بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

في أصل المسألة السودانية

«قرفنا».. «أبينا».. الثورة مستمرة

في يوم الإثنين 24 سبتمبر دعا شبان سودانيون إلى التظاهر ضد نظام الرئيس عمر البشير في مختلف أنحاء السودان، احتجاجا على قرار رفع الدعم عن الوقود، والذي يأتي كجزء من حزمة إصلاحات تقشفية تنفذها الحكومة السودانية للخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة.

أما الحكومة السودانية فقالت إنها ستتخذ من الإجراءات ما هو كفيل بحسم أي تحركات للمتظاهرين، مؤكدة في الوقت نفسه عدم وجود أي اتجاه للتراجع عن الحزم المختصة بالمعالجات والإصلاحات الاقتصادية التي تم اتخاذها مؤخرا، لقد جاءت توجهات الحكومة بخصوص ما يحدث بالشارع عندما أعلن المتحدث الرسمي باسم الحكومة السودانية، أن ما يتم بالشارع العام ليس من باب إبداء الرأي، بل هي عمليات نهب قام بتحريكها أفراد بعين، أو عندما تم الترويج في وسائل الإعلام  بأنه أسهل على المحتجين “لحس أكواعهم” بدلاً من إسقاط النظام!

بينما جاء الرد الرسمي من جانب حزب المؤتمر الوطني الحاكم بأنه لن يتسامح مع أي خروج عليه وأن قوات الأمن ستقمع كل من سيخرج إلى الشوارع، ليندد المتظاهرين بما وصفوه بالفساد وانفصال جنوب السودان، والذي نسبوه “لسياسة فرق تسد التي تنتهجها الحكومة”، فضلاً عن إرتفاع الأسعار، ونزاع دارفور المتواصل منذ ثمانية أعوام، والفقر والبطالة، وما سمّوه انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها قوات الأمن.

الأزمة.. كيف بدأت؟
في أواخر مايو 2012 الماضي أبدى صندوق النقد الدولي ترحيبه المعتاد لتنفيذ السودان إجراءات تقشفية كزيادة الضرائب وإلغاء الدعم الحكومي للوقود وإلغاء مئات الوظائف الحكومية وخفض رواتب الموظفين بحجة مواجهة عجز اقتصادي كبير وازدياد متواصل بمعدلات التضخم، وهي نفس الإجراءات النيوليبرالية التي ستزيد العبء على الفقراء في بلد يعيش ما يقارب نصف سكانه تحت خط الفقر. وبحلول يونيو 2012 اندلعت الاحتجاجات الشعبية المناوئة للاستغلال على المستوى الداخلي ضد حكومة البشير وعلى المستوى العالمي ضد شروط صندوق النقد الدولي المعادية للجماهير.

كان رد فعل الشرطة السودانية هو أن قامت بتفريق المظاهرات التي خرجت تنديدا بمقتل طلاب جامعة الجزيرة في دارفور، كما قامت بالاعتداء على التظاهرة التي خرجت من جامعة النيلين في 8 ديسمبر 2012.

وباشتداد حدة التظاهرات تدفقت الأسئلة حول ما إذا كان السودان سيلحق بقطار الربيع العربي؟ وكيف سيكون مستقبل الانتفاضة مع تذبذب الحركة الجماهيرية؟ خاصة بعد انفصال الجنوب حيث توجد حقول النفط الأساسية، وإضمحلال موارد الدولة الأخرى جراء سوء الإدارة السياسية والتنفيذية والإهمال المتعمد لتدمير بعض أهم موارد البلاد كمشروع الجزيرة الزراعي العملاق، بينما تشير الأرقام التي نشرتها الحكومة السودانية في نهاية 2010، بأن نسبة البطالة بلغت 40%.
إلى جانب ذلك، ونظراً للطبيعة الديكتاتورية لحكم الإسلاميين، فإنهم فشلوا في التعامل مع التعددية السياسية للبلاد، في مجال الحقوق الأساسية والتحول الديمقراطي التي كانت أساس الدستور الانتقالي بعد توقيع اتفاقية السلام السودانية في عام 2005، كان الالتفاف على الدستور وإصدار القوانين المقيدة للحريات العامة والخاصة هي السمة الرئيسية، أضف إلى ذلك التزوير المفضوح والعلني للانتخابات البرلمانية والرئاسية، ثم عادوا للمربع الأول فقلصوا هامش الحريات لدرجة القمع العنيف الذي أطلقوا له العنان ضد التحركات الجماهيرية الأخير. لقد أدى القمع الوحشي للجماهير المنتفضة، هذا القمع الذي بلغ ذروته باعتقال ما يزيد عن ألفي ناشط سياسي، إلى امتصاص الموجة الأولى للانتفاضة العام الماضي.

