بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتفاضة الإيجور.. صراع عرقي أم طبقي؟!

حوادث القتل تحدث يوميا بالآلاف، في أنحاء متفرقة من العالم، وربما أصبحت شيئا عاديا ومألوفا، لكن تحول واحدة منها إلى معارك واسعة بين مجموعات من البشر على أساس الانتماء الديني أو العرقي، ومساندة الدولة لأحد الأطراف على حساب الآخر، هو ما لا يمكن فهمه أو استيعابه بالاقتصار على رصد ملابسات الحادثة نفسها، لكن الأمر هنا بالضرورة يشير إلى أبعاد أخرى أعمق للصراع بين هذه المجموعات، وعلاقة الدولة بهذا الصراع من حيث مصالحها، هكذا يمكن فهم المذبحة التي شهدتها الصين ضد أقلية الإيجور المسلمة في إقليم شينجيانج خلال الأسابيع الماضية.

بداية الأحداث

كانت البداية شجار عادي وقع في أحد المصانع بين عاملين أحدهما من عرق “الهان” والآخر من عرق “الإيجور” المسلمين، وكان مقتل “الإيجوري” الشرارة، التي أطلقت أعمال العنف بين الجانبين، تدخلت على أثره الشرطة الصينية ليسقط مئات القتلى وآلاف الجرحى من الإيجوريين في أيام قليلة.

منذ اندلاع الأحداث تعالت الأصوات لتصور المشهد باعتباره اضطهاد للأقلية المسلمة من قبلة دولة شيوعية ملحدة، في ترديد لنغمة أن الإسلام كدين مستهدف في كل مكان، لكن المفارقة الغريبة هنا أن عرق “الهان” الطرف الذي وقفت الدولة الصينية إلى جانبه هم أيضا مسلمون، وهو ما يعني أن جوهر قضية الاضطهاد لا يكمن في من يعتقد بأي دين، ولكن فيما يريد هؤلاء المضطهدون، بمعنى آخر هل يقاوم هؤلاء المسلمون سياسات القمع والاستبداد للنظام الصيني أم لا؟

يعيش الإيجور في إقليم شينجيانج غربي الصين، أو ما اصطلح على تسميته بتركمستان الشرقية، ويبلغ عددهم ثمانية ملايين، إلى جانب حوالي المليون من الأقليات المسلمة من آسيا الوسطى غالبيتهم من الطاجيك والكزاخ والقرقيز، وكان الإيجور خارج نطاق سيطرة الإمبراطورية الصينية معظم فترات التاريخ، ويتحدثون التركية، حيث كانوا أول أتراك تكونت لهم حروفهم الهجائية الخاصة بهم، وأول من حصل على التعليم منهم. وكانوا دوما شعبا مستقرا مستوطنا وليسوا بدوا، يعيشون بشكل رئيسي على الزراعة والتجارة، وظلت ارتباطاتهم الثقافية بالكامل مع آسيا الوسطى المسلمة وليس مع الصين، ولم يتعرضوا للغزو الصيني إلا بعد منتصف القرن الثامن عشر، وعلى الرغم من ذلك كان لهم حكامهم المحليون ويتمتعون بمقدار كبير من الحكم الذاتي ماداموا يدفعون ضرائبهم ويقرون بالبيعة للإمبراطور.

أما عرق “الهان” فهم لا يتكلمون سوى اللغة الصينية على الرغم من أنهم يعتبرون أنفسهم مجموعة عرقية منفصلة بسبب هويتهم الثقافية والدينية المستقلة منذ عصور طويلة، وهم موزعون في كل أنحاء الصين لكنهم يتركزون بشكل خاص في الشمال الغربي قرب منغوليا، وكذلك في الجنوب الشرقي للبلاد. ويعود اعتناقهم للإسلام إلى حوالي ألف عام على الرغم من أن معظمهم اعتنقه بعد ذلك. وتعتبرهم بكين أقلية، وكثيرا ما قام مسلمو الهان بحركات تمرد ضد سلطة بكين خلال القرون الماضية، لكنهم لم يطالبوا بالاستقلال وذلك لسبب واضح وهو أنهم مبعثرون في أنحاء الصين. وهناك إقليم صغير تسكنه غالبية من الهان، ولذلك فإن غاية ما يسعى إليه هؤلاء هو الحصول على حكم ثقافي ذاتي.

