بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

ماذا بعد فوز باراك؟

سلام باراك ضد مصالح الجماهير

انتهت الانتخابات الإسرائيلية بفوز ساحق (بمقاييس الانتخابات الإسرائيلية لا العربية بالطبع) لأيهود باراك على بنيامين ينتانياهو، واستقالة الأخير من رئاسة حزب الليكود واعتزامه اعتزال الحياة السياسية. وسرعان ما راح أغلب الحكام العرب يعربون عن ترحيبهم بنتائج الانتخابات، وهو ترحيب ما لبث أن فتر بعض الشيء وصار مشوبًا بالحذر بعدما أدلى باراك بأول تصريحاته بعد توليه رئاسة الوزراء. أما المثقفين البرجوازيين (المعبرين عن الطبقات الحاكمة) والبرجوازيين الصغار (الطامحين للتعبير عنها) العرب فقد انقسموا بسرعة إلى فريقين: المتفائلون والمتشائمون.

جوهر موقف المتفائلين العرب هو أن تعثر السلاح في المرحلة السابقة كان راجعًا لنيتانياهو بشخصية المتعجرفة المنفرة وممارساته الجامدة وتراجعه المستمر عن وعوده. وهم يرون في نتائج الانتخابات الإسرائيلية انتصار لليسار الإسرائيلي الحريص على إيصال قطار العمالية السلمية بأمان إلى محطته الأخيرة. ومن ثم يتصور المتفائلون أن الطريق قد صار ممهدًا الآن أمام سير عملية السلام قدمًا بشرط بالطبع أن ينتبه العرب إلى ذلك ولا يقبلوا أن “يمر قطار السلام تحت أنوفهم وهم لا يشعرون” على حد تعبير المثقف التونسي العفيف الأخضر الذي كان في السابق ماركسيًا ثوريًا ثم دفعه وعله بالـ”تحديث” و”العلمانية” إلى مواقف مفرطة في اليمينية من بينها أنه صار من أكثر أنصار السلام مع إسرائيل تحمسًا، بل أيضًا في طليعة المتفائلين العرب بقدوم عصر السلام والتطبيع!

نصيحة معسكر المتفائلين للحكام العرب هي أن يرتموا في أحضان إسرائيل. يقول العفيف الأخضر مرة أخرى: “ما أن يعيد إيهود باراك تحريك مسار مفاوضات السلام من حيث تركه رابين – بيريز فعلي العرب بدورهم حكومات وشعوبًا أن يعيدوا – كسبًا للرأي العام الإسرائيلي للسلام وهو رأسمال رمزي ثمين – فتح مسار التطبيع مع الدولة العبرية. كل خطوة باتجاه السلام تتطلب – من هذا المنظور – خطوتين باتجاه التطبيع من دون تحفظ وحسابات.. قصيرة النظر وعديمة المردود السياسي” (جريدة الحياة، 22 مايو 1999).

على الجانب الآخر، يرى المتشائمون أن باراك لا يختلف جوهريًا عن نيتانياهو، خاصة فيما يتعلق بقضايا التسوية مع الفلسطينيين والعرب. وهم يؤكدون أن باراكم “على يمين حزب العمل ومن صقورة إذا جاز التعبير، وإن شئت فقل أنه زعيم يميني يقود حزبًا يفترض أنه يساري” على حد تعبير فهمي هويدي، أحد أقطاب المتشائمين. ويستنتج المتشائمون من ذلك أن انتصار باراك لا يعني تقدم العملية السلمية. يقول هويدي: “قد أفهم أن نرحب بهزيمة نيتانياهو، ولكن الذي استغربه حقًا أن يهلل بعضنا لانتصار باراك. ذلك أن ذهاب إرهابي هاو، ومجيء إرهابي آخر محترف، تخصص في اصطياد وتصفية الفلسطينيين ليس الحدث الذي يستحق الحفاوة بأي معيار. وعلى كل حال، فإن باراك ذاته خيب ظنون المهللين والمحتفين من جماعتنا، لأنه في أول خطاب له بعد الفوز – الذي أعلن فيه لاءاته المشهورة – لم يخف وجهه الحقيقي، وكذب من زعم أن “انقلابًا” حدث في إسرائيل، حتى أعطى انطباعًا قويًا لكثيرين بأنه في جوهره ليس سوى “نيتانياهو معدل”!” (الأهرام، 25 مايو 1999).