القمع واحد.. والحدود تراب
لقد دفع توالي الاحتجاجات المتفرقة ضد الحكومة السودانية بشأن زيادة أسعار المحروقات، والتي بدأت في 24 سبتمبر في الخرطوم ومدينة ود مدني بولاية الجزيرة إلى مدينة أم درمان غرب العاصمة السودانية، الحكومة الديكتاتورية إلى إنتهاج أساليب أي نظام قمعي يواجه تحركات “جنينية” ثورية.

ففي فجر يوم الجمعة 27 سبتمبر اعتقلت الشرطة السودانية أكثر من 300 طالب من مساكنهم بجامعة الخرطوم، بينما تحول اعتصام طلابي حول النفقات الجامعية إلى صدامات حين قامت الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع ورد عليها الطلاب برشقها بالحجارة.

فيما خرجت تظاهرت لطالبات جامعة الخرطوم للإحتجاج على الغلاء، ورفع الدعم، وهتفت الطالبات للحرية ولاسقاط النظام، لتمتد التظاهرات إلى جامعات أخرى وإلى الاحياء العمالية خاصة في جنوبي العاصمة، مخلفة ورائها حتى الأن أكثر من 50 شهيدا وسط إستخدام للذخيرة الحية من جانب قوات الشرطة ومليشيات الحزب الحاكم، فيما أعلنت وزارة الداخلية السودانية أنها أوقفت 600 شخصا ممن وصفتهم بالمشاركين في “أعمال تخريب”! لتعلن السلطات السودانية في يوم الأربعاء الماضي، إقفال المدارس في الخرطوم حتى 30 سبتمبر، أما بالنسبة للرئيس السوداني والمتهم بإرتكاب جرائم حرب فقد أثر السلامة، وأعلن عدم التوجه الى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للامم المتحدة.

لقد تفادى الرئيس السوداني عمر حسن البشير الذي يحكم البلاد منذ عام 1989 انتفاضات الربيع العربي والتي أطاحت بزعماء تونس ومصر وليبيا، لكن الغضب الشعبي المفتقر لأي شكل تنظيمي في تصاعد بسبب الفساد وتدهور الأزمة الاقتصادية.

إلا أنه لا يمكن فهم طبيعة الحراك الأخير، دون قراءة متأنية في طبيعة المجتمع بإختلاف مكوناته والدور الذي لعبته الطبقة العاملة السودانية.

التقسيم الطبقي للمجتمع السوداني
تاريخيا تطور نمط الإنتاج الرأسمالي بالسودان عندما ارتبط بالسوق العالمي عن طريق تصدير سلعتي: الصمغ والعاج، لقد أدت سياسات النظام الوحشية في جباية الضرائب إلي ترحيل الألاف من المزارعين من أراضيهم، ليجدوا أنفسهم عاملين أجراء بالمصانع، ثم ارتبط السودان بشكل أوسع بالنظام الرأسمالي العالمي في فترة الحكم الثنائي (الإنجليزي – المصري 1898- 1956)، عن طريق التبادل غير المتكافئ: إستيراد سلع رأسمالية مقابل تصدير مواد أولية (حيث يشكل القطن أكثر من 60% من الصادرات).

