بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

تدمير حياة عمال اليونان..

عن تطور الأزمة في اليونان والمرحلة القادمة من النضال

بانوس بيترو، عضو المجموعة الاشتراكية "يسار العمال الأممي" يصف تطور الأزمة في اليونان والمرحلة القادمة من النضال

منذ شهور قليلة فقط احتفل قادة أوروبا باتفاقية القمة الاقتصادية الصادرة يوم 21 يوليو التي كان يفترض فيها أن تسيطر على أزمة الديون في اليونان وتحمي بلدان أوروبا السبعة عشر المستخدمين لعملة اليورو من انتقال الأزمة إليها واحتمالات الانهيار الاقتصادي.
وقد صرح رئيس وزراء اليونان جورج باباندرو أن اتفاق 21 يوليو كان بمثابة نجاح عظيم سوف يحمي الاقتصاد اليوناني من الانهيار.
بعد الإعلان عن هذا الاتفاق أصبح كل من يقول انه من المستحيل على اليونان أن تتمكن من دفع الدين العام وأن كل التضحيات التي أجبر العمال على تقديمها قد ذهبت أدراج الرياح، أصبح محل انتقاد شديد بما في ذلك من المسئولين الحكوميين الذين أدانوا "التصريحات غير المسئولة التي تضر بالجهود الوطنية لتجاوز الأزمة".
وهكذا أصبح الحديث عن إمكانية الفشل من المحرمات. وأصبح على الجميع أن يصدقوا بوجود نور في نهاية النفق وأن كل تلك التضحيات سوف تؤدي في النهاية إلى "إنقاذ البلاد".
بعد ذلك بشهرين انهار كل ذلك الحديث وكل الخطط "الحكيمة" التي وضعها بعض من "ألمع عقول" عقول أوروبا.
بل أن اتفاق 21 يوليو مات قبل حتى أن يصل إلى كل البرلمانات الأوروبية التي كان عليها أن توافق عليه. وقد اعترف وزير المالية الألماني فولفجانج شوبله أخيرا، وهو واحد من مهندسي الاتفاق، بأنه "يجب مراجعة الاتفاق
".

أما الاقتطاعات التي كان يفترض على البنوك أن تدفعها لما تملكه من السندات اليونانية، بحيث تحصل على أقل من 80% من قيمة السندات في حال بيعها إلى صندوق استقرار الاقتصاد الأوروبي، فد ثبت أنها لا تتجاوز كونها قرص أسبرين في مواجهة مرض عضال، رغم أنها منذ شهور قليلة كانت تبدو وكأنها خطوة جريئة في التعامل مع الأزمة.

الدين العام في اليونان يتضخم خارج كل سيطرة، بل هو أضخم من إجمالي الناتج المحلي السنوي للبلاد وبحلول نهاية 2010 تشر التكهنات انه قد يصل إلى 180% من إجمالي الناتج المحلي.

لقد بدأ العمال فعليا في التأثر بسياسات التقشف القاسية وموجة الضرائب الجدية التي شكلت جزءا من اتفاق 21 يوليو. لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للطبقات الحاكمة. بل أن الاتفاق كان صفقة جيدة بالنسبة للبنوك التي تخشى أن تفقد كل أموالها. حيث أنها مقابل الاقتطاعات على السندات اليونانية سوف تتخلص من تلك السندات إضافة إلى تحمل ميزانية الدولة لنسبة من خسائرها.

من ناحية أخرى لم تقرر الحكومة زيادة الضرائب سنتا واحدا على الأغنياء. هذا الموقف الجوهري إضافة إلى الكساد العميق لم يترك للحكومة أي فرصة نجاح في تحقيق هدفها بتخفيض العجز إلى الصفر.