إن خطاب المتشائمين، مثلهم في ذلك مثل أقرانهم المتفائلين، موجه للحكام العرب، إلا أن نصيحتهم لهم هي على النقيض من تسريع خطي التطبيع كما يريد المتفائلون. إنهم ينصحون الحكام بالحذر والتمهل، وعدم المراهنة على ما يحدث في إسرائيل. ولما كان فهمي هويدي يرى أن هذا هو بالضبط ما تفعله القيادتان المصرية والسورية، فإنه لا يتردد في ختم مقاله بالثناء على القاهرة ودمشق!

يمكننا القول إذن بأن المتفائلين يرون في انتصار باراك حلولاً لليسار الإسرائيلي محل اليمين، وفتحًا للباب أمام التسوية السلمية التي ينشدونها، ومن ثم فهم يطالبون الحكام العرب بالتجاوب مع التغيير الحادث في إسرائيل. وعلى العكس، يرى المتشائمون أن اليمين هو المنتصر في الانتخابات الإسرائيلية وأن السلام بالتالي سيظل بعيد المنال، وعلى هذا الأساس يطالبون الحكام العرب بالتمهل والحذر. ولكن لا المتفائلون ولا المتشائمون من أنصار الطبقة الحاكمة يهتمون بالطبع بالجماهير العربية ومصالحها وحركتها. فما الذي ينبغي أن يكون عليه موقف الاشتراكيين الثوريين؟ قبل أن نحاول الإجابة، علينا أن ندقق بعض الشيء في فهم بعض المفاهيم المتصلة بالسياسة الإسرائيلية مثل اليمين واليسار الإسرائيلي، والعلمانيين والمتدينين، وأنصار السلام وخصومه. إسرائيل كيان استعماري استيطاني تم زرعه في المنطقة الخدمة أغراض الإمبريالية. لكن إسرائيل أيضًا في نهاية المطاف مجتمع رأسمالي ينطوي على طبقات ومصالح ورؤى متصارعة ومتفاوتة، وإن كان الطابع الاستعماري يضع حدودًا صارمة على مدى تفجر الصراعات داخل الكيان الصهيوني. وهكذا، فإن محصلة هذا الكيان الرأسمالي غير العادي هي أن هناك بالفعل “يسارًا” ما في المجتمع الإسرائيلي، ولكن التعبير السياسي عن هذا اليسار يكاد يكون معدومًا. أي أن هنا اليسار يضل بلغة الفلسفة موجودًا بالقوة وليس بالفعل.

بمعنى آخر، إن الأفكار السائدة في أي مجتمع في الظروف العادية هي أفكار الطبقة الحاكمة، إلا أن هذه الأفكار لا تحظى أبدًا بسيادة مطلقة، إذ أن المجتمع الطبقي ينطوي على صراعات تعبر عن نفسها في صورة أفكار متصارعة. وفي حالة المجتمع الإسرائيلي، فإن دارسيه بعمق يؤكدون أن ثمة يسار في هذا المجتمع يمثل نحو ثلث السكان (يسهل نسبيًا الوصول لتلك النتائج في إسرائيل بفعل وجود ديمقراطية برجوازية بها تسمح بإجراء استطلاعات رأي حرة بدرجة كبيرة). ليس هذا اليسار يسارًا ثوريًا بالطبع. إنه معادي لرأسمالية والخصخصة ولكن دون أن يتبنى تصورًا ثوريًا عن مجتمع اشتراكي بديل؛ وهو يريد التوصل لسلام مع الفلسطينيين يقوم على تفكيك المستوطنات وإقامة دولة فلسطينية حقيقية في أراضي 1967، دون أن يتجاوز الأيديولوجية الصهيونية ويطالب بدولة ديمقراطية علمانية يتساوي فيها الجميع على نقيض الدولة الصهيونية.

