بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتخابات إسرائيل: صحوة الصهيونية العمالية!

برغم تعرضه لصدمة مشابهة لحزب الليكود، استطاع حزب العمل الإسرائيلي، ثاني أقطاب الحياة السياسية في إسرائيل على مدى عقود، احتلال المركز الثاني في الانتخابات بل وزيادة عدد مقاعده في الكنيست. د. إيمان حمدي تفسر ذلك باحتلال الاقتصاد الأولوية لدى قطاع واسع من الناخبين هناك.

فى دعايته الانتخابية قبل انتخابات الكنيست السابعة عشر والتي أجريت في مارس 2006، قال زعيم حزب الليكود ووزير المالية الأسبق بنيامين نتنياهو إن هذه الانتخابات ستكون بمثابة استفتاء للشعب الإسرائيلي حول مستقبل الضفة الغربية. وقد اتفق بعض المحللين مع ما قاله نتنياهو باعتبار أن هذا الموضوع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية الأمن، التي يرى الكثيرون أنها القضية الأولى التي تشغل الإسرائيليين خاصة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى. من هذا المنطلق لم يكن فوز حزب كاديما الذي أسسه شارون والذي يتبنى خطة الفصل أحادي الجانب بين الإسرائيليين والفلسطينيين بالمفاجأة، حيث أصبح من المعروف تأييد غالبية الإسرائيليين بتوجهاتهم المختلفة لهذه السياسة من أجل التخلص من الشعب الفلسطيني، حتى وإن كان ذلك يعنى تفكيك بعض المستوطنات الصغيرة في الضفة التي لا تمثل أهمية استراتيجية لاسرائيل. ولم يكن مفاجأة أيضاً أن يتراجع حزب الليكود من موقعه كأول الأحزاب السياسية في إسرائيل بل ويخسر موقعه كأحد الأحزاب الكبرى.

المفاجأة

لكن مفاجأة هذه الانتخابات جاءت في نجاح حزب العمل في تحقيق المركز الثاني، وحصوله على 20 مقعداً (في مقابل 19 مقعداً في الكنيست السابق) على الرغم من ترك عدد من قيادات الحزب التقليدية له وانضمامها لكاديما، وعلى رأسهم رئيسه السابق شيمون بيريز. هذا إلى جانب الهجوم الذي تعرض له زعيمه الجديد ـ عامير بيرتس ـ بوصفه غير أهل لمنصب رئيس الوزراء بسبب عدم خبرته بإدارة شئون السياسة الخارجية وخلفيته غير العسكرية. وأخيراً ـ وليس آخراً ـ بسبب أصله المغربي فى مجتمع لا يزال يسيطر عليه التمييز العرقي بين اليهود، ويهيمن عليه اليهود الغربيون ذوو الأصول الأوروبية والامريكية.

لقد جاء نجاح حزب العمل ليس بسبب موقفه من القضية الفلسطينية وانشغاله بأمن اسرائيل، لكن بسبب برنامجه الاقتصادي والاجتماعي الجديد الذي يلعب على الهموم الاقتصادية لقطاع كبير من الإسرائيليين، و يسعى إلى التصدي لسياسة الخصخصة التي تبنتها الحكومة الاسرائيلية منذ منتصف الثمانينيات. وهذا هو أيضاً ما أتى قبل ذلك بعامير بيرتس زعيماً للعمل في الانتخابات التمهيدية للحزب التي جرت في نوفمبر الماضي، والتي تفوق فيها على السياسي المخضرم وأحد مؤسسي الحزب ـ شيمون بيريز ـ (انضم لاحقاً لكاديما) وعلى قيادات المؤسسة العسكرية ـ إيهود باراك وبنيامين بن اليعازر.

دلالات صعود بيرتس

يعرف عامير بيرتس بميوله اليسارية وقد أسس وترأس حزب “أمة واحدة” في عام 1999، عندما كان رئيساً للهستدروت (اتحاد عمال إسرائيل). وركز برنامجه الانتخابي على محاربة الخصخصة، وتحسين أوضاع العمال، وأصحاب المعاشات وتحقيق المساواة في الأجور، إلى جانب رفع أجور المهاجرين الجدد. وعلى أساس هذا البرنامج، نجح في الوصول إلى الكنيست في انتخابات 1999 و2003، حيث حصل حزبه على مقعدين في الانتخابات الأولى وثلاثة مقاعد في الثانية. وفي عام 2004، انضم بيرتس إلى ائتلاف حزب العمل ثم قرر خوض انتخابات زعامة الحزب إلى جانب شيمون بيريز وبنيامين بن اليعازر وماتان فيلناى وإيهود باراك الذي أعلن انسحابه مبكراً.

لم يكن من المتوقع في نظر الكثيرين (بمن فيهم شيمون بيريز الذي كان واثقاً من الفوز) فوز بيرتس بزعامة حزب العمل، لكنه جاء ليدلل على أن الهاجس الأمني لم يعد وحده هو ما يقلق الإسرائيليين، وأن القضايا الاقتصادية أصبحت تحتل حيزاً هاماً في خيارات الناخبين. فقد عمد بنيامين نتنياهو الذي كان وزيراً للمالية في حكومة شارون حتى أغسطس 2005، والذي ينتمي إلى تيار الليبرالية الجديدة (neo-liberalism)في المنظومة الصهيونية، إلى تطبيق سياسة اقتصادية تقوم على تقليل النفقات الحكومية عن طريق خفض أجور العمال المسجلين في النقابات، وتقليل الدعم الاجتماعي، إلى جانب خصخصة شركة العال، وكسر احتكار شركة الكهرباء الوطنية، وإصلاح النظام الضريبي. وذلك بهدف إعطاء الاقتصاد الإسرائيلى دفعة قوية تخرجه من أزماته المتفاقمة.