كل ما سبق يوضح أن أزمة الرأسمالية اليونانية أعمق بكثير مما توقع أغلب المحللين. ذلك أن حالة اليونان ليست بالطبع حالة معزولة ، فالرأسمالية العالمية تواجه مرحلة جديدة من أزمة عالمية، أزمة يمكن أن تتسبب في كساد أعمق وأطول من الكساد العظيم في الثلاثينات.

وقد أكدت كريستين لاجارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، أن الاقتصاد العالمي يدخل"مرحلة جديدة شديدة الخطورة."

حاليا، تحتل حالة اليونان موقعا مركزيا من الأزمة وذلك لسببين: الأول هو أن البنوك الفرنسية والألمانية والبريطانية، وفي النهاية البنوك الأمريكية أيضا، عليها أن تتعامل مع الدين اليوناني ومن الضروري لبقائها أن تتعامل معه بشكل ما. لكن الأخطر من ذلك أن العجز اليوناني قد يمتد ليصل إلى أسبانيا وايطالي بل وحتى فرنسا. ذلك أن هذه الاقتصاديات أكبر بكثير من الاقتصاد اليوناني وإذا تعرضت لنفس الأزمة فسوف يكون من المستحيل التعامل معها، ومع انهيار الاقتصاد في تلك البلدان فسوف ينهار اقتصاد كل البلدان المتعاملة باليورو.

الجميع، الحكومات والبنوك والاتحاد الأوروبي، جميعهم يشعر بالرعب الآن. والحل الجديد الذي طرحه شويبل وصف في إحدى الصحف بأنه "إشهار إفلاس مقنن في منطقة اليورو". سوف يتم تخفيض ديون اليونان بنسبة 50% مع حزمة من الإجراءات لدعم النظام البنكي. وسوف يتضمن ذلك التوسع في موارد مرفق الاستقرار المالي الأوروبي بما يعنيه ذلك من السماح له بإصدار سنداته الخاصة.

مع ذلك فإن كل هذه المقترحات لازالت في مراحل التخطيط على حين وصلت الرأسمالية إلى قمة أزمتها.

هناك أمران مؤكدان. الأول هو أن "الإفلاس" سواء كان "تحت السيطرة" أو خارجها قادم لا ريب فيه. وقد حذر ايفانجيلوس فانيزيلوس، وزير المالية والعضو البارز في الحزب الحاكم من إمكانية تكرار سيناريو الأرجنتين في عام 2001 حيث انهار اقتصاد الدولة مما أدى إلى احتجاجات شعبية واسعة وإسقاط عدد من الرؤساء المتتاليين. كذلك ورد في جريدة هامة وصديقة للحكومة أنه "يبدو أن لا مفر من الانتقال إلى وضع شبيه بما واجهته بلدان شرق أوروبا عقب انهيار نظمها الحاكمة (في عام 1989)".

الأمر الثاني المؤكد، والأهم، هو أن الطبقة الحاكمة مصممة، بغض النظر عن السيناريو، على أن تجعل العمال يدفعون الثمن.

لقد ادعت الحكومة في كل مرة أن هذه الجولة من سياسات التقشف هي الأخيرة، وأنها لن تحتاج إلى تدابير جديدة لكنها ما تلبث أن تعلن في وقت لاحق أن التدابير التي تم اتخاذها لم تكن "فعالة بالدرة الكافية" وان هناك حاجة لتدابير جديدة. كان يمكن لهذا الأمر أن يكون نكته لولا أن تبعات سياسات التقشف شديدة الخطورة.

الشيء الوحيد الذي اختلف هو معدل السرعة، فلم يعد الأمر يحتاج إلى أكثر من أسبوع قبل أن يعلن فانيزيلوس عن ضرورة اتخاذ تدابير جديدة. حتى أعضاء الحزب الحاكم أصبحوا يشتكون من أنهم ملوا أوامر "التصويت مرة أخيرة" لدورة جديدة من التقشف "من أجل إنقاذ البلاد".