لقد صاحب هذه الفترة تطور المجتمع السوداني، وظهور التفاوت الطبقي نتيجة ظهور العديد من الطبقات مثل: العمال، والطلاب، والتجار، كما تبلورت العديد من التنظيمات والأشكال النقابية المنظمة لأوجه الحياة مثل: أندية الخريجين، وأندية العمال، وجمعية الإتحاد السوداني واللواء الأبيض، ومؤتمر الخريجين، وحركة تحرير وتعليم المرأة، إلى أن ظهرت الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات العمالية بعد الحرب العالمية الثانية.

وجدت الماركسية طريقها إلى السودان عن طريق الطلاب الذين كانوا يدرسون بمصر، حيث اعتنقت مجموعة من هؤلاء الطلاب المبادئ الماركسية وأسسوا أول خلية شيوعية بين الطلابالسودانيينن بمصر عام 1945، بإسم الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) تيمناً بالحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، وبتغلغل هذه الحركة وسط العمال خاصة بعد تكوين نقابة السكة الحديد ووصول عدد من الشيوعيين الي قيادة النقابة، استطاعت هذه العناصر أن تسيطر علي الإتحاد العام لنقابات عمال السودان الذي تكون عام 1949م مما هيأ للشيوعيين منبراً جيداً برزوا من خلاله بقوة.

الحزب الشيوعي السوداني: السقوط في المستنقع
تأسس الحزب الشيوعي السوداني في عام 1946، وفي خضم ذلك تمكن الحزب من توسيع عضويته خاصة في أوساط الطلاب والمهنيين الجدد والطبقة العاملة الصاعدة، لقد تميز الحزب الشيوعي السوداني بقدرة كبيرة على النشاط في أوساط الحركة النقابية العمالية، وأحرز نجاحات كبيرة في تنظيم عمال السكة حديد، وتحت اشراف ورعاية الحزب الشيوعي تم تأسيس إتحاد عام نقابات عمال السودان الذي أصبح فيما بعد إحدي أكبر الحركات النقابية في الشرق الأوسط.

وبالرغم من هذه النجاحات الكبيرة فقد ظل الحزب الشيوعي السوداني كغيره من الأحزاب الشيوعية “الستالينية” الموالية للإتحاد السوفيتي أئنذاك، مؤمنا بمرحلة الثورة الوطنية البرجوزاية، بينما جاء الانقلاب العسكري الذي نفذه الضباط الأحرار في مايو 1969 ليشكل حدا فاصلاً في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، لقد أدى ذلك إلى إنقسام حاد داخل الحزب، حيث أيد بعض قادة الحزب “حركة الجيش” معولين على تقدميتها ومعاداتها للطائفية، وساندت هذه المجموعة دعوة النميري بأن يحل الحزب نفسه أسوة بتجربة الشيوعيين في الجزائر ومصر والإنخراط في الإتحاد الاشتراكي السوداني الذي أسسته الحكومة، وعلى الجانب المضاد من هذا قاوم التيار المعارض الذي تزعمه الأمين العام للحزب عبد الخالق محجوب فكرة حل الحزب، وأعلن تحفظه على الانقلاب العسكري.

أدى ذلك في فبراير 1971 إلى إعلان النميري عن حل كافة التنظيمات الطلابية والنسائية الشيوعية، وإعدام عبد الخالق محجوب، بعد الانقلاب العسكري الفاشل في 19 يوليو 1971، ليظل الحزب الشيوعي السوداني محظورا طوال الأربعة عشر عاماً التي أعقبت ذلك، لقد فقد مركزه الرئيسي لصالح الإخوان المسلمين الذين تحالفوا مع النميري منذ عام 1977 مما مكنهم من التغلغل في مفاصل الدولة.

صراع الإخوان والشيوعيين
لقد نشأت الحركة الإسلامية كرد فعل لكثافة التيار الشيوعي في أواخر الأربعينات، فقامت مجموعة من الطلاب ذات الميول الإسلامية بتكوين “حركة التحرير الإسلامي” والتي تعتبر النواة الأولى للحركة الإسلامية الحديثة بالسودان، حدث ذلك في أواخر العام 1949.

