بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إصلاح الأنظمة العربية والثورة المضادة

استطاع مجلس النواب الأردني إقرار تعديلا على قانون الاجتماعات العامة ليسمح بالتظاهر دون الحصول على إذن مسبق من السلطات المختصة, كما أصدر الأسد بسوريا مرسوما تشريعيا يكفل حق المواطنين في التظاهر. إلا أن الأحداث الواقعية كانت قد إتخذت مسارا آخر بهجوم الأمن الأردني على مظاهرة بعمان أدت لمقتل أحد المتظاهرين واعتقال الكثيرين, كما ازداد الوضع سوءا بسوريا بوقوع مئات القتلى من المدنيين العزل بل ومحاصرة مدينة درعا بالدبابات وسحب الدقيق من مطاحنها.

الحكومة الأردنية من جانبها أعلنت بعد الأحداث أنها لن تسمح بمسيرات من شأنها تعطيل الحركة والحياة العامة في البلاد, وبشار الأسد أبدى في خطابه ترحيبه الكامل لمحاربة المتظاهرين. وفي بقية البلدان العربية الوضع لم يختلف كثيرا عن الأردن وسوريا, فولي عهد البحرين أعلن مهمته بتلبية مطالب شعبه قبيل الاحتجاجات بالبلاد وبعد الاحتجاجات تعهد بتجويع المعارضين, ومبارك المخلوع أكد على تقديره للشباب المصري قبل مهاجمة بلطجيته لهم بميدان التحرير في “موقعة الجمل”(!)

الإصلاحات التي قدمتها الأنظمة لن تخرج في مضمونها حول المراوغة والتآمر, ففي اليمن تم توجيه أوامر لرئيس الحراك الجنوبي بمغادرة البلاد ثم اختطف نائبه في الوقت الذي دعا فيه عبد الله صالح المعارضة للحوار, وفي مصر ظهرت مكتسبات الثورة في شكل إصلاح بحل جهاز أمن الدولة وإبداله باسم آخر لجهاز أمن وطني يضم نفس ضباط الجهاز القمعي القديم(!)

الإصلاحات أيضا قد تكون نفسها هي البديل الأكثر تضليلا ضد الجماهير لقمع ثورتها, فحتى إذا استطاع النظام السوري إسقاط قانون الطوارىء بإلغائه من الدستور, ستواجه الجماهير الأجهزة الأمنية نفس التي تمرست على استخدامه لعقود من الزمن وتمنهجت على اتباعه. في حين تفرض المطالب الجذرية هنا إقامة المحاكمات للمتورطين وتطهير الأجهزة الأمنية بالكامل في ظل استقلالية تامة للقضاء, وهو ما لن يحدث تحت حكم الأسد.

والأهم أن الإصلاحات لن تستمر دائما لصالح الجماهير في ظل تغير الظروف وتعامل الأنظمة وفقا لمصالحها أولا, فتعديل مجلس النواب للقانون الأردني, كما سبق ذكره, كان خطوة هامة لصالح الجماهير في حرية التظاهر, لكن أن تحتشد نفس الجماهير مطالبة بإسقاط النظام وإسقاط كل توابعه السياسية والاقتصادية, فهو ما لا يمكن السكوت عنه وسيقابل بعنف حتى وإن أبدى النظام تصالح جزئي بقبول حركة الشارع.

الإصلاحات الاقتصادية على الجانب الآخر دائما ما ستظهر في ثوب الثورة المضادة المعادية للجماهير, وخاصة إذا اقترنت باتباع نفس مسار حكومة مبارك المخلوع. ففي الوقت الذي ينادي العمال به في مصر برفع الحد الأدنى للأجور بإعادة المليارات المنهوبة وفرض ضرائب تصاعدية, تلجأ الحكومة الجديدة للاقتراض من صندوق النقد الدولي كسبيل لإصلاحات هي في جوهرها تعويم للاقتصاد في الأسواق العالمية بغض النظر عن النتائج الاجتماعية والسياسية. فصندوق النقد الدولي أشاد بالاقتصاد التونسي باعتبارها أكثر البلدان العربية تصديا للأزمة الاقتصادية في حين كانت الجماهير التونسية هي أول الجماهير ثورة بالمنطقة ضد البطالة والفقر والاستغلال. كما أشاد بصلابة الاقتصاد السوري في ظل تشجيع القطاع الخاص في نفس الوقت الذي أعطى توصياته بعدم زيادة المرتبات للعاملين السوريين ليعكس 30% نسبة فقراء وتحت نفس الغطاء الاقتصادي الصلب (!).

ما تقدمه الإصلاحات هي حلقات مفرغة تعيد نفسها عبر التاريخ لتصب في نفس المسار الذي يفقد الثورة معناها. فما يحدث في مصر الآن حتى بعد الثورة ورحيل مبارك هو امتداد لنفس خط النظام السابق والمتبع بنفس سياسات اقتصادية واجتماعية, حتى الآن لم تنعكس تداعيات الثورة على الجماهير ولم يلمس العمال في عملهم تحسن الرواتب أو ظروف العمل.

الثورات والانتفاضات التي أشتعلت في الوطن العربي لن تصبح ثورات دائمة بالإطاحة بالديكتاتورية ورموزها ثم استبدال الكراسي مع بعض الإصلاحات السياسية فقط. الثورات العربية ستصبح دائمة برفض كل مظاهر الثورة المضادة من إصلاحات وهمية, وفي المقابل ضرب كل أركان النظام الرأسمالي المسئول عن كل أزماتنا.