بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

مؤتمر القاهرة 2008:

صفحة جديدة في دعم المقاومة

أصبح مؤتمر القاهرة المحفل العالمي الأهم في مواجهة الاستعمار والصهيونية والدفاع عن حقوق الشعوب في حياة إنسانية. لكن نجاح المؤتمر في تحقيق أهدافه يظل رهناً بقدرته على حشد القطاعات الأوسع من القوى المناضلة والربط بين القضايا الوطينة والاجتماعية.

تشهد مصر والمنطقة في الوقت الراهن أوضاعاً بالغة الخطورة. فعلى الصعيد الداخلي، تتصاعد الحركات الجماهيرية يوماً بعد يوم في ظل معاناة متزايدة وتدهور حاد في الظروف المعيشية بسبب ارتفاع الأسعار الذي لا يتوقف، وسوء الخدمات غير المسبوق بفعل تخلي الدولة بشكل كامل عن دورها الاجتماعي. وفي الأراضي المحتلة، تتواصل معاناة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة سواء، بفعل سياسة الحصار والتجويع، أو جراء المذابح الإسرائيلية ضد سكانه. والعراق، بعد خمس سنوات من الاحتلال، يواجه مزيداً من الدمار ومخاطر التقسيم. وفي لبنان تتصاعد مخاطر الحرب الأهلية، وسط احتمالات متزايدة بشن إسرائيل حرب جديدة لتدارك الفشل الذي حققته في صيف 2006. في الوقت نفسه تتصاعد يوماً بعد يوم التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بتوجيه ضربة عسكرية لإيران. وفي ظل هذا الوضع، ينعقد مؤتمر القاهرة هذا العام ليجد أمامه مدى واسعاً من القضايا التي ينبغي التصدي لها، حيث أن دعم المقاومة بأشكالها المختلفة، الاجتماعية والمسلحة يصبح الآن مسألة محورية، ربما أكثر من أي وقت مضى. تتناول السطور القادمة قصة المؤتمر وعلاقته بحركة ضد العولمة وتطور أنشطته وفقا للتطورات الواقع المصرين وكذلك التحديات التي تواجه تحقيق أهدافة وعلى رأسها أن يصبح قوة دافعة لتطوير الحركة.

البداية: ضد الحرب

بدأت فكرة عقد مؤتمر القاهرة في عام 2002، أثناء قيام أمريكا وحلفائها وعلى رأسهم بريطانيا بالاستعداد للحرب على العراق. ففي تلك الفترة، رأت القوى المناضلة من المناهضين للحرب من تيارات مختلفة أهمية عقد مؤتمر يواجه احتمالات الحرب القادمة. وعقد المؤتمر في ديسمبر 2002 وصدر عنه إعلان القاهرة الذي طالب بمنع الحرب، وأكد على ضرورة القيام بحشد عالمي في مواجهتها، وهو ما تنفيذه في فبراير 2003، حينما سُيرت المظاهرات التي تضم مئات الآلاف ـ والملايين في بعض الحالات كما حصل في بريطانيا ـ من مناهضي الحرب في العديد من مدن وعواصم العالم.

