بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مهمة الامبريالية التي لم تكتمل*

 منذ بداية الحرب على العراق وحتى اليوم، أصبح لدينا مليون من القتلى العراقيين، وما يقرب خمسة آلاف من جنود الجيش الأمريكي، وأكثر من 32 ألفاً أصابتهم تشوهات جسدية، علاوة على التأثيرات النفسية السلبية التي يعانون منها. كل ذلك بالإضافة إلى 4 تريليون دولار (1) تم إنفاقها على الحرب بينما كان من الممكن إنفاقها على التعليم والرعاية الصحية ولخلق فرص عمل جديدة.

وبالرغم من بشاعة الأرقام، إلا أنها لا تعبر بشكل كامل عن قدر الرعب الذي سببته الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في مارس 2003. وبينما تسحب الولايات المتحدة قواتها من العراق، تقوم واشنطن بالعديد من المناورات للاحتفاظ بهيمنتها في الشرق الأوسط من خلال الإبقاء على العراق كدولة عميلة في ظل تصعيد الضغوط الأمريكية على إيران.

وصحيح أن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، كان قد أعلن الأسبوع الماضي أن جميع القوات الأمريكية ستنسحب من العراق بحلول نهاية هذا العام، إلا أن هذا الانسحاب لا يمثل تخلياً عن أهداف واشنطن في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، لكنها فقط مجرد محاولة لترشيد الامبريالية وإعادة إنتاجها في شكل مختلف.

وبينما تستمر الحرب الوحشية في أفغانستان، جنباً إلى جنب مع الضربات العسكرية في باكستان واليمن وما يطلقون عليه "التدخل الإنساني" في ليبيا, لم تستطع إدارة أوباما تقديم السياسة الخارجية "العادلة" التي طمع فيها الناخبون الديمقراطيون في عام 2008. ولا يزال أمام حركة مناهضة الحرب في الولايات المتحدة –وعلى المستوى الدولي أيضاً- الكثير من العمل لتحدي هذه السياسات.

العراق في ظل الاحتلال

عندما بدأ غزو عام 2003، كان العراق يعاني تحت وطأة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الأولى في 1991. كانت الولايات المتحدة قد شنت تلك الحرب لطرد القوات العراقية من الكويت، ولكنها انتهزت الفرصة للقضاء على قطاعات كبيرة من الجيش العراقي.

ولقد أدى الحصار والعقوبات الاقتصادية الصارمة، التي دعمتها الولايات المتحدة على العراق، إلى الإيقاع بالعراق، والذي كان يمثل البلد الأكثر تطوراً في العالم العربي، في الجوع والفقر. لقد راح نحو نصف مليون طفل عراقي في التسعينات ضحية لهذا الحصار الاقتصادي، أما تعليق وزيرة الخارجية آنذاك، مادلين أولبرايت، على ذلك فقد كان: "نعتقد أن الثمن كان يستحق ذلك".

ولكن بعد عقدٍ من الزمان، ووفقاً لرؤية بوش الإبن والمحافظين الجدد وأجهزة الإعلام المتواطئة، فقد ظل صدام حسين يمثل أكبر تهديد للأمن القومي الأمريكي. أما رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، فقد أطلق هو الآخر ادعاءه الزائف بأن العراق يستطيع شن هجوم واسع بأسلحة الدمار الشامل على أوروبا "في 45 دقيقة فقط".

وقبيل الحرب في 2003، كان وزير الخارجية الأمريكي، كولين باول، يعمل على إقناع الأمم المتحدة بأن العراق لديه أسلحة دمار شامل، فيما كان مدعوماً بالدعاية المؤيدة للحرب في وسائل الإعلام. أما نقاد الحرب والذين كانوا يجادلون بأن الولايات المتحدة مهتمة أكثر بالسيطرة على النفط العراقي من السلام والديمقراطية، كان يتم رفض انتقاداتهم وتصويره في وسائل الإعلام باعتباره ترويج لأيديولوجية يسارية تتعامى عن أخطار العالم الحديث.

ومع ذلك، وفي نفس الوقت الذي كان المحافظون الجدد يرسمون فيه صدام حسين قادراً على قتل الملايين بالأسلحة الكيميائية والقنابل المشعة، كانوا أيضاً يبشرون بما يمكن أن يحققه الجيش الأمريكي في العراق. في هذا الوقت، توقع نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، أن "العراقيين سيستقبلون القوات الأمريكية بالورود".

