بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اليسار الراديكالي يستعيد قوته في البرازيل

بعد أن كان يمثل مصالح المضطهدين أصبح حزب العمال البرازيلي هو الذي يطبق اليوم سياسات الشركات الرأسمالية العملاقة، حتى أنه اتهم مؤخرا في قضية فساد. تعرض دينا حشمت كيف أدى هذا التطور إلى تشكيل حزب اشتراكي جديد سوف يكون له مرشحته في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ضد الرئيس لولا.

عندما بدأ لويس إنياسيو لولا دا سيلفا حكمه رسميا منذ ثلاث سنوات بعد فوزه في انتخابات الرئاسة في أكتوبر 2002، شعر عدد كبير من العمال والفلاحين في البرازيل أن هذا الانتصار هو انتصارهم، ليس فقط لأنهم يرون أن لولا هو منهم بسبب أصوله المتواضعة، ولكن أيضا وأساسا لأن لولا كان مرشح حزب العمال. وكان لا يزال حاضرا في الأذهان آنذاك كيف تم بناء هذا الحزب من خلال النضالات الاجتماعية التي نجحت في إسقاط الديكتاتورية العسكرية التي دامت أكثر من عشرين عاما (1964-1985)، وبالأخص الاضراب الكبير في الحديد والصلب سنة 1980. فحزب العمال كان يمثل بالفعل مصالح الطبقات المطحونة في البرازيل، وازدادت شعبيته حتى تم اتخاب مرشحيه في عدد كبير من البلديات ونجح لمدة طويلة في الحفاظ على الديموقراطية الداخلية في الحزب.

وأيضاً طور الحزب من خلال النضالات التي شارك فيها، نظاما لاشراك المواطنين في عملية إقرار أولويات الميزانية، وذلك في البلديات التي كان يسيطر عليها، مثل بورتو اليجري، التي كانت تحت سيطرة حزب العمال من 1989 حتى 2004، والتي طبق فيها فكرة “الميزانية التشاركية”. فكان مجلس المدينة هو الذي يقر جزءا من ميزانية البلدية، وهو مكون من ممثلين عن مجالس الأحياء التي تحدد احتياجات سكان الأحياء الأولية، من مدارس ومستشفيات… إلخ. هكذا أصبحت بورتو أليجري تضم سنة 2005 92 مدرسة و104 مركزاً صحياً، بينما لم تكن تحوي عام 1989 إلا 29 مدرسة و12 مركزاً صحياً. لكن هذا النظام لم ينجح في إشراك غالبية السكان، فعدد سكان بورتو أليجري المشاركين في فعاليات مجالس الأحياء لم يتجاوز 18000 شخص، أي أقل من 5% من إجمالي سكان البلدية، كما أن البلدية كانت مقيدة دوما بتوزيع الميزانية على المستوى الفيدرالي. ربما يكون هذا أحد الأسباب التي أدت إلى فوز اليمين في مدينة بورتو أليجري في الانتخابات النيابية الأخيرة سنة 2004. ولكنه من المؤكد أن عدم تميز البلدية عن سلطة لولا شكلت سببا رئيسيا في هزيمة راول بونتي، مع أنه ينتمي إلى تيار “الديموقراطية الاشتراكية” وهو تيار اليسار الراديكالي داخل حزب العمال.