لقد ظل العداء مستحكما بين الإخوان والشيوعيين، فالإخوان يرون أن الشيوعيين دعاة للماركسية، والتي تقوم علي الإلحاد ومعاداة الدين، وفي ذات الوقت كان الشيوعيون يرون بأن تنظيم الإخوان المسلمين تنظيم رجعي يخدم مصالح البرجوازية الطفيلية ويقف حائلا دون انتشار الماركسية.

هذا التصادم بين أكبر قوتين على الساحة وقتها، دفعهما إلى التغلغل وسط القوى الطبقية خاصة العمال والطلاب، لقد ظهر ذلك جليا في شتى أنواع التنظيمات التي توزعت بينهما فعلى سبيل المثال، اتحاد الشباب السوداني والاتحاد النسائي مراكز ثقل للحزب الشيوعي، في المقابل أقامت جبهة الميثاق “اتحاد العمال الوطني” في مقابلة “الاتحاد العام لنقابات عمال السودان” الذي سيطرت عليه العناصر الشيوعية، كما قامت بتأسيس “منظمة الشباب الوطني” في مقابلة “الشباب السوداني” و”الجبهة النسائية الوطنية” في مقابلة “الاتحاد النسائي السوداني”، كان كل طرف يسعى للقضاء على خصمه إلى أن وجد الإخوان فرصتهم الذهبية عقب حادثة معهد المعلمين الشهيرة، والتي حدثت في أواخر الستينات من القرن الماضي، عندما صدر قرار برلماني بحل الحزب الشيوعي وتجميد نشاطه، وذلك بعد حادثة فردية لشخص منسوب للحزب الشيوعي، أتهم خلالها هذا الشخص بالاساءة لمعتقدات دينية في ندوة بمعهد المعلمين في مدينة أم مدرمان، لتتحول هذه الحادثة إلي زلزال سياسي، أنتهى بالاجماع علي قرار حل الحزب، لقد ظل الوضع علي ماهو عليه حتي قيام حركة 25 مايو 1969 التي شارك فيها الحزب الشيوعي مشاركة رئيسية عبر جناحه العسكري فيها.

إلا أن الإستثناء الوحيد عن هذه القاعدة، كان متمثلاً في الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي دعت في البداية إلى وحدة السودان، وأوضحت أنها تهدف إلى تحرير الشعب السوداني وتسعى إلى إيجاد “سودان جديد” يقوم علي أساس الحرية والمساواة والمواطنة، لقد إستطاعت الحركة بذلك كسر الحاجز بين الشمال والجنوب، حيث إنضم عدد من أبناء الشمال للحركة الشعبية، قبل أن تعلن الحركة وللمرة الأولى أنها ستدعو سكان الجنوب للتصويت لخيار الانفصال خلال استفتاء تقرير المصير في يناير 2011، خاصة عندما نص اتفاق السلام على سعي طرفي الأزمة حزب المؤتمر الوطني بزعامة الرئيس السوداني عمر البشير والتمرد الجنوبي السابق على جعل خيار وحدة البلاد “أمراً جذاباً”،  في المقابل فتح المؤتمر الوطني صفوفه للجنوبيين ولم يعد الإسلام شرطا من شروط الانضمام للحزب كما كان في الحركة الإسلامية منذ نشأتها، بل تطورت هذه العلاقة بين الطرفين إلى درجة أثمرت عن شراكة سياسية، تمثلت في توقيع  حكومة السودان بقيادة حزب المؤتمر الوطني الذي يتزعمه الرئيس السوداني عمر البشير والطرف الآخر هو الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق على اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) التي أنهت أطول حرب أهلية في أفريقيا.

