بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من جديد: الغضب يجتاح بنغازي

مرة أخرى تندلع الاحتجاجات في ليبيا، ففي يناير الماضي اقتحم نحو ألفي شخص مكاتب “المجلس الوطني الانتقالي” في بنغازي، البلدة التي شهدت ميلاد الثورة، فيما كان قادة المجلس الانتقالي يستعدون للإعلان عن القانون الإنتخابي الجديد في عشية هذا اليوم، لكنهم تحت وطأة الاحتجاجات اضطروا لنقل المراسم إلى طرابلس.

رفض المحتجين مقابلة “عبد الجليل مصطفى” رئيس المجلس الانتقالي، وقاموا بتحطيم الحاسبات الآلية الخاصة بالمجلس، كما أشعلوا النيران في سيارة “عبد الجليل” المصفحة. وتحت ضغط الحشود الغاضبة اضطر الرجل الثاني في المجلس الانتقالي والوزير الأسبق في عهد القذافي “عبد الحفيظ غوقة” لتقديم استقالته.

وتُظهر موجة الاستياء المتنامية تلك مدى خيبة الأمل والصدمة التي أصيب بها الليبيون تجاه “المجلس الانتقالي” وكشفهم لمحاولات التهرب من تنفيذ الوعود والمطالب التي تبنها عندما تشكل خلال انتفاضة العام الماضي. ويرى الكثيرون أن المجلس الانتقالي يقوم على مناخ فاسد ومليء بالمحسوبية، وتسود في ليبيا قناعة مفادها أن المجلس الانتقالي ما هو إلا محاولة لخلق نظام جديد يقوم على رعاية المصالح الإقليمية والقبلية.

وكانت الاحتجاجات قد اندلعت بالأساس ضد القانون الانتخابي الجديد، فبمجرد أن نُشرت المسودة النهائية لمشروع القانون الجديد، تبددت تماماً كل الأوهام العالقة بشأن الطريق الذي يسير فيه المجلس، وإلى أية وجهة يأخذ البلاد معه. أسقط مشروع القانون الجديد “الكوتة النسائية” وهي حصة 10 في المئة من مجموع المجلس المكون من مائتي عضو. كما ألزم كل المرشحين بوجوب حصولهم على ما يسمى “بالتأهيل المهني”، مما يعني حرمان أغلبية من شاركوا في الثورة من الترشح. وهؤلاء الذين عرفوا بأنهم “مجرمون” لن يسمح لهم بالتصويت، حتى وإن كانت إدانتهم قد تمت في ظل النظام القديم. علاوة على ذلك، سيُحرم الليبيون ذوي الجنسية المزدوجة من المشاركة في الانتخابات، رغم إضرارهم للهجرة إلى المنفى هرباً من جحيم النظام السابق، ورغم عودتهم إلى ليبيا للمشاركة في الثورة فور اندلاعها العام الماضي.

يتحدث الليبيون الآن صراحةً عن سرقة المجلس الانتقالي للثورة، وكيف أنه أفرط في بذل الوعود في مقابل النذر اليسير من الإصلاحات على أرض الواقع. ولعل أبرز المؤشرات على نوايا المجلس الانتقالي الحقيقة ظهرت مبكراً فور نجاح الثوار في السيطرة على طرابلس في أغسطس 2011. فعلى الفور تم استبعاد الأمازيغ (البربر) من شغل مناصب وزارية في تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة، على الرغم من خوضهم لمعارك فاصلة في الجبال جنوب طرابلس وكان أن مهدوا بنضالهم الطريق أمام تقدم الثوار نحو العاصمة. واكتشف الأمازيغ أنهم، رغم دورهم المحوري في الثورة، لن يحظوا بوضع مختلف جذرياً عن وضعهم تحت حكم القذافي. وينظر الكثير من الليبيين إلى هذا الأمر بوصفه خيانة لتطلعات عرق لطالما تعرض للاضطهاد.

وكان المجلس الانتقالي قد أعلن بوضوح، أنه لن يتخلى عن السياسات الاقتصادية لليبرالية الجديدة، والتي كان القذافي قد آرسى قواعدها خلال تسعينيات القرن العشرين، هذا رغم الثروة الطائلة التي تحصل عليها ليبيا من عائد البترول، ورغم استعادة الصناعة لقوتها وارتفاع معدل الإنتاج المفقود خلال الإنتفاضة. نرى أن تلك الثروة النفطية الضخمة تُضخ نحو البنوك الأوروبية على هيئة “صندوق الثروة السيادي الليبي”، والذي يتم الاستعانة به لإنقاذ أغنياء أوروبا من الأزمة الاقتصادية الطاحنة. كما لم يغب عن حلف شمال الأطلنطي (الناتو) تحصيل حصته في الثروة أيضاً، حيث اكتشف الليبيون أن عليهم تسديد فاتورة الحملة الجوية.

