بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

محاولة لإغراق الثورة السورية في الدم

يتحرك النظام السورى لسحق الحركة الشعبية خوفاً من إتساعها ومن التمرد في الجيش، وهو ما يزيد احتمالات الحرب الأهلية . ويتبع بشار الأسد نفس السيناريو الذى قام به القذافى وحمد بن عيسى آل خليفة في الاستخدام المفرط للقوة، بما فيه الدبابات وطائرات الهليكوبتر والأسلحة الثقيلة لكى يضرب مدينة رأس الشغور في شمال سوريا ويدفع سكانها إلى الفرار عبر الحدود التركية، حيث نصبت مخيمات استوعبت ما يزيد عن عشرة آلاف سورى. وهناك المزيد من من ينتظرون السماح لهم بالعبور .

طبقاً لروايات الناجين الموثقة بمقاطع فيديو تم تهريبها أن قوات الجيش السورى أطلقت النار على العشرات من المدنيين العزل في جسر الشغور كما حاصرت المدينة التى يقطنها حوالى سبعين ألف نسمة ، وقامت بذبح الماشية وإحراق المحاصيل .

ولقد شهدت عمليات القتل مقاومة من بعض الجنود الذين تمردوا على الأوامر . حيث أخبروا أنهم سوف يذهبون لقتال الإرهابيين ، لكنهم لم يجدوا سوى متظاهرين عزل .

ولقد رفض بعضهم إطلاق النارعلى العزل فقام قادتهم بإطلاق النارعليهم، وفقاً اتقارير إعلامية كثيرة. كما قرر جنود آخرين الانضمام إلى الثورة واستخدموا أسلحتهم ضد الجيش السورى. ولقد ادعت الحكومة أن حوالى 120 جندى قتلوا في رأس الشغور في الأيام الأخيرة. قد يكون الرقم مبالغاً فيه ، لكن هناك بعض الجنود الذين قتلوا نتيجة عصيان الأوامر، أو قتلوا على يد جنوداً آخرين انضموا إلى الثورة .

ولقد شهدت معرة النعمان مقاومة مسلحة ، طبقاً لتقرير بي بي سي حيث استهدف المسلحون المقار الإدارية وقسم الشرطة ومحطات البنزين .

وإذا كانت الحركة الشعبية قد استخدمت السلاح بعد أسابيع من الاحتجاج السلمى ، فإنه بسبب النظام الذى أصر على استخدام القوة القاتلة ضد المسيرات السلمية مراراً وتكراراً في شهر مارس . ورغم استشهاد ما يقارب 1200 على يد قوات الأمن واعتقال عشرة آلاف كثير منهم تعرضوا للتعذيب ، إلا أن الحركة في اتساع مستمر .

لقد تعامل النظام بهلع مما دعم وجذر الحركة الديمقراطية ، وفي مدينة درعا الجنوبية التى شهدت احتجاجات منذ ثلاثة أشهر عقب قيام الشرطة بتعذيب بعض الشباب الذين قاموا بالرسم على الجدران ضد النظام . كما اتسع فيها الغضب بعد مقتل حمزة الخطيب ذو الثلاثة عشر عاماً وهو محتجز لدى الشرطة . لقد رفض أهل الصبى تهديدات الشرطة وسمحوا للمراسلين برؤية الجثة . وكما جاء في تقرير الجزيرة " عينا حمزة منتفختان وسوداوان ، وهناك جراح متطابقة في جسده لطلقات رصاص اخترقت ذراعيه . كما تركت الرصاصات فجوات في جنبيه قبل أن تستقر في بطنه . بينما كان على صدره علامات حرق داكنة وكانت رقبته مكسورة ، وقضيبه مقطوع .

وبعد أيام أفرجت السلطات عن جثة أحد أصدقاء حمزة ، وهو تامر السحري15 عاماً ، قبض عليه مع حمزة قبل ستة أسابيع في أحد الاحتجاجات .

وكانت إستجابة النشطاء لتعذيب حمزة وقتله هي إطلاق اسم جمعة المسيرة من أجل الأطفال في 3 يونيو رغم تصاعد الإجراءات الصارمة التى تتخذها الحكومة . وأثناء مظاهرات 3 يونيو في جسر الشغور وفي كل أنحاء سوريا تمرد بعض الضباط في الجيش والشرطة على قادتهم وأصبحت السيطرة على المدن ضعيفة . وفقاً لما أفاد به الجنود المتمردون والنشطاء إلى مراسلي الجزيرة .