الكم الهائل من الأموال المطلوبة لتسديد الديون سوف تقتطع من الأجور والمعاشات، حيث يقدر إجمالي تخفيضها بما بين 40 – 50% من خلال زيادة الضرائب وتخفيض الإنفاق الاجتماعي.

لقد استخدمت الحكومة اليونانية وثلاثي الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي كل جرعة من "أموال الإنقاذ" لابتزاز الشعب اليوناني من أجل قبول مزيدا من السياسات المجحفة. ونفس الأمر يحدث الآن، لكن خطط "الإفلاس المقنن" سوف تجعل الأمور أشد قسوة. ذلك أن الدائنين هم من سوف يشرفون على تنفيذ سياسات التقشف مع عدم السماح بأي تساهل في سياسات خفض الإنفاق.

في حديث قريب له في البرلمان حذر فانيزيلوس من أن على الشعب أن يقدم "العرق والدموع والدم"، وهو تهديد يجب أن نأخذه مأخذ الجد الشديد، ذلك أن حربا خاطفة تشن الآن ضد الطبقة العاملة وفي المركز منها القطاع العام. ذلك أن أجور العاملين في القطاع العام والمعاشات تشهد اقتطاعا جديدا يزيد من انخفاضها كما أن موجة جديدة من فصل العمال تلوح في الأفق. الحكومة تدعي أنها سوف تستخدم العمالة الفائضة لشغل وظائف أخرى لكن هذه اللغة التي تحاول تخفيف الأمور تخفي الحقيقة: سوف يستخدم عمال القطاع العام في كل مرة تحتاج الحكومة إلى تشغيلهم بـ 60% من أجورهم الأصلية لمدة عام، ليواجهوا البطالة بعد ذلك.

في نفس الوقت هناك نقاش دائر حول الحاجة إلى عملية فصل جماعي للعاملين في القطاع العام. إضافة إلى ذلك وحسب الشروط المفروضة من "الثلاثي" فاغن عاملا واحدا سوف يوظف في القطاع العام مقابل كل عشر عمال يحالون إلى المعاش.

لقد بدأت هذه السياسات فعليا في تدمير حياة البشر العاديين. فقد شهدت معدلات البطالة في اليونان ارتفاعا رهيبا وقريبا سوف تصل إلى 20 أو 23% حسب تقدير النقابات. كذلك فإن المستشفيات والمدارس والخدمات العامة الأخرى بدأت تعاني من نقص العاملين بل وسوف يقتطع مما تبقى من العاملين بها. هذه التخفيض الشديد في أجور العاملين في القطاع العام، والتي عادة ما كانت نموذجا يحتذى لكل العمال، سوف تؤدي أيضا إلى انخفاض أيضا في أجور العالمين في القطاع الخاص.

المؤسسات العامة التي تقدم خدمات اجتماعية هامة على وشك أن تغلق أو "تندمج" وتشهد انخفاضا شديدا في الإنفاق عليها، خاصة المؤسسات التي تخدم المرضي العقليين ومرضى الإدمان وذوي الإعاقات. أحد الضحايا الآخرين هو دور نشر كتب المدارس اليونانية، فرغم بدء الدراسة في المدارس هذا العام إلا أن الفصول خالية من الكتب.

في نفس الوقت نجد أن "سوق العمل" في القطاع الخاص قد تحول إلى غابة. فقد أدى الكساد إلى موجات عنيفة من فصل العمالة وتعرض حق المفاوضة الجماعية للهجوم حيث صدر قانون في العام الماضي يعطي صاحب العمل الحق في توقيع عقود جماعية للشركة بأكملها وبشروط أسوأ من العقود المعتادة بين صاحب العمل وبين القطاعات، بل وسمح له بتوقيع عقود فردية مع كل موظف.