اضطهاد الأقليات

مثل جميع الصينيين عانى الإيجور كثيرا خلال “الثورة الثقافية” الاستبدادية في الستينيات عندما دمر الرئيس ماو تسي تونج جميع المباني الدينية والمساجد والمعابد والمباني الثقافية والنصب التذكارية الفنية الخاصة بالديانات البوذية والكونفوشيوسية والداوية والإسلام والمسيحية في جميع أنحاء الصين، واستمرت سياسة التمييز هذه ضد الإيجوريين إلى يومنا هذا، فهناك اليوم مدرسة وطنية واحدة فقط لخدمة الثمانية ملايين مسلم في الإقليم، وتسيطر الحكومة بقوة على تعيين جميع أئمة المساجد الذين تملي عليهم ما يقولونه، وهناك لافتات منصوبة خارج كل مسجد تحذر من دخول أي شخص للمسجد يقل عمره عن 18 عاما، كما أنه من المحظور تعليم الإسلام للأطفال في البيوت ويواجه الإيجوريين متاعب عديدة في الحصول على وظائف في المؤسسات الصينية بدعوى أنهم لا يتحدثون اللغة الصينية بشكل صحيح. وهم في الغالب ممنوعون من تعلم اللغة الإنجليزية لأن “لغتهم الصينية ليست جيدة بما فيه الكفاية”. لقد أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية في بلدهم، ويشعرون بالغضب والخوف من محاولات الصين القضاء عليهم -بدون إراقة دماء- كشعب وحضارة.

سياسة زرع الفتن

قام الإيجوريون بعدة ثورات ضد سلطة بكين، وكان لهم في القرن العشرين دولتان مستقلتان لم تستمرا سوى فترة قصيرة، كانت آخرهما في نهاية عام 1945، وكان الإيجوريون يفكرون في الاستقلال لأنهم يشكلون غالبية سكان الإقليم، بالإضافة إلى هويتهم الثقافية المتميزة، ودعم رغبتهم في الاستقلال حصول أتراك آسيا الوسطى على استقلالهم عن موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.

كان النظام الصيني يعرف ذلك جيدا، فعمد منذ ما يقرب من عشر سنوات إلى تنفيذ سياسة جديدة بفتح الباب أمام الصينيين من الهان للهجرة إلى الأقاليم الغربية، وبدأ ملايين الهان بالتدفق على شينجيانج، والاستيلاء على الأراضي الزراعية، وأنشأوا المصانع والمدن الجديدة التي تسكنها غالبية من الهان، خاصة بعد اكتشاف الثروات البترولية في الإقليم، ومن الواضح أن الغرض غير المعلن من هذه السياسة هو “إغراق” الإيجور في بحر من الصينيين الهان، وهي الطريقة الأكثر فعالية في التعامل مع أقلية تطالب بالاستقلال، كانت نتيجة هذه السياسية أن أصبح الإيجور اليوم أقل من 50% من سكان شينجيانج كما أن أعدادهم في تراجع نسبي مستمر، ويسيطر الهان على الإدارة والاقتصاد والأمن في الإقليم ولا يعطون الإيجور سوى هامش بسيط جدا من تلك الأعمال باستثناء فئة صغيرة جدا من الإيجور الموالين.

هكذا زرع النظام الصيني بذور الفتنة الطائفية بين العرقين، في ظل السياسة التي دأب على الترويج لها منذ نشأته حول القومية الصينية وتفوقها، حتى يمكن له السيطرة على القوميات، التي قام باحتلال أراضيها والاستيلاء على ثرواتها، قسراً لصالح البيروقراطية الحاكمة وحلفاءها من الطبقة الجديدة من رجال الأعمال. هذا الفهم لطبيعة الأزمة يضع أيدينا على المجرم الحقيقي في أحداث الإيجور، انه نظام الاستبداد والاستغلال، الذي يضطهد المسلمين وغيرهم من العرقيات، وربما أحداث التبت التي راح ضحيتها المئات من أبناء الإقليم البوذيون العام الماضي مازالت قريبة من الأذهان.