بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتخابات عباس تجر فلسطين للحرب الأهلية

يهدد قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإجراء انتخابات مبكرة تشريعية ورئاسية بنشوب الحرب الأهلية الثالثة في المنطقة العربية (بعد العراق والسودان). ليس فقط أن القرار يأتي وسط تصعيد غير مسبوق شهده الوضع على الساحة الفلسطينية، وهو التصعيد الذي لم يكن بفعل عوامل داخلية فقط، ولكن أيضا بفعل التطورات الدولية والإقليمية، وإنما أيضا لأن ميزان القوى السياسي والدستوري وحتى العسكري بين فصيلي الأزمة الفلسطينية لا يعطي لأحدهما اليد العليا على الآخر. وإذا ألقينا نظرة عامة على الوضع الفلسطيني، نجد أنه بالغ التعقيد كنتيجة للتشابك ما بين العديد من القضايا التي قد تبدو منفصلة. فبينما تبدو القضية الأساسية المطروحة على الساحة الفلسطينية هي مسألة تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية من أجل رفع الحصار الذي فرضته الدول الغربية على الشعب الفلسطيني، إلا أن الموقف من إسرائيل وطبيعة التحالفات الدولية وانعكاساتها في الساحة الفلسطينية هي أمور أساسية في الساحة الفلسطينية.

لماذا خيار الانتخابات؟

قبل ما يزيد على أسبوعين، صرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأن المفاوضات مع حركة حماس من أجل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية قد وصلت إلى طريق مسدود، وأنه سيبحث في الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها من أجل إخراج الشعب الفلسطيني من محنته. وقد كان واضحا آنذاك كيف ارتبطت هذه التصريحات التي أدلى بها عباس بلقائه مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس. لكن ما هي هذه الخيارات التي انتقى عباس الانتخابات من بينها؟ الحقيقة لم يكن أمامه حل منفرد مؤكد أو حتى شبه مؤكد في قدرته على تجاوز الموقف. ففي حال قيامه بحل الحكومة الحالية، فقد كان من الصعب جدا تشكيل حكومة أخرى، لأن أية حكومة يجب أن تحظى بثقة البرلمان الذي تسيطر عليه حماس. من ناحية أخرى، فإن الصلاحيات التي يتمتع بها عباس فيما يتعلق بإمكانية تشكيل حكومة طوارئ تظل صلاحيات محدودة، لأنه بعد شهر من تشكيل هذه الحكومة سيكون عليها الخضوع للبرلمان لتحديد مهامها.

أما الخيار الثالث الذي كان أمام عباس، فهو الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة. وهي الدعوة التي تبنتها اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية في 9 ديسمبر الماضي باعتبارها المخرج المتاح للأزمة الراهنة. غير أن المسألة ليست بهذه البساطة، لأن حركة حماس رفضت وترفض هذا الخيار بشكل حاسم. حيث اعتبرت أن ذلك سيعد انقلاباً حقيقياً على الديمقراطية الفلسطينية. وبالنظر إلى تجربة العصيان المدني في لبنان، والنفوذ الذي تحظى به حركة حماس بين الجماهير الفلسطينية، يبدو أن احتمال تنظيم عصيان مدني في فلسطين الآن لمواجهة قرار غير مستبعد. يضاف إلى ذلك إلى أنه من الناحية الدستورية هذا القرار غير قانوني في شق الانتخابات التشريعية. فالقانون الأساسي الذي عدل في عام ألفين وثلاثة واضح في أن فترة المجلس التشريعي أربع سنوات ولا يورد أي طريقة يمكن بها تغيير ذلك. وكان هذا البند قد وضع عمدا تحت ضغط دولي شديد عام ألفين وثلاثة عندما كان محمود عباس رئيسا للوزراء لإعطائه المزيد من السلطات في مواجهة الرئيس ياسر عرفات.

الأهم من ذلك هو أن الحكومة تستطيع عرقلة هذه الإنتخابات الذي قالت المصادر الفلسطينية إنها ستجري منتصف العام المقبل على الأرض. إذ لكي تتم بشكل ديمقراطي مقبول من جميع الأطراف فهناك ضرورة لتعاون الحكومة خاصة وزارتي الداخلية والتعليم وهو ما لن يحدث. إذن لماذا اختار عباس هذه الخطوة؟