التنظيم هو الحل
للسودان بعد استقلاله تاريخ طويل من الانتفاضات الشعبية، بدأت شرارتها في 21 أكثوبر 1964 عندما عقد طلاب في جامعة الخرطوم ندوة لبحث مشكلة الجنوب متحدين بذلك قرار السلطات منع إقامة الندوات، وهو ما دفع السلطة إلى التدخل لفض الندوة بالقوة فقتل أحد الطالب، لتندلع  المظاهرات في كل أنحاء السودان، ويردد المتظاهرون خلالها الشعار الشهير “إلى القصر حتى النصر”،  ليسقط بعدها حكم جعفر النميري في السادس من أبريل 1985، إثر انتفاضة شعبية عرفت بانتفاضة أبريل وقف معها الجيش بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، ثم تتوالي الإحتجاجات على حكم عمر البشير في 1994 بعد خمس سنوات من وصوله إلى السلطة، ثم في عام 2011 على هيئة احتجاجات طلابية في أنحاء متفرقة من العاصمة الخرطوم ، ثم إلى احتجاجات طلابية معزولة بجامعة الخرطوم في عام 2012 تعبيراً عن الإستياء من إجراءات التقشف في البلاد، إلا أنه من الملاحظ أن هذه التحركات الجماهيرية وإن كان المحفز الرئيسي إجراءات إقتصادية تقشفية، إلا أنها كانت مفتقرة لأدنى شكل تنظيمي.

وفيما يخوض النظام القمعي منذ العام 2003 حربا دموية في ولاية دارفور، يصادف الأسبوع الجاري الذكرى الأولى لانفصال الجنوب السوداني وتكريسه دولة مستقلة في 2011، إلا أنه وعلى الرغم من أن هذه الاحتجاجات التي يشهدها السودان هي مجرد شرارات بسيطة، ولكنها بلا شك ستشكل ضربات متتالية من أجل إحداث شرخ في جدار هذا النظام العنيد.  إن الصراع بين جماهير الشعب السوداني والنظام الحاكم هو صراع بين مصالح الجماهير الكادحة ومصالح الرأسمالية الحاكمة، فيوم بعد يوم سترتفع وتيرة هذا الصراع، وفي المقابل ستزداد شراسة النظام في قمع الحراك الجماهيري، وسيظل في النهاية هذا الحراك الجماهيري مترنحاً بين الصعود تارة والهبوط تارة أخرى، خاصة في ظل عدم وجود تنظيم جماهيري “ثوري” قادر على تحويل الضربات الجماهيرية المتفرقة إلى ضربة قاضية في قلب النظام الحاكم.

ولكن، ما الذي سيحدث في غياب مثل هذا التنظيم؟
كعادتها دأبت المؤسسة العسكرية والتي تمثل الدعامة الرئيسية لمصالح الطبقة الحاكمة، إلى الإحتماء خلف هذه الطبقة الرأسمالية المدنية منها أو حتى ذات الصبغة الإسلامية، محركة من خلال هذه “القشرة” الطبقية مصالحها الحيوية ومحافظة في نفس الوقت على مكاسبها الممتدة منذ عقود، لقد تجلى ذلك في دعم المؤسسة العسكرية لانقلاب عمر البشير في 30 يونيو 1989، ولهذا فإن نفس هذه المؤسسة سيكون لزاماً عليها إما السعي السبل لكبح جماح هذه الانتفاضة عبر مجموعة من التراجعات لهذه القرارات الإقتصادية المثيرة للأزمة، والإحتواء في إطار مُعين لا يشكل خطراً ولا تهديداً لمصالح الطبقة التي تمثلها، والتي قد تصل إلى حد الإطاحة بالرئيس السوداني نفسه على غرار ما حدث في ثورة 25 يناير بمصر وموقف المؤسسة العسكرية من المخلوع، أو الإلتجاء لنقطة “اللاعودة” وعلى طريقة النظام السوري، واستمرار القمع الممنهج كما يحدث حاليا، عندها فقط يمكننا الحديث عن مرحلة ما بعد نظام عمر البشير.

الأيام المقبلة وحدها ستكشف عن طبيعة ما سيحدث في المشهد السوداني المعقد في تكويناته.