من الضروري توضح أمرًا، فالثورة الليبية لم تندلع ليتم تسليم البلاد إلى الغرب، أو إلى عصابة جديدة غير منتخبة، وغير خاضعة للمسائلة. إنها ثورة شعبية على غرار الثورات التي اندلعت في كل من مصر وتونس، وأيضاً مثل تلك الثورات، لم تحقق إلا قدر قليل جداً من التوقعات التي نشات في أعقاب الانتفاضة.

كان لثورة السابع عشر من فبراير القدرة على وضع البلاد تحت السيطرة الشعبية. فالهيئة التي ولدت من رحم الانتفاضة، وهي المجلس الانتقالي، قد تبنت بالفعل هذه التطلعات في البداية. ولكن مع اتساع رقعة الهجوم المضاد الذي شنه النظام السابق وشدة ضراوته، ُأجبر الثوار على التحالف مع قوى خارجية. وبحلول مارس 2011 خرجت الثورة، التي هي الآن تمردًا مسلحًا، من تحت سيطرة الحركة الشعبية، لتستقر في أيدي هؤلاء الذين شكلوا المجلس الانتقالي، ذوي العلاقات الوثيقة مع الغرب وممالك النفط الخليجية.

على الرغم من ضعفهم في ذلك الوقت، رفض الثوار الليبيون الذين دعوا لمنطقة “الحظر الجوي”، السماح بدخول القوات العسكرية الغربية. لقد كان لتلك القوات كامل السيطرة الجوية، لكنها أفتقدت أي تأثير حقيقي يُذكر على الأرض. وقد أوكلت تلك المهمة لحلفائهم الجدد داخل المجلس الانتقالي، وبالنسبة للكثيرين ممن شاركوا في الثورة، كان هذا هو شكل التحالف المناسب. لعبت طائرات الناتو دورًا أشبه بالقوات الجوية للثوار فقامت بتغطية المدنيين المسلحين أثناء تقدمهم، بينما قدمت قوات غربية خاصة بالاشتراك مع قوات المملكة القطرية ودولة الإمارات العربية المتحدة بعض التدريبات والدعم اللوجيستي. ولكن الثوار هم من قاموا بتنفيذ الأعمال القتالية الدموية، وهم من خاضوا المعارك في المدن والبلدات، لقد كانوا هم من أحكم سيطرته على شوارع ليبيا. وكان الثمن باهظاً، فالدعم الغربي كان في مقابل أن يحد المجلس الانتقالي من إتساع نطاق الثورة. وشاهد الجميع كيف ذابت الحركة الشعبية مع تدخل حلف شمال الأطلنطي وإعلان الحرب من أجل السيطرة على النفط الليبي.

لكنها لم تكن حربًا من أجل البترول في المقام الأول، رغم أنها تبدو كذلك. فالنظام القديم لم يخل مطلقًا بتعهداته تجاه شركات النفط الغربية. وقد أعيد تأكيد تلك التعهدات أثناء اللقاء سيء السمعة الذي عرف بأسم “لقاء لصحراء” والذي عقد بين القذافي وتوني بلير في عام 2003، كما أن القوى الغربية ضمنت بموجب تلك التعهدات التزام الحكومات الجديدة، أو غيرها، بالعقود المبرم في عهد القذافي. أمر الذي يؤكد أنها لم تكن حربًا نفطية، لقد وجدت القوى الغربية أنها فرصة جيدة لأن توفر لنفسها مكانًا بين ثورتي مصر وتونس، وفي نفس الوقت تحكم سيطرتها على الثورة في ليبيا. ولكن تجدد الاحتجاجات واحتدامها مرةً أخرى دليل على أن رغبة الغرب نلك بعيدة عن الواقع.

لكن، على الرغم من النكسات الضخمة التي تتعرض لها الثورات العربية، لايزال الطموح الشعبي الذي انبثق من رحم الثورة نابضًا بالحياة، ولازالت الشعوب الثائرة تسعى لتحقيقه.