بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من داخل اعتصام لبنان

الوضع الداخلي والشارع
الشارع مكتظ بالناس، آتون من عدة مناطق ومعتصمون في وسط البلد، وتحديدا في ساحة الشهداء وساحة رياض الصلح. هم مؤيدون للمعارضة التي تطالب بمشاركة فعالة في الحكومة، وبأن يكون لها وزن وقدرة على اتخاذ القرار، بدلا من وجودها الصوري.

تعطل الحوار وأصبح الشارع الموقع الرئيسي ومنبر المعارضة اليوم. هناك حوالي 500 خيمة في وسط البلد نصبت منذ يوم الجمعة 1 ديسمبر – وكل خيمة تأوي بين 8 و 10 أشخاص – أي هناك ما يقارب الـ 5000 شخص موجودون باستمرار أمام مبنى سراي الحكومة، يطالبونها بالوحدة الوطنية أو الاستقالة من أجل تشكيل حكومة ملونة سياسيا، انتقالية بوظيفتها، تؤمن قيام قانون انتخابي لبناني جديد وتشرف على الانتخابات النيابية ومن ثم رئاسة الجمهورية. هذا الضغط المستمر يضاف إليه جماهير يوم الأحد 3 و 10 ديسمبر، التي احتشدت بأعداد كبيرة وقياسية بالمقارنة بمظاهرات سابقة.

الشارع الموالي لنهج الحكومة التي تعبر عن طموحات قوى “14 آذار” له أيضا وزنه في هذا البلد. وهو يعبر عن تأييده للحكومة بمظاهرات صغيرة في أحيائه وبتعليق العلم اللبناني فوق شرف المنازل والبنايات، وباتجاهه إلى السراي الحكومي لمناصرة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة . أيضا، الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع المؤيد للحكومة ناشط هذه الأيام وهو حالة رد فعل مستمرة وكأن المعارضة هي التي تدير هذا الصراع وليس الحكومة.

العلم اللبناني، في هذه الأثناء، مقسوم ويدل على توجهات سياسية مختلفة حسب موقعه: ساحات الاعتصام أو نوافذ المنازل. وهذا إن دل على شيء، يدل على انقسام سياسي ومعركة سياسية حادة في المضمون تجري في لبنان.

الوضع الدولي وحرية الشعوب
المجتمع الدولي والدول العربية كالسعودية والأردن ومصر لا يخفون دعمهم للحكومة الحالية. هذا الدعم يترجم بالكلمات والإطلالات التلفزيونية، وفي بعض الأحيان بوزراء وسفراء أجانب وعرب يتوافدون إلى السراي “المحاصر” كما يدعي الإعلام الموالي.

أذكر أن هذا المجتمع نفسه يدعم في فلسطين قيام حكومة وحدة وطنية، بينما الشعب الفلسطيني عبر بشكل واضح وعادل عن اختياره لقيادات حماس كسلطة تشريعية وتنفيذية تقود البلاد.

وفي لبنان، هذا المجتمع لا يدعم تشكيل حكومة الوحدة، مطلب كل قوى المعارضة: حزب الله، حركة أمل، التيار الوطني الحر، الحزب الشيوعي، وعدد من الأحزاب اليسارية والقومية الأخرى، ويعبر عنها نصف الشعب اللبناني بتواجده في الشارع بشكل سلمي وغير معارض للدستور ولمبادئ الحريات والاختلاف في الرأي.