فبعد ثلاثة سنوات من حكم لولا، لم يعد ممكنا التغاضي عن أن سياسته تخدم في الحقيقة مصالح الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة والطبقة البرجوازية في البرازيل. ولم تعد هذه الحقيقة تخفى على الجماهير الكادحة في البلاد، حيث أن حكومة لولا اتخذت، من بين ما اتخذت من قرارات سيئة السمعة، قرارين يهاجمان مصالح الجماهير. الأول هو مشروع قانون المعاشات الذي يتضمن فرض ضرائب على أصحاب المعاشات، وتخفيض مستوى معاشات عمال القطاع العام، بالإضافة إلى دفعه لخصخصة نظام المعاشات. أما القرار الثاني فهو خاص بالفلاحين، فلولا لم يطبق أبدا مشروع الإصلاح الزراعي الذي وعد به أثناء حملته الانتخابية. رغم أنه عين ميجيل روزيتو، وهو أيضا ينتمي إلى تيار الديموقراطية الاشتراكية، وزيرا للتنمية الزراعية، إلا أنه قيده بتعيين وزيراً للزراعة يدافع بشكل مباشر عن إدخال الزراعة المعدلة وراثياً التي ظل الفلاحون يناضلون ضدها والتي تتفق ومصالح شركة مونسانتو العملاقة. وفي بلد يملك فيها 1% من ملاك الأراضي أكثر من 43% من مساحة الأراضي الزراعية، والتي نجح فيها الفلاحون في تكوين حركة جذرية، “حركة الفلاحين دون أرض” التي أسست جمعيات تعاونية تعيش فيها نحو 150 ألف أسرة على أراضي زراعية قامت باحتلالها، لم تجد حركة الفلاحين دون أرض بديلاً عن تنظيم احتجاجات في مواجهة الصمت الحكومي، بالرغم من الروابط التاريخية التي بين الحركة وبين حزب العمال، والتي جعلتها تنتظر شهوراً طويلة بعد تولي لولا الحكم، فلم ترد أن تصدق سرعة تحول الرئيس البرازيلي.

وبسهولة سنكتشف أن هذين القرارين المتعلقين بالمعاشات والإصلاح الزراعي هما النتيجة المنطقية للطريقة التي أدار بها لولا الحكم. فبالنظر مثلاً إلى فريق الاقتصاديين الذي عينه داخل الحكومة سنجدهم جميعا من الاقتصاديين الليبراليين الذين خدموا حكومة كاردوسو اليمينية قبل ذلك. ولم يخرج هذا الفريق من إطار الوصفة التقليدية لليبرالية الجديدة: الاستقرار في قيمة العملة، وإعادة النظر في المكتسبات الاجتماعية وخاصة مكتسبات عمال القطاع العام، إلى جانب تطبيق سياسات اجتماعية تعويضية على نطاق ضيق، على غرار “مشاريع القروض الصغيرة” التي تستخدم كدعاية حكومية والتي لا تخلو من ميزات تجارية بالنسبة للمؤسسات المالية الدولية.

التحولات داخل حزب العمال

هكذا أصبح حزب العمال البرازيلي، هذا الحزب الذي تكون بفضل تضحيات أجيال من المناضلين، يطبق سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ولكن هل كانت هذه مفاجأة حقيقية؟ يمكننا أن نرد بالنفي إذا ما نظرنا إلى تطور حزب العمال في العشر سنوات الماضية. فبداية من 1994، بعد هزيمة لولا في انتخابات الرئاسة، بدأ حزب العمال يغير مواقفه، منها تلك المتعلقة بالدين الخارجي للبلاد، وأعلن سنة 2002 أنه سيلبي التزاماته تجاه المؤسسات الدولية إذا ما استولى على الحكم، بعد أن كان موقفه الأصلي هو عدم الدخول في أية مفاوضات خاصة بالدين قبل تعليق السداد.

وهذا الموقف جاء أيضا نتيجة التغير طويل المدى لحالة مؤسسات الحزب المختلفة، أو تلك التي كان يديرها، خاصة في البلديات، والتي ازدادت فيها ظاهرة البيروقراطية عاما بعد آخر. ومع ازدياد عدد النواب المنتميين للحزب ـ علماً بأن النائب له امتيازات كثيرة في البرازيل— ظهرت أيضاً الظواهر السلبية مثل الفساد، مما غير شيئاً فشيئاً العلاقة بين هذه المؤسسات والحركات الاجتماعية. فإذا كان مناضلوا الحزب ومناضلوا الحركة يقفون جنبا إلى جنب في النضالات السابقة، لكن الآن لم يعد مناضلوا الحزب مناضلين، بل أصبح جزء كبير من العمل الحزبي يؤديه موظفون، في حين أن بعض مناضلي الحركة اكتشفوا أنه يمكن الاستفادة من علاقاتهم مع من أصبحوا في السلطة، واتخذ البعض الآخر، ممن هم أكثر وعياً، مواقف هجومية ضد هذه السلطة.