وقد أدت هذه السياسة إلى اتساع الفجوة بين الاغنياء والفقراء بشكل غير مسبوق حتى صارت من أعلى الفروقات فى العالم، وإلى زيادة معدل الفقر بين السكان حتى وصل عدد من يعيشون تحت خط الفقر إلى مليون ونصف المليون شخص من ضمن حوالي 7 مليون هم إجمالي سكان إسرائيل. ونتيجة لذلك أوضحت استطلاعات الرأي معارضة غالبية الإسرائيليين لسياسات الحكومة الاقتصادية (57% فى مقابل 31%)، مما دفع بعض المحللين إلى القول بأن استقالة نتنياهو من حكومة شارون لم تكن بسبب رفضه لخطة الفصل الأحادي الجانب التي نفذها شارون فى غزة، ولكن حتى لا يضطر إلى الرد على تقرير الفقر الذي كان على وشك الصدور عن مؤسسة التأمين القومي، والذي كان سوف يوضح مدى الضرر الذي ألحقته سياسة نتنياهو بالطبقة الوسطى ومحدودي الدخل خلال عامي 2003 و2004. وبعد هذه الاستقالة دعا شيمون بيريز الذي عين نائباً لرئيس الوزراء في سبتمبر 2005 الحكومة إلى مراجعة خطتها الاقتصادية حيث إن احتمالية سقوطها بسبب الأحوال الاقتصادية والاجتماعية تتفوق على أي عامل آخر.

فى مقابل ذلك ظهر عامير بيرتس ليظهر كمدافع عن حقوق العمال من خلال رئاسته للهستدروت ولحزب “أمة واحدة”. وقد صرح بيرتس عقب إعلانه ترشيح نفسه لحزب العمل أنه سوف يعيد الحزب إلى مبادئه “الاشتراكية” التي كان قد تخلى عنها في العقود الاخيرة!! ووعد بتحسين أحوال محدودي الدخل عن طريق عدة خطوات من أهمها رفع الحد الأدنى للأجور، وإدخال نظام معاش إجباري لكافة مستويات الأجور وزيادة الميزات الاجتماعية.

وكان الحزب قد بدأ يتخلى تدريجياً عن يساريته منذ حوالي ثلاثة عقود، كما كان مشاركاً لليكود في حكومة الوحدة الوطنية التي بدأت برنامج إعادة الهيكلة الاقتصادي فى عام 1984. وعند عودته للحكم فى التسعينيات, استمرت حكوماته فى تطبيق سياسات الخصخصة التي أضرت بكثير من حقوق العاملين. وفي نفس الوقت، مع هزيمة حزب العمل فى انتخابات 1977 انهارت الصهيونية “الاشتراكية” (أو الصهيونية العمالية) التي قامت على أساسها دولة إسرائيل لتحل محلها الصهيونية اليمينية والدينية، حيث لم تفرز الساحة السياسية فى إسرائيل حزباً آخر أو حركة سياسية كبديل لحزب العمل فى حمل لواء هذا التيار. واقتصر وصف “اليسار” على التعريف المرتبط بمواقف القوى السياسية من الصراع العربي-الإسرائيلي والذي يعني تبني مفهوم الأرض مقابل السلام.

كان طبيعياً فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها كثير من الإسرائيليين أن يشغل الاقتصاد ـ لا الأمن ـ الأولوية لدى قطاع عريض من الناخبين، وأن يلعب أكبر دور له في تحديد نتيجة الانتخابات في الثلاثين عاماً الأخيرة. وأيضاً أن يعطي هذا القطاع صوته لمن يعده بتحسين ظروفه المعيشية. وهو ما يفسر نجاح بيرتس في الانتخابات التمهيدية لحزب العمل، ثم نجاح الحزب في التفوق على الليكود والحصول على المركز الثاني في انتخابات الكنيست. واخيراً ظهور حزب جديد لأصحاب المعاشات، وحصوله على سبعة مقاعد ليكون سادس أكبر حزب فى الكنيست. لقد وصف بيرتس إنجازه بأنه مثلما قاد مناحم بيجن الليكود نحو ثورة اجتماعية عام 1977، سوف يقود هو حزب العمل إلى ثورة اجتماعية ثانية من أجل بناء مجتمع جديد على أساس تحقيق العدالة الاجتماعية.

لقد أعلن بيرتس أنه سوف يعيد لليسار الاسرائيلى التعريف الصحيح للكلمة الذي يرتبط بالمفاهيم الاقتصادية والاجتماعية وللصهيونية “الاشتراكية” دورها الرائد في إسرائيل، كما أنه سيعيد حزب العمل إلى السلطة في إسرائيل على أسس هذا الفكر مثلما كان في الخمسينيات والستينيات. فهل سينجح في ذلك أم أن مرحلة الصهيونية العمالية انتهت في إسرائيل بلا عودة؟ أياً كانت الاجابة، فالفارق لن يكون كبيراً بالنسبة للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة الذي قامت الصهيونية على أساس انكارها، وحاول رابين زعيم العمل اغتصاب ما تبقى منها في أوسلو مثلما حاول شارون زعيم الليكود قهرها فى انتفاضة الأقصى.