وقد وصف أحد النشطاء للجزيرة في تركيا بعد أن عبر الحدود كيف تحولت جنازة 4 أشخاص قتلهم أفراد من الأمن يرتدون زياً مدنياً ، إلى احتجاج كبير ضد الحكومة . قال الناشط " عندما مرت المظاهرات أمام قيادة البوليس السري ، أطلقوا النار على المتظاهرين وقتلوا ثمانية أفراد . وأضاف الناشط الذى كان بين المتظاهرين " ثم رفض البوليس السرى إطلاق النار فحدثت مصادمات بينه وبين الجيش . لقد كانت فوضى عارمة .."

و عاد الناشط ومعه آخرون إلى مقر القيادة في اليوم التالى بعد أن سمحوا صوت انفجارات قوية ، وجدوا عشرات من الجثث من بينها قائد الشرطة العسكرية ، تعرفوا عليه من بطاقته الشخصية .

لقد ظلت جسر الشغور تحت السيطرة الشعبية حتى العاشر من يونيو ، حين توجه ماهر الأسد شقيق بشار الأسد إلى المدينة على رأس قوات خاصة لسحق المدينة ، بعد أن خاف من إنضمام الجنود العاديين إلى الثورة . لقد استخدم نفس طريقة أبيه حافظ الأسد عندما قاد أخوه القوات المسلحة وحاصر حماه عام 1982 وقتل ما يقرب من عشرة آلاف شخص لسحق الانتفاضة المرتبطة بالاخوان المسلمين .

وبسبب ذكريات هذا القمع تأخرت حماه في الانضمام إلى الثورة ولكن يوم الجمعة 3 يونيو خرج إلى الشوارع ما يفوق 150 ألف ، ثم خرج عشرات الآلاف لتشييع 65 استشهدوا في الاحتجاجات الأولى والتى واكبها إضراب عام لمدة يومين . لكن الجيش احتل المدينة لعدة أيام .

ويظن بشار الأسد أن البربرية في التعامل والرشوة يمكن أن تضمن بقاء نظامه .

إن المجتمع السوري يتكون من طوائف دينية وعرقية متعددة ، أكبرها على الاطلاق هم العرب السنة . لكن هناك أقليات من المسيحيين والدروز والعلويين وهم من ينتمى إليهم الأسد وهم مفتاح أمنه الشخصى ، كما اعتمد العلويين على دعم أقليات أخرى ، وعلى شريحة من رجال أعمال السنة . ولقد عبر حزب البعث عن الخوف من الطائفية أو سطوة الأغلبية السنية لعقود طويلة ، ولقد اعتمد الحزب على ما يحدث في لبنان من حروب طائفية كمثال لما قد يحدث في سوريا إذا تمت الإطاحة بالديكتاتورية .

لكن تناقضات اصلاح الأسد السياسي والاقتصادي منذ أن وصل إلى السلطة أربكت السياسيين السوريين . لقد بدأ بانفتاح ديمقراطي محدود تبعه بموجه من الاعتقالات مما أربك الطبقة الوسطى وهدد النظام المستقر ، وفي الوقت الذى كون فيه أقارب الأسد ثروات ضخمة ، عانى الشعب السوري من التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية . ولقد قامت الحكومة بزيادة دعم الطعام لتساعد حوالى 240 ألف أسرة في دولة عدد سكانها 23 مليون نسمة ولقد ذكرت مصادر حكومية أن نسبة البطالة 12% بينما يؤكد خبراء أنها قد تتجاوز 20% .

في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة ، والغضب من الدولة البوليسية ، اندلعت شرارة الاحتجاجات بعد انلاع الثورة في تونس ومصر .

لقد بدأت الحركة محلية ، لكنها أخذت طابع قومي رغم محاولات النظام دق الأسافين بين الطوائف والمناطق وبين العرب والأكراد والأهم من ذلك أن العنف الوحشي لم يمنع الجماهير من النزول إلى الشوارع أسبوع بعد أسبوع ، رغم علم المحتجين أنهم قد يقتلون .

وحتى أثناء الهجوم على جسر الشغور حققت المعارضة درجة عالية من التنظيم . فلقد حاولت لجان التنسيق المحلية ربط المحتجين وتحقيق الاصطفاف على مستوى واحد بداية من نزع الشرعية عن بشار الأسد ثم الاتفاق على عقد مؤتمر حول إنتقال الدولة إلى دولة ديمقراطية وتعددية تعتمد على الحرية والمساواة لكل مواطن سوري .

