بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال القطاع العام في ليبيا: معاناة لم تنته

قبل أسبوعين اعتصم عمال القطاع العام في ليبيا مطالبين بتسديد رواتبهم المنقطعة منذ سنة وستة أشهر بعد توقف للمصانع دام 10 سنوات، كما دخل نحو ألفي عامل إضرابا في تسعة موانئ نفطية في إطار تصاعد عام لحراك عمال الموانئ في أواخر يناير الماضي بإضراب عمال مصفاة رأس لانوف الذي تم التعتيم عليه بدعوى وجود مشاكل فنية أوقفت سير العمل.

ومع ردود وزارة المالية حول التأخر في تسديد رواتب العاملين بالقطاع العام بحجة ضياع قاعدة البيانات إثر تهدم واقتحامات مقرها، بالإضافة إلى تصريحات رئيس الوزراء الليبي أن القطاع النفطي سيكون المحرك الرئيسي لعملية الخصخصة التي ستجري خلال السنوات المقبلة، أثيرت على الجانب الآخر العديد من الأسئلة حول مستقبل كلا القطاعين العام والخاص في ليبيا ما بعد الثورة ومدى تأثر العمال.

معاناة عمال القطاع العام

على المستوى التنظيمي، عانى عمال القطاع العام من التفتيت التام لكل الأشكال التنظيمية التي تحمي حقوقهم منذ أن استولى القذافي على الحكم، فمع تصاعد الحركة العمالية وتنظيمها لأقوى الإضرابات عام 1961 لتوشك أن تلعب دورا سياسيا على الساحة، عمدت اليد القمعية للديكتاتورية السابقة على استهدافهم واعتقال القيادات ثم سيطر النظام على الاتحاد العام لعمال ليبيا وقام بتحويله إلى الاتحاد العام للمنتجين الذي أصبح أداة تصفق للقذافي المدافع زورا عن حقوق العمال.

وعلى إثر ذلك، ومع حالة التخبط التي انتهجها النظام السابق بانحدار المستوى الإداري بالإضافة إلى غياب الأهداف الاقتصادية، أصبح شعار “شركاء لا أجراء”، الذي رفعه لتأميم الكثير من الشركات، أكبر أكذوبة تحولت على إثره المصانع إلى ركام وخردة، وأصبح العاملون مجرد أسماء قيد التسجيل بالكشوفات يعانون الإهمال الشديد وضياع الحقوق في ظل تفتيت تام لكافة الأشكال التنظيمية. وبرغم استئثار القطاع العام بنحو 86% من حجم الاستثمارات الكلية, بل إن مساهماته ازدادت في بعض القطاعات, إذ بلغت 98% في قطاع الصناعة, و93% في قطاع الزراعة, و100% في قطاع الخدمات، إلا أنه في المقابل لم تبدِ الدولة أية إجراءات عملية لتطوير القطاعات بما يتلائم مع خطة اقتصادية شاملة واكتفت بعائدات النفط التي قدرت بـ 90% من إجمالي الإيرادات.

المعاناة تكمن أيضا في القوانين المنظمة لعلاقات العمل بليبيا، فالطبقة العاملة الليبية انحسرت بين فكي كماشة لا مناص منها, فإما الاستمرار في القطاع العام الذي يعمل بالقانون الصادر بالسبعينات والخاص بتثبيت الأجر, بل ويحظر القطاع العام على المشتغلين به القيام بآية أعمال، وإما أن تجد الطبقة العاملة بدا من ترك القطاع العام والعمل بالخاص الذي يفضل العمالة الأجنبية الوافدة عن العمالة الليبية بل ويميزها في الحقوق والرواتب كما كان في إضراب عمال مصفاة رأس لانوف مؤخرا. انحسار الطبقة العاملة بهذا الشكل خلق تلك الفجوة الاقتصادية في ليبيا باعتبارها دولة جاذبة للعمالة الأجنبية في نفس الوقت الذي يعاني شبابها من البطالة.

ومع الضغوط الاقتصادية التي مورست على النظام الليبي بالانفتاح على الاستثمارات الأجنبية عام 2003 مقابل التخلي عن تطوير الأسلحة النووية، برزت مراحل التحول الاقتصادي بالقوانين و”البشائر” المزعومة للخصخصة التي ضاعفت من معاناة العمال، مثل قانون رقم (9) لسنة 1986 المتعلق بإنهاء خدمة بعض العاملين في الوحدات الإدارية المملوكة للقطاع العام، و قرار اللجنة الشعبية العامة رقم (1225) لسنة 1990 القاضي بدعوة العاملين بالقطاع العام إلي التحول نحو الإنتاج والذي قد يعني في مضمونه تخفيف “العبء” المالي أو الإداري وما يتطلبه من تسريح للعمالة، لكن الأخطر هو ما أشار إليه قانون رقم (9) لسنة 1992إلي إمكانية قيام الأفراد والأشخاص الاعتبارية بممارسة الأنشطة الاقتصادية في مجالات الإنتاج وتوزيع الخدمات مثل التعليم والصحة والزراعة وهو ما يعني أيضا إمكانية إحلال دور الدولة باستثمارات فردية ستعتبر الصحة مثلا تجارة ربحية.