لكن هذا اليسار الضمني القائم في المجتمع الإسرائيلي لا يجد تعبيرًا منظمًا على الصعيد السياسي. إن الأحزاب الأساسية في الكنيست الإسرائيلي يمينية؛ فهي جميعا تؤيد بناء المستوطنات في الضفة الغربية (بما في تلك ليس حزب العمل فسحب، بل ميريتس أيضًا الذي يقف إلى يساره)، وهي جميعًا تؤيد أيضًا نظام الأبارتايد (التفرقة العنصرية على طريقة جنوب أفريقيا سابقًا)، ويسري ذلك بشكل خاص على ميريتس. كما تؤيد جميع هذه الأحزاب الرأسمالية القاسية والخصخصة وسياسات طرد العمال وتجويعهم، وتخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية، والتضحية بالفقراء لصالح قلة من الأثرياء. هناك بالطبع بعض الفروق الهامشية بين تلك الأحزاب، إلا أنها لا تطاول القضايا الجوهرية التي ذكرناها.

هناك كما ذكرنا يسار (إصلاحي لا ثوري ولا حتى متجاوز للصهيونية) في المجتمع الإسرائيلي، لكنه لا يجد تعبيرًا عنه في السياسة الإسرائيلية الرسمية. فما هو إذن دور “اليسار” الإسرائيلي الرسمي ممثلاً في حزب العمل وميريتس؟ إن دور هذا اليسار هو امتصاص الميول اليسارية القائمة في المجتمع وتوجيهها توجيهًا يمينيًا صرفًا، بما يتفق والطبيعة الرأسمالية الاستعمارية الاستيطانية للمشروع الصهيوني. والواقع أن هذه الظاهرة ليست على الإطلاق حكرًا على المجتمع الإسرائيلي بالرغم من خصوصيته. فالقوى السياسية المهمة في ظل الديمقراطية البرجوازية نادرًا ما تكون برامجها وسياساتها ممثلة بإخلاص لتوجهات أنصارها وجماهيرها. ونحن نعرف مثلاً أن غالبية أنصار الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في الغرب معادون للرأسمالية، إلا أن قادة هذه الأحزاب يعبئون أصوات الأنصار لصالح سياسات تدعم استمرار واستقرار المجتمع الرأسمالي. على أن الطبيعة الاستثنائية للدولة الصهيونية تجعل “اليسار” الإسرائيلي الرسمي (ونحن نضع كلمة اليسار هنا بين قوسين تأكيدًا على زيف هذا اليسار) بعيدًا حتى عن أشكال الاشتراكية الديمقراطية الغربية التي تقدم للجماهير إصلاحات حقيقية خاصة في أوقات ازدهار الاقتصاد الرأسمالي.

إن الصراع بين اليمين واليسار الإسرائيليين لا يمس إذن جوهر المشروع الصهيوني بطبيعته البرجوازية الاستعمارية، وهو في الواقع صراع بين قوتين يمينيتين تتنافسان للتعبير عن المصالح الأساسية ذاتها. بل إن هناك اتفاقًا ضمنيًا بين اليمين واليسار. فوجود اليمين – لليكود أساسًا – يساعد ذلك اليسار المزعوم على الحفاظ على صورته اليسارية، وفي المقابل يساعد اليسار اليمين على تنفيذ خططه، وهو ما يشل أي تيار يساري حقيقي ويمنعه من الظهور. إن القوى الحكومية والمعارضة في إسرائيل هي بمثابة يدين لجسم واحد يميني، وهو الجسم الذي يمكن تسميته بالنظام. وفي الغالب ما تعمل اليدان معًا على نحو منسجم، ومتى تعرض النظام لمأزق، فإن اليدين تجتمعان معًا لتشكيل حكومة وحدة وطنية – هي بالطبع حكومة يمينية.

إن ما يسري على “اليسار” الإسرائيلي يمكن أن يقال أيضًا عن “العلمانيين” في إسرائيل. إن الصراع محتدم بالطبع بين العلمانيين والمتدينين في إسرائيل. ويرى العلمانيون أن صعود القوى الدينية المتشددة من شأنه أن يهدد “الطبيعة الديمقراطية” لدولة إسرائيل وانتماءها للحضارة الغربية وقيمها المتسامحة!! ويحلو لـ”علمانيي” إسرائيل أن يصوروا أنفسهم أيضًا كأنصار لا يلينون للديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين الناس بغض النظر عن العقيدة الدينية أو الأصول العرقية والهويات القومية.

