بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتفاضة الضواحي في فرنسا.. والاضطهاد العرقي

انفجرت في شهر أكتوبر الماضي انتفاضة عارمة وسط الأحياء الفقيرة في الضواحي الفرنسية، التي يسكنها في الأغلب فرنسيون من أصول شمال أفريقية. هذه الانتفاضة كشفت عن كم الاضطهاد الذي تتعرض له الجاليات الإسلامية والعربية في فرنسا، كما أنها فضحت الطابع الاستعماري العنصري للجمهورية الفرنسية. هبة حلمي تقدم تحليلاً للفقر الذي تعيش فيه تلك الجاليات وسكان الضواحي.

بدأت أحداث التمرد في ضواحي فرنسا ـ أواخر أكتوبر 2005 ـ بالموت التراجيدي لاثنين من المراهقين، وإصابة ثالث بجرح خطير، أثناء محاولتهم للهروب من دون تفتيش في كليتي سوبوا (شمال باريس) وبحلول نهاية نوفمبر كان عدد المقبوض عليهم قد قارب الثلاثة آلاف.

صورت الحكومة بمساندة واسعة من الإعلام وقطاعات من اليسار الأحداث الأخيرة كأنها أعمال شعب لمراهقين قليلي التربية. ففي حديثه لقناة الجزيرة فسر “نيكولا ساركوزي” أسباب المشكلة أنها تكمن في الهجرة غير المنضبطة إلى فرنسا وعدم حزم الجمهورية في التعامل مع تصرفات بعض المجرمين، وأن هؤلاء المراهقين ليس عندهم استعداد للعمل مثلما فعل آباؤهم وأجدادهم. فساركوزي (وزير الداخلية الحالي) وهو في طريقه نحو رئاسة الجمهورية يغازل منتخبي الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) باستخدام خطاب أقل ما يقال عنه أنه عنصري. إلا أن ما هو مثير في حديث السيد الوزير أنه يفتح محاور عدة للرد على ما تتطرحة حكومته من تفسيرات وبالتالي ما تقدمه من حلول للأزمة التي شاهدتها فرنسا في الخريف الماضي.

قهر اقتصادي وقمع أمني

لا يمكن أن نفهم أسباب ما حدث دون الرجوع إلى جذور الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في فرنسا. فمنذ النصف الثاني من السبعينيات تغير جوهر الاقتصاد وشكل الإنتاج المعتمد على أعداد كبيرة من العمال، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد العاطلين بشكل عام، ووسط الأحياء الشعبية بشكل خاص. فبحسب المؤسسة القومية الفرنسية للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) أن معدل البطالة ما بين أعمار 15 و24 سنة تصل في الأحياء والمدن الفقيرة إلى معدلات شديدة الارتفاع: 41% في جرا ند بورن، و54% في رينرى وبل فونتان، و28% في تولوز وفى كليشى سوبوا، و31% في مونفرماي. معدلات البطالة هذه تتجاوز التأثير الاقتصادي إلى الاجتماعي لتضع الشباب الفقراء أمام مستقبل غامض كلياً، وعجز تام عن التفكير في أي مشاريع شخصية طويلة الأجل لتسجنهم في حاضرهم تماماً.

كما يكتشف الشباب في المدرسة، التي تقدم كحلم للصعود الاجتماعي، ببساطة أن هذا الحلم ما هو إلا وهم كبير. فنسبة الأشخاص بدون مؤهلات في الأحياء الفقيرة تصل إلى 30 –40% بالمقارنة بالمتوسط القومي: 17%. هذه الأرقام بالتأكيد لا تدل على خلل جيني لمجموعة اجتماعية معينة بقدر ما تعكس رداءة الخدمات التعليمية المقدمة من الدولة الفرنسية للفقراء. يضاف إلى ذلك سياسة التوزيع السكاني في العشرين عاماً الماضية التي دفعت أعداد واسعة من العائلات كبيرة العدد، وهم في أغلب الأحيان من أصول غير فرنسية، للسكن في أحياء فقيرة على أطراف المدن.