وبرغم اتجاه النظام البائد للانفتاح الاقتصادي باستحداث التشريعات دون التوسع فيه، كان القطاع الخاص على الجانب الآخر يخضع لتجاذبات عائلية باعتباره “سبوبة” قد ترقى إلى معارك بين أبناء القذافي الذي لم يكن يفرق بين ثروته الشخصية وموارد الدولة، أما أبناؤه الذين كان يمتلك كل منهم ميلشياته الخاصة، فقد خاضوا حربا ضروسا إثر خلاف نشب بين الأخوين محمد ومعتصم للسيطرة على مصنع “كوكاكولا” عام 2005، لتهاجم ميليشيا مسلحة تابعة لمعتصم القذافي المبنى بعد أسبوعين من افتتاحه ما أدى إلى توقف الإنتاج كما قاموا بخطف أحد المقربين من محمد في صندوق سيارة.

الخصخصة ليست حلا

الحالة الاقتصادية التي اتسمت “بالميوعة” بين قطاع عام تم إهماله وقطاع خاص حديث يمتلكه رجال النظام، لم تشهد تناقضا بشقيها، العام والخاص، اللذين اتفقا في استغلال العمال وضياع حقوقهم. وبرغم عدم تفعيل القذافي للقطاع الخاص عمليا إلا أن الحكومة الحالية أظهرت انتهاجا واضحا للسياسة الاقتصادية الذي أقرها النظام السابق بتشريعاته المتعلقة بالاستثمار. فوفقا للتقارير فإنه يجري على قدم وساق خصخصة 105 مؤسسات عامة في القطاعات الإنتاجية والخدمية والصناعية مع توقعات بخصخصة 300 شركة عامة إضافية خلال الفترة القليلة المقبلة في إطار خطط مستقبلية هدفها تحويل نصف الاقتصاد الليبي إلى القطاع الخاص بالعشر سنوات القادمة.

فيما شهد الخطاب الحكومي نبرة متصاعدة حول أهمية الاستثمار وضرورة الخصخصة من ناحية أن القطاع العام يصعب عليه تسيير الأمور التجارية اليومية بالشكل السليم، وأنه “ماوضعت الدولة يدها في شيء إلا وأفسدته” كما عبر رئيس الوزراء الليبي شكري غانم. ومن ناحية أخرى عمدت المؤسسات الاقتصادية ومنها الهيئة العامة لتشجيع الاستثمار وشئون الخصخصة لعقد المؤتمرات حول أهمية الاستثمار الأجنبي وأثره على سوق العمل.

وبرغم التحديات التي تواجهها الحكومة الليبية ما بعد الحرب حيث أعلن المتحدث باسم المؤتمر الوطني العام الليبي عمر حميدان خفض الموازنة العامة هذا العام وتخصيص 30% من مقرر الموازنة في مشروعات البنية التحتية وإعادة البناء، كما أن هناك وعودا تلقتها دول الناتو من المجلس الانتقالي بتلقي دعما هائلا من النفط مقابل مشاركتها بالحظر الجوي سابقا.

لكن في المقابل هناك موارد مالية ضخمة لم تستعدها الحكومة الحالية التي من المفترض أن تحقق أهداف الثورة فورا، وهناك أيضا العديد من الوزارات والمؤسسات التي لم تتطهر بعد من أزلام القذافي برغم سيل الدماء الذي أريق. كما أن حالة الانفراج التي تنتظرها ليبيا حذوا بالنموذج البريطاني عام 1987 في سياسة بيع القطاع العام للقطاع الخاص، لتخفيض الإنفاق، وبرغم النتائج التي تبدو وكأنها مذهلة مع بدء تفعيل نظام الخصخصة، لكن التقديرات لم تخطئ تأزم الرأسمالية منذ عام 2008 مع بدء الأزمة الاقتصادية العالمية التي سببها المستثمرين أنفسهم لتؤدي إلى تسريح جانب كبير من العمالة وإجراءات تقشفية انعكست سلبا على الحياة الاجتماعية. ولعل ذلك هو نفس المصير الذي سينتظر عمال ليبيا.

وتبقى الأرقام واضحة؛ فبرغم ما أعلنه مجلس الخصخصة والتنمية بأن الهدف هو توفير فرص عمل أكبر إلا أن الأرقام في المقابل تشير إلى ازدياد مفزع في معدلات البطالة بين أبناء ليبيا في آخر خمس سنوات بالزيادة طرديا مع تفعيل نظام الخصخصة بمؤسسات الدولة لترتفع من 18,7% عام 2006 إلى 19,6% عام 2007 ثم تسجل ارتفاعا ملحوظا العام الماضي لتصل إلى 30% في بلد يسجل 60% من السكان أعمار دون الثلاثين. كما أعلنت الحكومة بأن هناك خططا لديها لإلغاء الدعم المقدم للسلع الأساسية واستبداله بدعم مالي مباشر للأسر!

وليس أكثر من تناقضات الكتًاب الليبيين الذين أطلقوا سراحا لأقلامهم تأييدا للنظام الرأسمالي بضرب أمثلة من دول الجوار (مصر وتونس) وهي نفس البلاد التي ثارت فيها الجماهير ضد السياسات الاقتصادية الممنهجة للإفقار والتهميش ومازالت تسجل أعلى معدلات للاحتجاجات العمالية بالتزامن مع استمرار نفس السياسات. في حين هناك نماذج أخرى ناجحة من شركات حكومية متعثرة بدول العالم المختلفة استطاعت النهوض من جديد بمزيد من تحسين النواحي الإدارية وهو ما لم تتطرق له ليبيا خلال عقود طويلة من الزمن.

إن نضال عمال القطاع العام في ليبيا، وقريبا سينضم إليهم عمال القطاع الخاص، يعكس صراعا لشعب لم يستفد من أموال النفط قبل الثورة ومازال يعاني الاستغلال.