الأسباب
السياسة هي أساس الأزمة في لبنان، والسياق الإقليمي يلعب دورا بالغ الأهمية في صناعة الحدث هنا. المعارضة تمثل بأغلبيتها جبهة الممانعة الداخلية للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط ولبنان، بينما قوى “14 آذار” / السلطة، متحالفة مع المجتمع الدولي وهي بوابة السياسات الأمريكية، الني تعزز الفكر الانعزالي السياسي. مثلا مطلب نزع سلاح حزب الله بدون معالجة الأسباب، أي الاحتلال الإسرائيلي، هو محاولة للخروج من دائرة الصراع العربي – الإسرائيلي ورغبة في فصل الواقع الجغرافي عن الأحداث والتاريخ والسياسة. أيضا، قوى “14 آذار” لا تعترف بالمقاومة كخيار لمحاربة الاحتلال. وأخيرا، تدعم الاقتصاد اللبيرالي المفتوح والتوجهات الأمريكية في رسم السياسة الاقتصادية لإعادة بناء الدولة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على المعارضة أن تقوم بتوضيح السياسة الاقتصادية التي تريد تنفيذها، وأن تصبح الممانعة العسكرية ضد الاحتلال مصحوبة بسياسة اقتصادية ممانعة أيضا.

على الصعيد الداخلي، قوى ” 14 آذار” وصلت إلى الحكم في يونيو 2005، وفي بيانها الوزاري تعطي الحق للمقاومة في استرجاع الأرض، بينما تناقض هذا البيان في تصريحاتها وخطواتها العملية. فقبل انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان طلب نواب من قوى “14 آذار” من حزب الله أن ينزع سلاحه. أيضا، الإصلاحات الإدارية لم تتحقق والوضع الأمني هش – وهذا تجلى في حادث الاغتيال الأخير للنائب والوزير بيار الجميل في وضح النهار، أمام عيون الناس وكاميرات الحراسة، وكأننا نشاهد مقطعا من فيلم مافيا إيطالية هوليودية. أثناء الحرب وبعدها، لم تكن الدولة ومؤسساتها موجودة بالحجم المطلوب ولم تقم بالدور المطلوب من أي دولة سواء فيما يتعلق بأعمال الإغاثة أو إعادة الإعمار ودفع التعويضات المستحقة عن الأضرار المادية التي نتجت عن حرب تموز. هذا هو ما تعبر عنه المعارضة في خطابها الداخلي ونقدها للنفوذ السياسي والفساد الإداري والاقتصاد المتدهور والديون المتراكمة وعدم تحقيق الأمن للمواطنين.

موقف السلطة والتحريض الطائفي
السلطة تخسر سياسيا. وبدأت خسارتها عندما أثبتت أنها تعمل من أجل مصالحها الضيقة وتمثل فئة وحيدة من الشعب اللبناني وليس مجمل الشعب. وهي تقدم الصراع الدائر حاليا باعتباره محاولة من المعارضة لتعطيل المحكمة الدولية ( المعنية بالإغتيالات السياسية في لبنان). وهذا الخطاب غير صحيح، لأن المحكمة ذات الطابع الدولي شأن متفق عليه وقد حدث أن أعلنت جميع القوى السياسية الداخلية، في طاولة الحوار، عن دعمهم لهذه المحكمة.

السلطة تقول أيضا أن الإصلاح السياسي يبدأ برئاسة الجمهورية – المعطلة والمعزولة – ولكن في نفس الوقت تحتكر القرار التنفيذي بمعزل عن رئيس الجمهورية. كما أنها لا تعبر عن صيغة العيش المشترك – ما بعد استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة – ولذلك فهي تسعى إلى تحويل المعركة السياسية إلى صراع طائفي عبر إثارة النعرات الطائفية في خطابها، وتحديدا بتحفيز الشارع السني بالكلام عن صراع سني – شيعي قائم في البلاد. هذا الوضع يشبه إلى حد كبير ما يحدث في العراق، السلطة العراقية والنظم العربية يرددون مخاوفهم من قيام حرب أهلية واقتتال مذهبي.

هذه هو الخطير في التركيبة اللبنانية المعقدة. والسلطة تستغل الوتر الطائفي الحساس من أجل تحقيق مكاسب سياسية وحشد الجماهير حولها. وعلى المعارضة أن لا تنجرف في الصراع المذهبي – المروج له أمريكيا – فتضيع الأجندة السياسية في معركة قد تصبح المعارضة هي الخاسر الأول فيها ومن ورائها الشعب اللبناني بأسره.