يقول مالك وهو أحد سكان ضاحية سين سان دونيز في شمال باريس أن فرنسا لها وجهان “الأول هو ما يقدموه للعالم: نحن بلد ديمقراطي، والكثير من المتاحف، والشانزليزية، وبرج أيفل، وقوس النصر، والحياة الجميلة، والنبيذ الجيد، ..إلخ .. لكن هذا ليس صحيحاً، نحن نعيش هنا في فقر مدقع، لقد نشأنا هنا وبدأنا اليوم في حرق المكان .. لطالما تحدثوا عن تجديد المباني ولم يحدث شيئاً ولو لم نفعل هذا لتركونا نعيش كالموتى”.

أما ساركوزي فقد أعلن بعد يومين من اندلاع الأحداث “إننا سوف نتخلص من هذه الحثالة” كأحد الحلول العميقة التي تقدمها حكومته. فمنذ التسعينات كانت سياسة الدولة هي التدخل الأمني. فأنشأت قوات خاصة من البوليس (BAC) للتواجد الأمني المستمر مهمتها التفتيش على البطاقات الشخصية، وفى كثير من الأحيان الاهانات والضرب والتهديد بتلفيق الاتهامات. ولقد جاء هذا التدخل اليومي على حساب التحقيقات الفعلية، ففي إحصاءات البوليس نفسه يتضح أن ما بين العام 1974 و2004 تضاعفت المحاضر المسجلة مرة واحدة، بينما عدد الأشخاص الذين تم استجوابهم في قضايا مخدرات زاد 39 مرة، وفي قضايا أوراق الإقامة 85 مرة. أما التحقيقات التي أغلقت فانخفضت نسبتها من 43% إلى 31%، أي بمعنى آخر أن عمل الشرطة تلخص في تواجدها في الشارع وتكثيفها للرقابة والتفتيش لأفراد مجموعة اجتماعية معينة. فما بين القهر الاقتصادي والقمع الأمني يمكننا القول أن أسباب انفجار الضواحي في فرنسا واضحة تماماً، بل أن سؤال: لماذا لم تنفجر الضواحي قبل ذلك؟ ربما يكون هو السؤال الأكثر منطقية.

النموذج الفرنسي

يعتبر البعض أن ما حدث هو بمثابة نهاية للـ “نموذج الفرنسي”، أو “نمو مجتمع خارج قوانين الجمهورية”. فهذا النموذج أسس علي قيم يفترض أنها القيم العالمية للجمهورية الفرنسية: الحرية، المساواة، الإخاء. أما الخصوصية العرقية أو الدينية أو الطبقية فتأخذ المرتبة التالية في العلاقة بين المواطن والدولة. هكذا تتحول كلمة مثل التأقلم والانخراط في المجتمع الفرنسي كمهمة يتحمل مسؤوليتها وحده من يريد أن يعيش على الأرض الفرنسية، وتوجه كتهمة ضد مهاجرى شمال أفريقيا الذين لم يتمكنوا من الانخراط “بنجاح” كغيرهم من البولنديين والإيطاليين والبرتغاليين. ويتم تبرير ذلك بالطبع لأنهم مسلمون فنجد برامج المساجلات على الشاشة الصغيرة تقدم المشكلة كأنها عرقية أو دينية بالأساس، ويتم التركيز على مسألة الهجرة، والستة ملايين مسلم الذين يعيشون على الأرض الفرنسية. فسعيد الحظ ومرن الطباع من هؤلاء الذي يستوعب قيم الجمهورية هو الذي تتيح له الجمهورية موقعاً فيها.

