بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

بوتو وباكستان:

رحلة الصعود والسقوط

في يوم الخميس 18 أكتوبر الماضي حطت طائرة قادمة من دبي على متنها بنازير بوتو- الزعيمة ورئيسة الوزراء السابقة بعد 8 سنوات في المنفى.

وفي يوم الخميس 27 ديسمبر وفي عملية إرهابية لا تختلف كثيرا عن تلك التي استقبلت عودتها لباكستان اغتيلت بوتو مختتمة مرحلة عصيبة لباكستان ولشعبها.

وفيما بين التاريخين وعبر شهور لا تتجاوز الثلاثة تأرجحت بوتو ومعها باكستان في افعوانة سياسية لا يعلم احد متى ولا أين ستتوقف؟

زواج المصلحة

بداية كانت عودة بوتو تتويجا لصفقة غير سرية مع الجنرال برويز مشرف ونظامه العسكري. فملامح الإنهاك صارت واضحة على مشرف وجيشه بعد 6 سنوات من “الحرب على الجيران” أو الحرب على الإرهاب التي دشنتها واشنطن بالهجوم على أفغانستان وإسقاط نظام طالبان عقب أحداث 11 سبتمبر.

السقوط السريع لنظام طالبان لم يوازيه عودة سريعة للاستقرار. فعلى العكس فقد فشلت قوات الاحتلال وحكومة قرضاي في فرض سيطرتها على أفغانستان حتى صار سائدا أنها حكومة كابول العاصمة فحسب وتزايدت المناطق الواقعة تحت سيطرة طالبان وفي باكستان تراخت قبضة مشرف على الأمور كما تزايد السخط داخل الجيش وتصاعد التمرد في شمال الغرب والقتال في وزيرستان.

جاء الاتفاق بين بوتو ومشرف برعاية غربية (الولايات المتحدة وبريطانيا) مثالا لصفقة ناجحة تحقق المكاسب لجميع الأطراف. فمشرف وحلفاؤه الاستعماريين كانوا في أمس الحاجة لإعادة الثقة لنظام متهاو وحرب تبدو أكثر فأكثر بلا نهاية. والنظام العسكري برئاسة “الجنرال” مشرف لم يعد مناسبا لمرحلة الديمقراطية التي تدعو لها أمريكا وهناك احتياجا كبيرا لوجه مدني (مودرن).

أما بوتو فقد أتاحت الصفقة لها عودة للساحة السياسية بالباراشوت وعفو عام –جماهيري- عن مساوئ حكمها وعن اتهامات الفساد التي تلاحقها وزوجها في باكستان وعدة بلاد أخرى.

التقارب بين بوتو ومشرف بدأ قبل عودتها بعدة شهور. فهي كانت قد أعلنت دعمها لقرار الجنرال باقتحام المسجد الأحمر في العاصمة الباكستانية إسلام أباد في يوليو الماضي أثناء المواجهة بين نظام مشرف والمجموعات الإسلامية المسيطرة على المسجد والتي ساءها تورط باكستان في الحرب على طالبان وتبعية باكستان للسياسة الاستعمارية الأمريكية في المنطقة.

الخصام

بدا للجميع وكأن الزيجة المرتبة تعمل بشكل جيد، حتى أن نظام مشرف منع عودة نواز شريف من منفاه بالسعودية وأرسله عائدا على نفس الطائرة التي أحضرته فهو الآن لا يريد شريكا جديدا لمسرحية العودة للديمقراطية وكل المطلوب الآن أن يتخلى عن منصبه العسكري ليصبح رئيسا مدنيا وأن تتم الانتخابات النيابية بمشاركة حزب الشعب (حزب بوتو) ومن الممكن أن تصبح هي رئيسة للوزراء أو شريكة في حكومة ائتلافية. ولكن الجنرال خرج عن النص وأعلن الأحكام العرفية وعزل القضاة المناوئين له في المحكمة العليا وبدأ مواجهة واسعة مع قوى المعارضة الجديدة الصاعدة تحت قيادة القضاة ونقابة المحامين.

وأربكت خطوة الجنرال خطط العودة للديمقراطية وعودة بوتو للساحة السياسية. طارق على المناضل السياسي الباكستاني-البريطاني ذكر في مقال له قبيل اغتيال بوتو أن الزعيمة الديمقراطية كانت مترددة في اخذ موقف حاسم من إعلان الأحكام العرفية وضد مشرف وان ضغوط الانشقاق في داخل حزبها من العناصر الجماهيرية الأكثر راديكالية هي ما دفعتها للمواجهة وإعلان عداءها للجنرال. ومن المؤكد أن الضغوط لم تأت من داخل حزب الشعب فحسب بل من حركة أكثر اتساعا وجذرية شملت القضاة والمحامين وطلاب الجامعات. وببطء برزت بنازير بوتو كوجه معبر عن السخط ضد الجنرال. ورغم إعلان مشرف عن تاريخ إنهاء الأحكام العرفية والتزامه بموعد الانتخابات في يناير 2008 إلا أن شيئا ما انكسر بينه وبين بوتو وصار الحديث عن إسقاطه وعن مقاطعة الانتخابات دارجا ومعتادا في معسكر بوتو

اختلفت التفسيرات لإقدام مشرف على إعلان الأحكام العرفية وحتى الآن لا يستطيع طرف أن يجزم بالسبب الحقيقي لمثل هذه الخطوة إلا أن العديد من التحليلات تشير أن الجنرال لم يكن راضيا عن ترتيبات اقتسام السلطة مع حزب الشعب وأن دور الرئيس في السياسة الباكستانية في ظل وجود رئيس وزراء قوي لم يكن مناسبا لطموحاته في المرحلة القادمة. كما يبدو انه قد ضاق ذرعا من محاولات بنازير بوتو لتخطيه وتقديم نفسها كحليف أكثر جدوى وكفاءة من مشرف وإشاراتها المتعددة لفشل النظام الحالي في مواجهة التطرف الديني كما ينبغي والي العناصر الطالبانية داخل نظام مشرف