– – – – – – – – – – – – – – – –

لقد تسببت هذه الهجمة الضخمة في ردود فعل مختلطة، بل ومتناقضة أيضا، حتى الآن. فمن ناحية يشعر الكثيرون بالذهول إزاء سياسات التقشف الجديدة التي يعلن عنها والخوف من المستقبل واحتمالات الإفلاس. وقد زاد من إحباط هؤلاء فشل موجة المواجهات السابقة مع الحكومة التي تضمنت يوما ثم يومين من الإضراب العام نظمتها "حركة الميادين".

لكن نفس هذه العوامل أدت من ناحية أخرى إلى اقتناع أعداد كبيرة من الجماهير بأن النضال هو الخيار الوحيد أمامهم لحماية أنفسهم وحياتهم.

لقد بدأت هذه الموجة الجديدة من المقاومة بالفعل. حيث ينظم عمال النقل العام سلسلة من إضرابات اليوم الواحد واليومين. كذلك انخرط الأطباء في الإضراب. والعمال في المؤسسات العامة التي على وشك أن تغلق أو تدمج أو التي طلب منها أن تخفض من العمالة بها تنظم الفعاليات التي تتضمن الإضرابات والتظاهرات الخ. كما شارك في هذه الفعاليات العاملون في المجالس المحلية.

أحد جبهات النضال الأخرى هي التعليم. فقد نظم الطلاب احتلالا للجامعات منذ اليوم الأول للدراسة بسبب القانون الذي صدر في الصيف وتتضمن تدابير جديدة واقتطاعات من الإنفاق على الجامعات الحكومية. وقد شهد الشهر الأخير وحده احتلال حوالي 300 جامعة.

لقد هدأت هذه الموجة أخيرا بسبب ضغوط الدعاية الإعلامية وادعاءات وزارة التعليم أن الاحتجاجات سوف تؤدي إلى ضياع العام الدراسي وعدم انخراط نقابة الأساتذة الجامعيين رغم رغبة صغار الأكاديميين في الانضمام إلى نضال الطلاب وعجز الجناح الشبابي في الحزب الشيوعي عن دعم النضال الطلابي. مع ذلك فإن النضال يستمر بدعم قوى أخرى من اليسار الراديكالي.

في نفس الوقت بدأت موجة من احتلال المدارس الثانوية في كافة أنحاء البلاد. المئات من المدارس الثانوية محتلة حاليا من الطلاب المطالبين بأبسط حقوقهم: الكتب والمدرسين.

الآن تبدأ معركة جديدة حول قضية فرض ضرائب جديدة والتي تسببت في حالة واسعة من الغضب. فالغالبية العظمي من الشعب غير قادرة على دفع المزيد من الضرائب مما أدى إلى مولد حركة عصيان مدني تحت شعار "لا نملك الدفع، لن دفع". وهي الحركة التي تلقى دعم كافة منظمات وأحزاب اليسار رغم غياب التنسيق حول الفعل المشترك، الأمر الذي يمثل عقبة خطيرة. لقد عادت مجالس الأحياء واللجان النضالية المحلية التي تأسست أثناء صعود حركة الميادين إلى النشاط وتنظيم صفوفها حول قضية الضرائب لتنظيم وتنسيق فعل جماعي حول شعار عدم الدفع. كذلك يقوم عدد من النقابات بتنظيم عضويتها لرفض الدفع، وهو أمر بالغ الأهمية في فترة انخفضت فيها الثقة في العمل النقابي بين الكثير من العمال العاديين.

كل هذه المنظمات تجمع مراسلات مصلحة الضرائب المرسلة إلى المواطنين وتعيدها إليها بشكل جماعي. كما تنظم فعاليات حرق أوراق الضرائب والمظاهرات أمام مكاتب مصلحة الضرائب، فيما يذكر بحركة مناهضة الضرائب في بريطانيا في أوائل التسعينيات – ومن المفيد ان نتذكر آن هذه الحركة نجحت، ليس فقط في التخلص من الضريبة، وإنما أيضا في إزاحة مارجريت ثاتشر عن السلطة.