حماس والمناورات المحسوبة

الحقيقة أن عباس وجد نفسه، ومن ورائه الدعم الأمريكي والإسرائيلي وما يعرف بمعسكر الاعتدال في المنطقة – الذي يضم كل من مصر والسعودية والأردن-، في مواجهة تحسن مستمر في موقف حماس التي اتبعت استراتيجية بطيئة ومحسوبة وفعالة للمناورة. فقد اتخذت حماس عدداً من الخطوات لأجل مواجهة الضغوط التي تمارس عليها دون تقديم تنازلات جوهرية على صعيد القضية الفلسطينية. فمن جهة، التزمت الحركة باتفاق التهدئة الذي تم التوصل إليه مع الحكومة الإسرائيلية، قبل نحو أسبوعين. ومن جهة أخرى، أعلن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس، في زيارته لمصر عن القبول بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، دون أن يعلن عن استعداد الحركة للاعتراف بإسرائيل أو التخلي عن القدس أو حق عودة اللاجئين. وبعد ذلك بأيام قام إسماعيل هنية، رئيس الوزراء الفلسطيني، بزيارة إلى القاهرة أكد خلالها أنه سيتم إعلان حكومة الوحدة الفلسطينية من القاهرة حتى تكون هناك ضمانات بأن تشكيل تلك الحكومة سيؤدي إلى رفع الحصار المفروض منذ شهر مارس الماضي – تاريخ تشكيل حكومة حماس – على الشعب الفلسطيني.

وعلى صعيد آخر، قام إسماعيل هنية بما يمكن تسميته بالهجوم الدبلوماسي من أجل الاستفادة من تطورات الأوضاع على الساحة الإقليمية. فقد بدأ جولة طويلة إلى عدد من الدول العربية والإسلامية، بهدف حشد الدعم المادي والسياسي إلى الحكومة الفلسطينية. فقام بزيارة إلى قطر والبحرين وتمكن من التوصل إلى اتفاق يلزم قطر بالتبرع بدفع مرتبات المدرسين الفلسطينيين لمدة ستة أشهر فضلا عن إقامة “البنك الإسلامي في غزة” لتحويل المساعدات الخارجية إلى الحكومة الفلسطينية مباشرة.

وبعد زيارة قطر والبحرين، توجه هنية إلى كل من دمشق وطهران، مؤكدا على تمسك حركة حماس بالثوابت المتمثلة بعدم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود وعدم التخلي عن القدس وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الترحيب الذي وجده هنية في كل من دمشق وطهران — اللذين تضعهما الإدارة الأمريكية على قمة قائمة الأعداء — والدعم المالي الذي تلقاه من الأخيرة – يرتبط بالنزاع المتصاعد بين البلدين وبين أمريكا، والذي يتجه إلى نحو المزيد من التصعيد في ظل تطورات الأزمة اللبنانية. وبالتالي، صار على عباس أن يتحرك بالذات بعد أن صارت الإمبريالية بنسخها المختلفة مجمعة على أن فرض استقرار مصالحها في فلسطين هو الطريق لفرضه في المنطقة العربية برمتها. وزاد من الضغط على عباس زيادته على مشروع الإمبريالية الأمريكية في المنطقة.

ويأتي على رأس صور هذا الضغط العصيان المدني الذي تقوم به الجماهير اللبنانية في مواجهة الحكومة المتواطئة مع الإمبريالية، والتي أتت بمزيد من الإفقار للشعب. ومن جهة أخرى، الفشل العراقي المتواصل، الذي أجبر لجنة دراسة الأوضاع في العراق برئاسة بيكر-هاملتون توصي بفتح حوار مع سوريا وإيران، وسحب معظم القوات الأمريكية من العراق في بداية عام 2008.

ومن الطبيعي أن يؤثر ذلك الوضع بالسلب على حلفاء الإمبريالية في المنطقة، وعلى رأسهم معسكر الاعتدال الثلاثي في القاهرة وعمان والرياض، في حين يدعم الدور الذي يمكن أن يلعبه معسكر المواجهة. وفي إطار وضع كهذا، فإن حماس امتلكت أفقا أوسع للمناورة واستخدام الدبلوماسية. وكان لابد من التحرك ولو كانت العواقب غير مضمونة.

ويعتمد عباس بوضوح في هذا الإطار على الدعم الأمريكي البريطاني وربما الإسرائيلي كما تبدى بشكل واضح في تصريحات بلير الذي كان يزور القاهرة وقت إعلان عباس إجراء الإنتخابات. لكن الواقع يقول إنه حتى بذلك وبإقرار بعض القوى الفلسطينية (الجبهة الديمقراطية مثلا) لخطوة عباس، فإن الشارع الفلسطيني منقسم في افضل الأحوال حولها. ويهدد الأمر بذلك باتساع السيناريو الذي رسمه عباس للتمهيد لخطوته بتصعيد العنف في الشارع لحافة حرب أهلية شاملة وهو السيناريو الذي إن حدث سيكون البديل الأفضل بالتأكيد من وجهة نظر إسرائيل ومن ورائها الإمبريالية الأمريكية.