إلا أن الولايات المتحدة قد واجهت مقاومة عنيدة من خلال حرب العصابات والعبوات الناسفة التي قتلت وأصابت الجنود الأمريكيين على نطاق لم يسبق له مثيل (2).

لقد أطلق الجيش الأمريكي ترسانته الكاملة على المقاومة العراقية في الفلوجة في معركتين لتسوية المدينة بالأرض، كما شنت القوات الأمريكية هجوم متزايد على أي ذكورعراقيين في سن القتال باعتبارهم متمردين محتملين قد يحملون السلاح ضدهم.

بعد ذلك جاءت الحرب الأهلية الطائفية إثر محاولات الولايات المتحدة لتنظيم الحياة السياسية العراقية على أسس دينية. حيث حصلت الأغلبية الشيعية، والتي عانت من اضطهاد صدام لفترة طويلة من الزمن، على الدعم الفعال من جانب القوات الأمريكية، وذلك أثناء طرد المسلمين السنة من مناطق كاملة في بغداد. وعندما شهدت المقاومة السنية ضعفاً متزايداً، عملت الولايات المتحدة على رشوة كبار السياسيين والمقاتلين السنة للانضمام إليها ومشاركتها في القتال ضد الجماعات الإسلامية المرتبطة بتنظيم القاعدة. إلا أن هذا الجهد الذي تبذله الامبريالية لشراء المقاومة لم تنتج السلام والرخاء الذي كان بوش يعد به العراقيين.

أما على المستوى الاقتصادي، لا يزال الاقتصاد العراقي ممزق، وبينما يولد النفط 95 في المائة من عائدات البلاد، فإن 1% فقط من اليد العاملة العراقية تعمل في صناعة النفط. وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في أسعار النفط في السنوات الأخيرة، يعيش حوالي 25 في المائة من العراقيين ولا يقل عن 15 في المائة من القوة العاملة تحت خط الفقر.

وكما علقت الصحفية الأمريكية جوشوا فوست في أغسطس الماضي، فإن البيانات الاقتصادية الرسمية يحيطها قدر كبير من الشك في مدى دقتها وصحتها:
"إحصاءات البطالة مثالاً واضحاً على ذلك، فالبنك الدولي يقول أنها تقدر بـ 18% عام 2006، في حين أنه لا توجد بيانات بعد عام 2006. وقد قدرت الأمم المتحدة في أبريل 2011 أن البطالة قد انخفضت خلال نفس الفترة من 28 في المائة إلى 15 في المائة. فيما تقدر منظمة العفو الدولية، في تقريرها لعام 2011، أن البطالة لا تزال أكثر من 50 في المئة. وفي الشهر الماضي فقط، أشار صندوق الأمم المتحدة للسكان أن البطالة مرتفعة للغاية بين الشباب في العراق إلى درجة تدفعهم للهجرة بشكل غير مسبوق".

وعلى صعيد آخر، يذكر مجلس النقابات الدولي في دراسة أعدها هذا العام، أن حكومة المالكي لاتزال تمارس إلى الآن نفس التضييق والقمع الذي كان يمارسه نظام صدام حسين ضد النقابات العمالية، وذلك لضمان مناخ ملائم للأعمال التجارية لشركات النفط الكبرى وللمستثمرين الكبار أيضاً.

وجدير بالذكر أن موظفي واحداً من أشهر فنادق بغداد كانوا قد أضربوا عن العمل في يناير الماضي، مطالبين بصرف بدل سلامة لهم بعد تعرضهم لعدة هجمات بقذائف الهاون ووفاة اثنين منهم إثر ذلك. وفي يناير أيضاً كان قوات الشرطة قد اعتقلت رئيس نقابة المعلمين العراقيين في البصرة. ومنذ أشهر قليلة، داهمت قوات الشرطة العراقية كافة مكاتب نقابة عمال الكهرباء وأغلقتها. وفي مارس الماضي، وبعد احتجاج عمال النفط على تدني الأجور وعدم الاعتراف الرسمي بنقابتهم، تم نقل قادة النقابة من أماكن عملهم إلى مناطق أخرى. بينما في يونيو، كانت قوات الأمن تحاصر عمال الموانئ في جنوب البصرة أثناء احتجاجهم على حظر النقابات، كما تم نقل قياديي الاحتجاج أيضاً.