لقد ظهر فزع الحكومة من هذه الفعاليات فيما أعلنته من تهديد بقطع الكهرباء عن كل من يرفض دفع الزيادة. وقد أعلنت نقابة العالمين في الكهرباء عن أنها سوف تناضل إلى جانب الممتنعين عن الدفع وسوف تفعل ما في وسعها للدفاع عنهم في مثال جديد على أهمية انخراط النقابات العمالية في هذا النضال.

– – – – – – – – – – – – – – – –

في مواجهة هذه الضغوط اضطر قادة اتحادات النقابات الكبرى، المتحالفة سياسيا مع الحزب الحاكم، أن يتحركوا. حيث نظموا إضرابا مشتركا ما بين العاملين في الدولة والعمال في القطاع العام لأربع وعشرين ساعة يوم 5 أكتوبر وكذلك في الإضراب العام يوم 19 أكتوبر.

هذه الإضرابات هامة باعتبارها خطوة أولى في تصعيد الصراع، لكنها مع ذلك أقل من اللازم لمواجهة الهجوم.

روح المقاومة موجودة وكل هذه النضالات مستمرة، إلا إن سيولة الوضع تؤكد على أهمية التدخل الواعي المنظم من قبل اليسار الراديكالي.

الكثيرون تكبدوا الكثير ليدركوا أن إضرابات الأربع وعشرين ساعة لن توقف الهجوم. فقد شهدت اليونان الكثير من تلك الإضرابات في السنة والنصف الماضية لكنها لم تنجح. اليوم مع ضغوط شبح البطالة والأجور الآخذة في الانكماش أصبح الكثير من العمال يتساءلون ما إذا لم يكن الأمر يستحق التضحية بتلك الأجور.

يجب على المناضلين المنظمين أن يتدخلوا للإجابة على هذا السؤال من خلال تصعيد الإضرابات بحيث يصبح الأمر "يستحق".

كذلك هناك اقتناع متزايد بأن إضرابات قطاعات بعينها لا يمكن أن تنتصر وحدها. هنا أيضا يجب أن يشتبك اليسار مع الجدال الدائر حول ما إذا كانت الإضرابات في حد ذاتها غير قادرة على الانتصار أم أن هناك حاجة لتنسيق الفعاليات والتضامن.

لقد كادت الحكومة أن تنهار مع الدورة الأخيرة من الإضرابات، لكنها في النهاية تمكنت من البقاء والحصول على الأغلبية لصالح حزمة من السياسات التقشفية الجديدة، مما يطرح جدالا آخر شديد الأهمية بشان "ما الذي يمكننا عمله أكثر من ذلك؟" ويبدو أن العجز عن تقديم الإجابة على هذا السؤال هو ما أدى إلى انحسار حركة الميادين.

المنوط بمناضلي اليسار الآن أن يشرحوا أن الفعل العفوي ليس كافيا، وأن فعاليات مثل احتلال ميدان سينتاجما هي مفيدة للغاية لكنها لن تنجح إن لم تؤد إلى موجة من النضالات في أماكن العمل والأحياء، حيث المعارك الأكثر قسوة وأهمية. كذلك لا يجوز أن نترك فعاليات الإضراب، مثل إضراب الثمانية والأربعين ساعة في يونيو الماضي، لقيادة قادة النقابات إذا أردنا لها أن تكون ناجحة وفعالة.

الجيد في الأمر هو أن النضالات السابقة تركت ورائها تراثا هاما، حيث أصبحت فعاليات احتلال المواقع جزءا من "ترسانة" الطبقة العاملة. والقمع الوحشي الذي واجهناه في ميدان سينتاجما قد يكون أخاف بعض الناس، لكنه حول الكثيرين ممن تظاهروا هناك لأول مرة في حياتهم إلى نشطاء مناضلين.