الحركة المناهضة لمشرف وللأحكام العرفية لم تقتصر على بوتو ومناصري حزب الشعب مثلما قالت الصحافة الدولية السائدة بل امتدت لقطاعات أوسع وجدت فيها تعبيرا عن السخط ليس فقط ضد الحرب والاستبداد بل ضد تدهور المعيشة والخصخصة وارتفاع الأسعار وتزايد الفقر والفساد والسياسات الاقتصادية الليبرالية لنظام مشرف.

ورغم الانتقاد الغربي لإعلان الأحكام العرفية إلا أنه لم يصل لدرجة التخلي عن الجنرال فالرئيس الأمريكي بوش أكد في عز الأزمة ثقته التامة في أن مشرف مدافع أصيل عن الديمقراطية!!

ومن الواضح أن التسامح الغربي مع خطوة مشرف ارتبط باتفاق سري مجمل بنوده الإنهاء السريع لحالة الطوارئ وإجراء الانتخابات بأسرع وقت ممكن بالإضافة لتنفيذ الاتفاق السابق بتخلي الجنرال عن منصبه كقائد للجيش وبحيث يتم تنصيبه كرئيس مدني دون أدنى إبطاء وهو ما نفذه الجنرال…

المياه تعود لمجاريها؟

ففي يوم 28 نوفمبر غادر الجنرال برويز مشرف قاعدة روالبندي العسكرية بعد أن تنحى عن منصبه كقائد للجيش في احتفال صغير. وفي اليوم التالي أدي القسم كرئيس مدني للبلاد وأعلن أن يوم 16 ديسمبر سيكون موعدا نهائيا لإنهاء حالة الطوارئ وأن الانتخابات ستجري في بدايات يناير 2008.

في نفس الوقت سمح لنواز شريف بالعودة لباكستان وناشد مشرف بوتو وشريف المشاركة في الانتخابات وعدم مقاطعتها كما تم الإفراج عن معظم النشطاء والمناضلين الذين تم اعتقالهم بالجملة أثناء حالة الطوارئ.

لم يسمح الوقت لنرى إن كانت بوتو ستعود للاتفاق مع مشرف إلا أن كل المؤشرات كانت تشير لمشاركتها في الانتخابات القادمة ومما لا شك فيه أن كل ضغوط الدول الاستعمارية كانت ستسير في هذا الاتجاه ومحاولة تجاوز أزمة الأحكام العرفية. فقبل أن ينتهي العام اغتيلت بوتو وسط أنصارها في مدينة روالبندي وعلى مقربة من السجن الذي شهد إعدام والدها ذو الفقار على بوتو قبل حوالي 30 عاما.

شهيدة الديمقراطية أم حليفة الغرب

لا يستطيع احد أن يشكك في مأسوية اغتيال بنازير بوتو عقب مغادرتها لمؤتمر سياسي في مدينة يوم 27 ديسمبر 2007. لن يغير ذلك إن كانت قد ماتت بالرصاص الذي أطلق عليها أو بشظايا الانفجار الانتحاري الذي تلا ذلك أو باصطدام رأسها بسقف سيارتها كما أعلنت حكومة مشرف، وسواء وقفت القاعدة وراء اغتيالها أو مخابرات مشرف أو جهة أخرى.

ولكن من المؤكد أن صورة المدافعة التي لا تكل عن الديمقراطية والتي ذهبت شهيدة ثمنا لوقوفها ضد الاستبداد وضد حكم العسكر وضد التطرف الديني لا يتناسب مع الوقائع أو مع التاريخ.

فصعود بنازير السياسي جاء عبر وراثتها لزعامة حزب الشعب عقب إعدام والدها وعلى أكتاف العزوة العائلية والقبلية والسطوة الإقطاعية لعائلة بوتو. وبدورها سارت بالحزب بعيد عن مبادئ العدالة الاجتماعية التي نشأ على أساسها وباتجاه التحالف مع الأمريكان الذين دعموا انقلاب ضياء الحق الذي اعدم والدها. لم تخلو سنين بوتو من الفساد واستغلال السلطة ومازال اغتيال أخيها مرتضى ذا التوجهات اليسارية والذي عارض توجهاتها على أيدي رجال شرطة عام 1996 مقيدا ضد مجهول.

ومصداقية بوتو كمناهضة للتطرف لا تصمد للتدقيق كذلك. فبدعم ورعاية أمريكيين ساهمت بوتو في دعم وصول طالبان للحكم في أفغانستان بغية إنهاء الحرب الأهلية الدائرة هناك في أعقاب انسحاب القوات الروسية.

وفي موتها كما في حياتها، ضيعت بنازير فرصة الخروج ببلادها من وحل القبلية والإقطاع. فقد كانت وصيتها الأخيرة هي تنصيب ابنها بيلاوال ذو ال 19 عاما زعيما لحزب الشعب وهو ما نفذه قادة الحزب بمنتهى الأمانة عقب اغتيالها. وسيقود الحزب تحت وصاية والده زارداري والذي تلاحقه تهم الفساد في عدة بلاد.

ولا يسعنا هنا سوى أن نردد صرخة طارق علي في مقالته في صحيفة الاندبندت: “باكستان تستحق أفضل من ذلك”