وبينما انتهت الحرب الشاملة، يبقى العراق بلداً للقتال المستمر؛ فعمليات الاغتيال والتفجيرات التي لا تتوقف لا تزال شيء روتيني في البلاد. وكانت آخر هذه العمليات الكبرى في أغسطس الماضي، حيث وقعت حملة من التفجيرات المتزامنة التي استهدفت المسلمين الشيعة والتي قُتل فيها ما لا يقل عن 74 شخصاً وأصيب حوالي 250 آخرين بجروح في 13 مدينة مختلفة.

حتى كردستان العراق، والتي يفترض الأمريكيون أنها قد تحولت لتصبح نموذج لعراق حر وديمقراطي في أعقاب حماية الولايات المتحدة للمنطقة منذ عام 1991، فهي تهيمن عليها الأحزاب السياسية الفاسدة. والدليل على خطأ فرضية "ديمقراطية كردستان العراق" هو ما حدث في الربيع الماضي، حين هاجمت شرطة مكافحة الشغب الاحتجاجات السلمية المطالبة بالديمقراطية مما أسفر عن إصابة حوالي 100 شخص.

إن المحاولات الراهنة من جانب العراقيين في الدفع من أجل الديمقراطية يأتي اليوم على الرغم من الاحتلال الأمريكي وفي مواجهته، وليس بسبب أن الأمريكيون أتاحوا الفرصة للعراقيين كي يتحركوا. وعندما انطلقت الاحتجاجات في فبراير في أعقاب الثورة المصرية، كانت تتحدى حكومة المالكي الذي عينته الولايات المتحدة لفسادها وفشلها في توفير الضروريات الأساسية مثل الكهرباء وغيرها.

استراتيجية أوباما

أعلن جورج بوش، عقب غزو العراق في 2003، أن "المهمة قد انتهت"، لكن يبدو أن الرياح العراقية تأتي بما لا تشتهيه الامبريالية الأمريكية.

فقد كان من المفترض أن يكون العراق هو محور جهود واشنطن في مخطط إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فغزو العراق هو الخطوة الأولى نحو الهجوم على النظام السوري وتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، والتي تواجه أيضاً تواجد عسكري أمريكي كبير على حدودها الشرقية مع أفغانستان.

وبدلاً من ذلك، أصبح العراق عميلاً ضعيفاً في أحسن الأحوال. فالمنافسين السياسيين الكبار للمالكي، وهما بالأساس رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر وأحمد الجلبي (واللذين كانت الامبريالية الأمريكية تسعى إلى كسبهم في صف حلفائها في العراق)، كلاهما يتطلعان إلى إيران من أجل الدعم السياسي. ومن الواضح أن المالكي هو أيضاً يميل إلى إقامة بعض العلاقات مع الجارة الكبرى للعراق – إيران. وعندما التقي المالكي الرئيس الإيراني، أحمدي نجاد، في بغداد، كانت واشنطن تشتعل غضباً.

لكن الولايات المتحدة مازالت تأمل في التوصل إلى اتفاق مع المالكي للاحتفاظ ببضعة آلاف من المستشارين العسكريين الأمريكيين لتدريب القوات العراقية على استخدام المعدات العسكرية الأمريكية. إلا أن ذلك سيكون فقط بمثابة بصمة صغيرة لما كانت الامبريالية الأمريكية تأمل في أن تكون في العراق. أما الآن فستكون الولايات المتحدة في صراع مع إيران للتأثير في بغداد، ومن الواضح أن إيران لديها اليد العليا. كان هذا هو السبب وراء إعلان إدارة أوباما سحب القوات من العراق مع اتهامات صاخبة ومريبة لـ"عملاء إيرانيين" بالتآمر لاغتيال سفير المملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة. والرسالة من ذلك واضحة تماماً، فالولايات المتحدة قد تخرج من العراق، ولكن سوف تواصل تصعيد الضغط على إيران.