قد يكون احتلال الطلاب للجامعات اليوم أقل مما كان عليه في بداية العام الدراسي لكننا نشهد بوضوح عودة للروح النضالية بعد بضعة سنوات من السلبية النسبية. الآلاف من الطلاب مستعدون لحضور الجمعيات العمومية ومناقشة السياسة والتكتيكات وتنظيم نضالهم.

– – – – – – – – – – – – – – – –

المعارك الحقيقية تولد قلبا من المناضلين الملتزمين. سوف يحملون معهم خبرة الإضرابات التي لم تنجح والمواجهات مع الشرطة والفعاليات النضالية الخ. وفي خضم هذه المعارك يتغير وعي الناس وتذوب الأوهام التي صمدت لعقود.

على سبيل المثال، أحد الأوهام التي تبددت سريعا هو أن التصويت للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والحكومات ليس طريقا فعالا على الأقل لحماية مستويات المعيشة في ظل الرأسمالية. كذلك تبخر وهم أن الاتحاد الأوروبي سوف يحمينا من الأزمة الاقتصادية والبؤس الاجتماعي والحروب.

مهام اليسار، بما فيها أعضاء اليسار العمالي الأممي، تتضمن المجالين "الاجتماعي" و"السياسي". أي بناء حركة جماهيرية جذرية قادرة على إسقاط السياسات المفروضة من الحكومة والثلاثية، بما يستدعي توحيد مجالس الأحياء واللجان النضالية والحركات الاجتماعية والفعاليات العمالية والنضالات الطلابية في جبهة متحدة اجتماعية وقوية. سوف نحتاج أيضا إلى تنشيط العناصر القاعدية في المؤتمرات الجماهيرية وفعاليات احتلال المؤسسات والإضرابات الموقعية سعيا نحو هزيمة سلبية القيادات النقابية.

خلال بناء هذه الحركة النابضة القوية يجب أن نتذكر أن ما نواجهه من صراع هو أيضا صراع سياسي. إسقاط الحكومة يجب أن يكون هدفنا الأول لكن الأمور لا تنتهي عند هذا الحد. فالنضال ضد الثلاثية ومطالبها يجب أن يشتبك أيضا مع أي حكومة معادية للعمال بديلة للحكومة الحالية، سواء تحقق ذلك من خلا حكومة وحدة وطنية أو عودة حكومة اليمين التي تحولت إلى سياسات شعبوية زائفة لكسب الدعم على نمط عن حزب الشاي في الولايات المتحدة. كذلك من الضروري النضال ضد اليمين المتطرف الذي يبحث لنفسه عن موقع.

إننا نعيش أزمة سياسية إلى جانب الأزمة الاقتصادية. لقد أوضحت استطلاعات الرأي أن شعبية الحزب الحاكم انخفضت إلى مستويات غير مسبوقة، لكن المحافظين التقليديين غير قادرين على الحصول على الأغلبية. وقد أشارت بعد استطلاعات الرأي أن إجمالي التصويت بين كل القوى السياسية ليسار الاشتراكية الديمقراطية قد يصل إلى 30%.

هذا الميل نحو اليسار بين الجماهير يجب أن يجد إجابات ملائمة من قبل اليسار. اليوم إذ نواجه بشبح الإفلاس يجب ان نطالب الحكومة بعدم تسديد الديون لدائنيها وليس للشعب. لقد أصبح سؤال "من سيدفع ثمن الأزمة؟" هو السؤال المباشر الذي يطرحه ملايين العمال.

أخيرا، فإن القطع مع أوهام الماضي يجب أن يتعامل أيضا مع وهم أخير شديد القوة: أن الرأسمالية هي الطريق الوحيد الممكن لتنظيم المجتمع. ولكي تتمكن الجماهير من تجاوز هذا الوهم نحتاج إلى قوة سياسية معادية للرأسمالية تثبت أن ثمة طريقا آخر: الاشتراكية.