تختفي بسرعة، والكثير منهم اضطر إلى البحث عن مصادر رزق بديلة. وجبل العلويين، كان ثاني أفقر المناطق في سوريا، بعد المناطق الشمالية الشرقية التي يسكنها الأكراد، والحال لم يكن أفضل بكثير في المناطق الأخرى من سوريا، نتيجة السياسات النيوليبرالية، وتراجع خدمات الدولة وازدياد منسوبات التضخم الاقتصادي.

الخاتمة

كما رأينا خلال النص، فإن النظام السوري هو المسؤول الأول عن انتشار السياسات الطائفية والعنصرية في المجتمع السوري. فالنظام الأسدي قام، خلال الأربعين عاما الماضية، بتبني سياسات تهدف إلى التفرقة ما بين السكان على أسس طائفية، واثنية، بالإضافة إلى القمع الممنهج للحركات الاعتراضية والمعارضات اليسارية والعلمانية، مع سيطرة شبه كاملة على مفاصل الحركة النقابية وإسكات أصوات الاحتجاج الاقتصادية والعمالية، التي تستطيع أن توحّد المواجهة ضد السياسات الطائفية. وكل هذه الأمور شجعت صعود خطاب طائفي، مترافقا مع صعود أكبر للتيارات المحافظة والرجعية، التي تتبلور اليوم على أشكال الحركات الأصولية والطائفية، كجبهة النصرة، مثلا. ومن هنا فدور اليسار الثوري لا يكون بالتملّص من الانخراط في السيرورة الثورية، لكونها تحتوي على عناصر رجعية وطائفية، بل بالعكس تماما، فعلى اليسار أن يواجه، ويبيّن أن مصدر هذه السياسات الطائفية هو النظام نفسه، وأن ضرب هذا الخطاب الطائفي لا يمكن أن يتم إلا مع سقوط المروّج الأول للطائفية، وهو النظام، وكذلك وعلى نفس القدر من الأهمية، بالوقوف بحزم ضد العناصر الطائفية والعنصرية من داخل الثورة السورية.

فتخطي الطائفية، كما يقول أسامة مقدسي، “إذا كان ذلك ممكنا، يتطلب قطعا آخر، لا يقل جذرية، بالنسبة للجسم السياسي، عما كان قد تم مع صعود الطائفية، بالنسبة للنظام القديم. إنه يتطلب تعريفاً جديداً للحداثة”.

فالنضال ضد الطائفية، هو جزء لا يتجزأ من النضال ضد النظام القائم، ويتطلب فصلا جذريا عن الماضي، وعن السياسات الطائفية والعنصرية. وهذا يتطلب بالإضافة إلى مواجهة النظام مواجهة العناصر التي تسعى من خلالها بعض دول الخليج العربي إلى قولبة الصراع القائم ضد النظام ليكون صراعا طائفيا، لتنجو هي بدورها من الموجات الثورية التي تجتاح العالم العربي. فالطائفية يمكن تحطيمها إذا فقط عملنا من أجل الديمقراطية الفعلية، والعدالة الاجتماعية والمساواة، والعلمانية والاستقلال الحقيقي.

إن العلمانية التي ننادي بها ليست منفصلة عن الصراع من أجل الديمقراطية، والاشتراكية، ومواجهة الامبريالية. فنضالنا من أجل العلمانية هو جزء من نضالنا الثوري لتحرير المعتقد من سيطرة النظام والسلطة، من أجل أن يعيش كل منا معتقداته بحرية، ومن دون قمع او اضطهاد.

وكما يقول أحد الاشتراكيين اللبنانيين، في مقال له عن لبنان، وقوله ينطبق أيضا على الوضع السوري:”فالنضال ضد الطائفية، ليس فقط نضالاً من أجل مجتمع متسامح، بل هو في صلبه صراع طبقي، صراع ضد الأفكار المهيمنة في المجتمع، وثقافة التفرقة والطائفية التي تبثها الأنظمة. وهو نضال المظلومين ضد الظالمين. ولذلك فإن هذا الصراع لا يمكن أن تخوضه البرجوازية، بل بالعكس تماما فإن هذا الصراع يجب أن يتم بمواجهة البرجوازية، لكونها المحرض الأول للطائفية، وهنا أهمية ومركزية الطبقة العاملة، ليس فقط من منحى نظري، بل لكونها رافعة أساسية لنضال الشعب اللبناني بمواجهة الطائفية، والاضطهاد والاستغلال. فخط الدفاع الأول للمجتمع اللبناني بمواجهة الطائفية هو وحدة الطبقة العاملة خارج المنطق الطائفي”.

هكذا يهتف الثوار السوريون:”الشعب السوري واحد”، و”الحرية طائفتي”. وهذا ما يجب أن يكون!