لكن خبرة المهاجرين الأوربيين إلى فرنسا تخبرنا بقصة تختلف قليلاً عما يتم تقديمة اليوم كأنه الحقيقة. فالانخراط الذي يتحدثون عنه حدث بعيداً عن تلك القيم. لقد شجعت الدولة البولنديين، الذين أتوا إلى فرنسا للعمل في منطقة المناجم (شمال شرق فرنسا) بإنشاء نواديهم ومؤسساتهم العرقية المستقلة في فترة بين الحربين العالميتين. وجودهم داخل هذه المؤسسات لم يمنعهم من أن يصبحوا جزءاً من المجتمع الفرنسي، بل جاء هذا الانخراط كنتيجة مباشرة وطبيعية للخبرات المشتركة مع زملائهم في النقابات والنشاط السياسي والمقاومة خلال الحرب العالمية الثانية مع عمال المناجم الفرنسيين ومهاجرين آخرين. وأثناء أزمة الثلاثينيات الاقتصادية تم طرد ثلث البالغين الذكور من البرتغاليين والبولنديين والإيطاليين والأسبان من فرنسا، حيث وُضع 120 ألف بولندي في قطار للعودة إلى بولندا، وسمح لكل فرد بحمولة لا تزيد عن 30 كجم لأخذ كل ما يمتلكه.

تعتبر سياسة فرنسا الاستعمارية المثل الأكثر تناقضاً بين سياسة الدولة ومُثُل الجمهورية. فالجزائريون ـ بالرغم من أن فرنسا تعتبر بلدهم جزءاً منها ـ حرموا بانتظام من حقوقهم السياسية الأولية، وأغلقت أمامهم كل آفاق المواطنة والتأقلم. فجاءت حرب الاستقلال التي ووجهت بالقمع والتعذيب. وفي 17 أكتوبر 1961 تظاهر الآلاف من الجزائريين في باريس متحدين قانون حظر التجول. وفي هذا اليوم قتل 200 شخص، واعتقل 10 آلاف معظمهم طردوا من فرنسا بعد ذلك. فمن سخريات القدر أن قانون حظر التجول الذي تُخرجه فرنسا اليوم من جعبة تاريخها الاستعماري لقمع شباب الضواحي، هو ذاته الذي قمع آباءهم وأجدادهم من قبل. العودة لقانون حظر التجول اليوم هو حلقة من سلسلة قوانين تسنها الإدارة اليمينية لاعادة إحياء هذا التاريخ الأسود. مثل قانون منع الحجاب في المدارس الفرنسية التي كانت قد طبقته في الجزائر من قبل في أوج الاستعمار. ومؤخراً سُن قانون جديد لـ “إعادة الاعتبار” أو ما قيل عنه “الدور الإيجابي الذي لعبته فرنسا في مستعمراتها” ليدخل في المناهج التعليمية، الأمر الذي تسبب في اندلاع مظاهرات في جزر المارتينيك ـ أحد مستعمرات فرنسا حتى الآن ـ ومما أدى إلى إلغاء زيارة ساركوزي إلى هناك.

غياب اليسار

إن ما تطرحه حكومة السيد ساركوزي الآن كحل للأزمة ما هو إلا تكثيف وتعميق لها، فقد أثبت الحل الأمني مراراً وتكراراً ليس فقط في فرنسا أنه بلا جدوى. أما اليسار المنوط بتقديم بديل جديد يستوعب مشكلات الشباب ويقدم لهم مساحة من الأمل في مستقبل أكثر إنسانية، نراه متخبط داخل قيم العلمانية المجردة التي تمنعه من التعاطي مع الخصوصية الثقافية للأقلية المضطهدة. هذا ما يظهر في تصويت الحزب الاشتراكي بالموافقة على قانون الطوارئ، وتأييد منظمة النضال العمالي اليسارية الراديكالية لقانون منع ارتداء الحجاب في المدارس الفرنسية منذ عامين. وهكذا أصبح بناء حركة جديدة للتضامن بين فقراء الفرنسيين ضرورة لم تكن أبداً أكثر إلحاحاً من اليوم. فالتنظيم حول أهداف سياسية مشتركة لأشخاص ذو أوضاع معيشية ومهنية ومن أصول مختلفة هي الطريقة الوحيدة والأكيدة لتحسين قدرهم الجماعي، وانتزاع الحقوق الاجتماعية التي يسلبها كل يوم الليبراليون في الضواحي وفي أماكن أخرى.