غير أن الحركة العالمية رغم الزخم الذي اتسمت به، فشلت في منع الحرب. وأصبح السؤال المطروح هو ماذا بعد؟ ومن هنا جاء انعقاد مؤتمر القاهرة الثاني في ديسمبر 2003، والذي صدر عليه إعلان القاهرة الثاني. وكما في المؤتمر الأول كانت قضية العراق هي القضية المركزية، حيث ركز المشاركون على دعم المقاومة العراقية. وخلال عام 2004 اتخذت خطوة جديدة على صعيد تطوير المؤتمر وتوسيع نطاق القضايا المطروحة. ونتيجة مشاورات بين أطراف سياسية وتيارات مختلفة داخل مصر وخارجها في العالم العربي وحركة ضد الحرب ومناهضة العولمة، اتفق على دورية عقد المؤتمر وتحويله إلى ما يشبه المنتدى الاجتماعي. وعقد المؤتمر في مارس 2005، وأصبح بعد ذلك ينعقد في نهاية مارس من كل عام. وابتداء من المؤتمر الثالث، تم تبني اتجاه لتناول قضايا أكثر اتساعا تتعلق بالوضع في فلسطين والحرب على لبنان، والتهديدات ضد سوريا وإيران. إضافة إلى ذلك تناول المؤتمر قضايا الحريات بشكل عام، مثل التعذيب ومناهضة التمييز الديني والمرأة. ومنذ ذلك العام، وإزاء صعود الحركة الجماهيرية أصبح يعقد على هامش المؤتمر، منتدى القاهرة، الذي يأتيه ممثلون عن العمال والفلاحين ومن يشاركون في الاحتجاجات الاجتماعية، بهدف التفاعل ونقل الخبرات والتفكير في سبل دفع الحركة للأمام. من ناحية أخرى، يتضمن المؤتمر معارض وعروض سينمائية وفنية تتحدث عن فكرة المقاومة بمعناها الواسع.

القوى المشاركة

يعتبر المؤتمر شكلاً مهما من أشكال العمل الجبهوي في مصر. وفي حقيقة الأمر، فإن نجاح المؤتمر يتوقف إلى حد كبير على مدى قدرته على حشد كافة الجهود الممكنة للدفاع عن القضايا التي يتبناها. ويشارك في المؤتمر أطياف مختلفة من القوى السياسية التي اتفقت على مبادئ مقاومة الاستعمار ودعم المقاومة واتخذت موقفاً مؤيداً لنضالات الجماهير ضد الاستغلال ومن أجل حياة أكثر إنسانية. ورغم الاختلافات بين القوى المشاركة في تصوراتها حول الكيفية التي يجب أن يتم بها تغيير المجتمع ومواجهة الفقر والاستغلال والقمع، فإن هذه الأطراف استطاعت أن تتفق على حد أدنى مشترك يصب في اتجاه التفاعل مع الحركة ودفعها للأمام. وفي الوقت الراهن يشارك في مؤتمر القاهرة أحزاب الكرامة والعمل والوسط والإخوان المسلمون والاشتراكيون الثوريون، وعديد من منظمات المجتمع المدني واللجان الشعبية. لكن أحدى النقائص المهمة هي غياب العديد من قوى اليسار، والتي قررت عدم المشاركة بسبب مشاركة القوى الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، في فعاليات وأنشطة المؤتمر. ويعني ذلك أن قسماً من المشاركين في الحركة الاحتجاجية يبقي خارج المؤتمر. غير أنه من المؤكد أن الحضور القوى لليسار في المؤتمر كان سيمثل إضافة مهمة، خاصة فيها يتعلق بتعزيز التوجه الاجتماعي للمؤتمر، عبر التركيز على الاحتجاجات الجماهيرية والنضالات الاجتماعية، وهو ما يصب في النهاية في صالح التوجه الذي يربط بين القضايا السياسية والوطنية والقضايا الاجتماعية.

مؤتمر القاهرة 2008

في بداية التحضير لمؤتمر هذا العام صدر إعلان مبادئ وقعت عليه القوى السياسية المشاركة ومنظمات المجتمع المدني وعدد من الشخصيات العامة من مختلف التيارات. وأكد إعلان المبادئ على عدد من المواقف على رأسها الدعم غير المشروط للمقاومة والوقوف ضد كافة أشكال الاستعمار والعولمة. وفي ضوء الحصار الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والعدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع، اتخذ المؤتمر هذا العام من قضية فلسطين القضية المحورية فيه. لذلك فقد تضمن مؤتمر هذا العام سلسلة من الفعاليات حول القضية الفلسطينية، سواء عبر عرض شهادات للواقع العنصري لإسرائيل، أو تناول دعوة الناشطين في مجال المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، أو مشاركة اليهود المناهضين للصهيونية، أو تنظيم الفعاليات الرامية إلى إحياء دور اللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني.