إن مهمة هذا المؤتمر هي إنتقال سلمي وآمن للسلطة لتحاشى أى إنهيار عنيف .

ومن الصعب قياس قوة المعارضة المنقسمة بين نشطاء في سوريا وآخرين في المنفى وإلى مجموعات سياسية متنوعة من المؤيدين للولايات المتحدة إلى الديمقراطيين إلى الاشتراكيين . لكن الغرب يراهن على أكثر عناصر المعارضة تحفظاً ويهاجم الأسد بعبارات بلاغية قوية ، دون ممارسة ضغوط حقيقية على النظام . فلقد حاولت واشنطن أن تنتزع سوريا من تحالفها مع إيران ، وتأمل أن يتحول الأسد إلى حليف ويعيد تجربة القذافي في التحول . لكن معيار العنف ، كما حدث من قبل في ليبيا ، وضع واشنطن وحلفائها فى  إسرائيل والسعودية وأوروبا في ورطة . لكنهم جميعاً يدعمون الأسد بشكل ضمني خوفاً من انتصار ثورة عربية أخرى ، وخوفاً من احتمال إنهاء السلام البارد مع إسرائيل ، الذي مكنها من شن حروب على غزة ولبنان من حين لآخر .

لكن المجزرة التي حدثت في رأس الشغور يمكن أن تضغط على الغرب .  ولقد وفرت المذبحة فرصة ملائمة لصقور السياسيين مثل السيناتورالجمهوري ليندسيى جرهام الذى قال " إذا كنتم تهتمون فعلاً بالشعب السوري فعليكم منع المذبحة التى يتعرض لها وعليكم أن تضعوا نصب أعينكم كل الخيارات بما فيها التدخل العسكري كما حدث في ليبيا .

ويرى جوشوا لانديز الخبير في الشئون السورية أن ما يحدث في جسر الشغور هو محاولة لتنظيم مقاومة مسلحة ضد الحكومة ، ويجب على السوريين منع هذا الحدوث ، وعليهم ان يستخدموا القوة حتى لا تحدث بنغازي جديدة ( عاصمة التمرد في ليبيا ) وتكون قاعدة للحركة تتوافد عليها أجهزة المخابرات لتدريب المعارضين على استخدام السلاح ومن جهتها مارست تركيا ضغطاً على حليفها بشار الأسد حيث أدانت العنف ضد المعارضة . تركيا التى كانت تحتل سوريا في الماضي ، أقامت علاقات إقتصادية قوية مع النظام الحالى ولكنها أدركت الآن أنه يمكن الإطاحة ببشار الأسد واستبداله بحكومة تدور في فلكها ، كجزء من صراع تركيا مع إيران على النفوذ الإقليمي .

وهذا يوافق ما كتبه بهادار كومار : باختصار ، تقف سوريا عقبة في طريق توسع النفوذ التركي في الشرق الأوسط . ويجد الحزب الحاكم في تركيا هذا محبطاً لأنه يمثل النزعة العثمانية الجديدة ، ويرى أنه وريث الشرعية العثمانية القديمة في الشرق الأوسط . بإختصار ، سوريا تعوق طموحاتتركية كقوة إقليمية في الشرق الأوسط .

ولكن كما أظهرت الحرب في ليبيا ، أن القوى الإمبريالية لا تسعى إلى دعم الثورات العربية ، ولكن تسعى إلى الإنقلاب عليها وتنصيب حكومات تابعة للغرب .

وربما قرر الغرب أن يسمح للأسد بإغراق الثورة في الدماء بإسم إستقرار المنطقة ، وقرر أن يفرض عقوبات بدلاً من التدخل العسكري . وعلى أى حال سوف تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها فرض شروطهم وحماية مصالحهم وهو ما يتناقض مع مطالب الجماهير السورية .

إن أمل الثورة السورية ينعقد على الرجال والنساء الذين يحتجون من أجل الديمقراطية والكرامة ، ويحنجون ضد التعذيب وقتل الأطفال . وينعقد على العمال الذين شاركوا في المظاهرات والإضرابات ، وعلى الجنود الذين تمردوا على قادتهم ، وعلى الأمهات اللاتى تجاهلن تهديدات النظام الهمجى . كل هؤلاء هم امل تقدم الثورة العربية .

اقرأ أيضاً: 

هل تشكل سوريا استثناءاً للقاعدة العربية؟

الثورة وتحالف السلطة في سوريا

سوريا تصل لنقطة الغليان 

أفكار حول الثورة السورية