أما انسحاب القوات الأمريكية من العراق فلن يعقبه إنهاء كامل للأعمال العسكرية الأمريكية. وكما علق الصحفي نيك تورس، فقد ذكرت صحيفة الواشنطن بوسط في العام الماضي أن قوات العمليات الخاصة الأمريكية تنتشر في 75 بلداً من أمريكا الجنوبية إلى آسيا الوسطى. ومؤخراً، صرّح المتحدث باسم قيادة العمليات الخاصة الأمريكية، الكولونيل تيم ناي، أن القوات الخاصة الأمريكية تعمل فيما لا يقل عن 70 بلداً، وأن إجمالي البلدان التي ستتواجد بها هذه القوات قبيل نهاية العام سيصل إلى 120 بلد.

تقوم هذه القوات بمجموعة متنوعة من العمليات، فمن "الحراس" الذين يشاركون في القتال التقليدي في أفغانستان، إلى "فرق البحرية" التي تمكنت من اغتيال أسامة بن لادن في باكستان، إلى "المدربين" من الجيش والبحرية، و"القوات الجوية"، و"مشاة البحرية"، إلخ. كل هذه القوات تعمل على الصعيد العالمي من الدومينيكان إلى اليمن.

وبدلاً من الأعمال العسكرية الكثيفة وغزوات الاحتلال الباهظة، فإن العقيدة العسكرية الجديدة تدعو إلى نسج القوات الخاصة الأمريكية مع عملاء المخابرات الأمريكية في عمليات عسكرية في عشرات البلدان في جميع أنحاء العالم. وبدلاً من سياسة بوش المباشرة التي اتبعها في العراق وأفغانستان، يتبنى أوباما سياسة بناء التحالفات العسكرية كغطاء لعمليات التدخل المباشر. وهذا ما يمكن إدراكه اليوم؛ فالولايات المتحدة قد جرّت حلف الناتو لتمويل التدخل العسكري في ليبيا، كما تسعى أيضاً إلى تعزيز العلاقات العسكرية مع منافسي الصين في آسيا.

وبموجب هذه الخطة، تأمل الولايات المتحدة في إنهاء حربها الكبرى في العراق، وفي نهاية المطاف في أفغانستان أيضاً، وذلك لإفساح المجال لعدد لا يحصى من الصراعات الصغيرة التي ستكون الولايات المتحدة طرفاً أساسياً فيها، توجهها وتغذيها بالسلاح والعتاد.. قد تكون أحلام الامبراطورية الكبرى في فبراير 2003 قد ذهبت أدراج الرياح، لكن الامبريالية الأمريكية ستغدو أشرس من أي وقت مضى.

هوامش:

(*) تم نشر المقال لأول مرة باللغة الانجليزية في 27 أكتوبر 2011، بجريدة العامل الاشتراكي الإلكترونية الأمريكية، تصدرها منظمة الاشتراكيين الأمميين بالولايات المتحدة.

(1) من الملاحظ أن الولايات المتحدة، منذ بداية الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الأمريكي في نهاية 2007، قد ضخت المزيد من الأموال لتمويل الحرب على العراق. ففي السنوات الخمس الأولى لاحتلال العراق، وحتى مارس 2008 (أي عقب اندلاع الأزمة المالية) كانت الولايات المتحدة قد أنفقت حوالي 1.3 تريليون دولار. أما في السنوات الثلاثة الأخيرة، فقد ازداد الإنفاق العسكري بشكل كبير، حتى بالرغم من الأزمة العنيفة التي ضربت الاقتصاد، ليصل إلى حوالي 2.7 تريليون دولار. ومن المدهش أن نتذكر وزير الدفاع الأمريكي السابق، دونالد رامسفيلد، حينما أعلن قبيل شن الحرب في مارس 2003، أن كلفة الحرب لن تتكلف 50 مليار دولار. (المحرر)

(2) كان 2007 هو العام الذي تكبدت فيه الامبريالية الأمريكية أكبر خسائرها في العراق، وبلغت عمليات المقاومة ضد الجيش الأمريكي في ذلك العام حوالي 2400 عملية شهرياً، أي واحدة كل 15 دقيقة تقريباً. أما في أفغانستان، فكان العام 2010 هو أكثر الأعوام من حيث الخسائر الأمريكية هناك، ووفق تقرير البنتاجون فإن خسائر الجيش الأمريكي في 2010 قد بلغت430 قتيل و5500 مصاب، وهو ضعف العدد المسجل في 2009 وستة أضعافه في 2008. (المحرر)