من ناحية أخرى، فإن حركة الاحتجاجات غير المسبوقة التي شهدتها مصر خلال العام الماضي، وعلى رأسها الاحتجاجات العمالية التي أشعل شرارتها الأولى عمال المحلة في نهاية 2006، فرضت نفسها على الفعاليات المطروحة في المؤتمر هذا العام. ويظهر ذلك من خلال الحضور القوى للعمال، حيث يشارك العمال في عديد من القطاعات التي قامت بإضرابات واعتصامات خلال العام السابق، من قطاعات الغزل والنسيج والسكة الحديد وغيرها. من ناحية أخرى، فإن الدور القيادي الذي لعبته المرأة في سلسلة الاحتجاجات العمالية الأخيرة، أعطى بعداً جديداً لقضية المرأة، ووضع مسألة تحرر المرأة في قلب معركة النضال من ضد الاستغلال والظلم. لذلك فللمرة الأولى يتناول المؤتمر بشكل مستقل دور المرأة في الإضرابات العمالية الأخيرة. من ناحية أخرى، فإن قطاعات جديدة لم تسبق لها المشاركة، مثل الصيادين والموظفين والقائمين باحتجاجات على نقص الخدمات، تشارك في مؤتمر القاهرة هذا العام.

ماذا حقق المؤتمر؟

يعد مؤتمر القاهرة المحفل الأساسي في العالم الذي يمثل نقطة التقاء بين حركات المقاومة – حزب الله وحماس والمقاومة العراقية…إلخ— وحركات مناهضة العولمة في العالم. والهدف الرئيسي من المؤتمر هو خلق حالة من التراكم داخل الحياة السياسية للمساهمة في بناء الحركة سواء داخل مصر أو في الخارج. وتتجمع في هذا المحفل قيادات الحركة في العام السابق، من مختلف روافدها لتقييم خبراتها وإعادة بناء تحالفاتها، ووضع تصوراتها عن العام المقبل. وعبر هذه الآلية السنوية، يتم خلق التراكم والربط بين القضايا المختلفة، الوطنية والديمقراطية والاجتماعية.

وبالرغم من الجهود الدءوبة للمشاركين في المؤتمر، سواء من أجل جذب أكبر عدد من القوى المناهضة للاستعمار والمؤيدة للمقاومة، أو في توسيع الأجندة المطروحة لتحقيق الترابط بين قضايا النضال المختلفة، فإن المؤتمر لازال يواجه تحديين أساسيين. التحدي الأول ذاتي، أي يتعلق بالقوى المشاركة في المؤتمر، حيث أن غياب عديد من قوى اليسار كما سبق القول، يحرم المؤتمر من فصيل أساسي مشتبك مع النضالات العمالية ومدافع عن القضايا الديمقراطية والوطنية كما أن غياب فصائل اليسار تلك يحد بدرجة أو أخرى من قدرة المؤتمر على تحقيق التراكم في اتجاه الربط بين القضايا المختلفة. أما العامل الثاني، وربما هو التحدي الأهم الذي يواجه المؤتمر، فهو يتعلق بحجم الحركة ذاتها. ومما لاشك فيه أن الحركة الاجتماعية قد شهدت طفرات هائلة للأمام خلال الأعوام القليلة الماضية، والعام الماضي بشكل خاص. لكن بالرغم من ذلك، فإنه حتى الآن لم يتطور إيقاع الحركة بالدرجة التي تسمح لها بأن تصبح قاطرة المؤتمر. ذلك أنه حتى هذه اللحظة، تظل القوى السياسية بأطيافها المختلفة هي القوة الرافعة التي يرتكز عليها مؤتمر القاهرة، وهو الأمر الذي يختلف على سبيل المثال عن حالة المنتدى الاجتماعي العالمي في بداية الألفية، والذي وُلد من رحم الحركات الاجتماعية. ولا يعني ذلك بأي حال التقليل من الدور الذي يلعبه المؤتمر سواء على صعيد التنسيق بين القوى المناضلة، أو على صعيد الربط بين القضايا المختلفة، لكن تحقيق نقلة نوعية في دور المؤتمر وقدرته على دفع الحركة للأمام يظل رهناً بالتطور الموضوعي لهذه الحركة.