حتى داخل حزب العمال نفسه، اتخذ عدد من المناضلين مواقف حازمة في مواجهة خضوع الحزب للمنطق الرأسمالي، وكونوا عدة تيارات معارضة لسياسات الأغلبية، منها تيار “الديموقراطية الاشتراكية”، الذي سبق وأشرنا إليه. لكن اليوم تغير الوضع ولم يعد من يدركون أن حزب العمال تخلى عن الدفاع عن الطبقات المطحونة سوى حفنة من المناضلين من اليسار الراديكالي. وقضت فضيحة الفساد الكبرى التي انفجرت في شهر يونيو الماضي على سمعة حزب العمال، حيث اتضح أن هناك شبكة فساد في الحزب تشتري أصوات النواب في البرلمان، وأن الذي يترأس شبكة الفساد هذه ليس إلا جوزي ديركيو، وهو واحد من أهم القياديين في حزب العمال والمستشار الأول لرئيس الجمهورية. وإلى جانب هذه الفضائح، فإن دخول الحركات الاجتماعية والنقابات في صراع مع الحكومة من أجل الدفاع عن مصالح الكادحين، أقنع مناضلي هذه الحركات بأن حزب العمال قد تخلى عن برنامجه من أجل التغيير الاجتماعي وتبنى الليبرالية الجديدة.

حزب الاشتراكية والحرية

هذا الوضع دفع عدداً من المناضلين إلى التفكير في مشروع حزب جديد، خاصة بعد طرد عضوة مجلس الشورى هليوزا هيلينا من حزب العمال، مع ثلاثة نواب آخرين، لأنهم رفضوا التصويت لصالح مشروع إعادة النظر في المعاشات. فرأى هؤلاء المناضلون الذين ينتمي عدد كبير منهم إلى تيار “الديموقراطية الاشتراكية” أنه لم يعد هناك أي مبرر لبقائهم داخل حزب العمال وأن أهم تحدي يواجهه اليسار هو أهمية الاستقلال عن حكومة لولا وقيادة حزب العمال وتشكيل قطب اشتراكي قادر على تجميع القطاعات الشعبية والمناضلين في الحركة الاجتماعية والنواب الذين أصبحوا يدخلون في عملية تفتت وتشتت. وبعد شهور من المناقشات نجحوا فعلا في جمع 450 ألف توقيع التي يشترط أن يحصل عليها أي حزب كي يصبح شرعيا، وحصل “حزب الاشتراكية والحرية” الجديد على شرعيته يوم 16 سبتمبر الماضي. وتوالت منذ إعلان تأسيس الحزب عمليات خروج المناضلين من حزب العمال والتحاقهم بحزب الاشتراكية والحرية، منهم عضوان في مجلس الشورى، وخمسة أعضاء في مجلس الشعب، وعشرات من أعضاء المجالس المحلية. ووصل عدد هؤلاء في نهاية سبتمبر 2005 إلى 2500 مناضل، مما شجع هذا الحزب الجديد على الاستعداد لدخول معركة الانتخابات الرئاسية القادمة في أكتوبر 2006، بتقديم هيلويزا هيلينا كمرشحة في مواجهة لولا، والتي يبدو، من خلال استطلاعات الرأي الأولى أنها ستكون قادرة على الحصول على نسبة ليست ضئيلة من الأصوات.

إن تشكيل “حزب الاشتراكية والحرية” هو قفزة نوعية إلى الأمام قد يرجع الأمل في تغيير اجتماعي حقيقي لدى جموع المضطهدين في البرازيل، ويساهم في تشجيع مناضلين الحركة الاجتماعية على الحفاظ على التنظيمات الجماهيرية الناتجة عن أكثر من 30 عاما من النضال. وأهم من ذلك كله، قد يساهم ذلك في تجاوز الإحساس بالمرارة نحو رفاق الدرب القدامى واليأس من إمكانية حدوث تغيير جذري يحقق أخيرا أحلام الفقراء.