ومع ذلك، فإن علمانيي إسرائيل يعانون من مأزق خطير، ألا وهو الطابع الديني للدولة الصهيونية ذاتها. إن إسرائيل تعتبر نفسها دولة يهودية وديمقراطية، وهو ما يتناقض مع أساس العلمانية الذي يمكن في الفصل بين الدين والدولة. ويلاحظ مثلاً في الجدال المحتدم حول قانون الجنسية في إسرائيل أن أكثر القوى علمانية لا تجرؤ على طرح قانون علماني حقًا للجنسية في إسرائيل من شأنه أن يهدد الهوية اليهودية لتلك الدولة. إن العلمانية الإسرائيلية هي أقرب على “الثيوقراطية (أي حكم رجال الدين) المخففة” منها إلى العلمانية. ومن الجدير بالذكر أن علمانيي إسرائيل الذين يزعمون كما ذكرنا أنهم يدافعون عن حقوق الإنسان والديمقراطية أما التهديد القائم من القوى الدينية، يمارسون أقبح أنواع الازدواجية حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين وحقوقهم. ولعل أكثر الأمثلة برهنة على ذلك تتمثل في مواقف المحكمة العليا الإسرائيلية ورئيسيًا الشهير بـ”ليبرالية” و”علمانيته” أهارون باراك من الفلسطينيين. إن سجل أحكام هذه الحكمة المشين مع الفلسطينيين يؤكد أن قضاتها وعلى رأسهم أهارون باراك لا ينظرون للفلسطينيين كبشر آدميين.

يبقى أن نشير للصراع المفترض بين أنصار السلام وخصومه في إسرائيل. لقد جرى العرف في العالم العربي على النظر لأنصار السلام من الإسرائيليين على أنهم “يسار” بينما “اليمين” هو تكتل القوى الرافضة للسلام مع العرب. والواقع أن هذا التصنيف المبسط والسطحي يتناسى أن مشروع “السلام” الإسرائيلي هو في الواقع مشروع يميني يقوم على منح الفلسطينيين حكم ذاتي شكلي في ظل الهيمنة الصهيونية كمدخل للعلاقات الطبيعية بين الدولة الصهيونية و”جيرانها العرب”. ليس معنى ذلك أن السلام ليس قضية خلافية في إسرائيل، ولكننا يجب أن ننظر للصراع بين أنصار السلام وخصومه في المجتمع الإسرائيلي بوصفه صراعًا داخليًا في إطار معسكر يميني واحد.

لنعد مرة أخرى للسجال المحتدم بين المتفائلين والمتشائمين العرب إزاء فرص السلام في ظل انتصار باراك. من الواضح في وضوء تحليلنا هنا أن المتشائمين على حق في التقارب الشديد بين باراك ونيتانياهو. ويتعين أن نشير هنا إلى قذارة موقف المتفائلين الذين يرحبون بـ”السلام” رغم إدراكهم للظلم الفادح الذي ينطوي عليه بالنسبة للفلسطينيين. إن العفيف الأخضر في مقاله المشار إليه أعلاه يقول إن المطروح على الفلسطينيين هو “أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة”. كما يلاحظ فيما يتعلق بالقدس “أن تقسيم المدينة المقدسة ليس واردا وفي المقابل في الإمكان تخصيص إحدى ضواحي القدس لتكون عاصمة الدولة الفلسطينية”. ومع ذلك فهو يرحب بهذا السلام على أساس أنه “الشرط الشارط لبداية تحديث وتحضير الذهنيات والممارسات في هذا القضاء الذي مازال مثقلاً بأوزار القرون الوسطى عشية دخول الإنسانية في الألفية الثالثة”! هل هناك ما هو أكثر خسة من هذا؟!

ولكن إذا كان المتشائمون محقين في قولهم بأننا مع باراك إزاء يمين إسرائيلي شرس ومعادي للفلسطينيين والعرب، فإنهم مخطئون في تصورهم أن ذلك سيؤدي إلى تعثر “السلام”! إن “العملية السلمية” كما ذكرنا هي مشروع إسرائيلي يميني. ولإسرائيل مصلحة جوهرية في التوصل لسلام مع الفلسطينيين والعرب مؤمن لها وضعًا مهيمنًا في المنطقة، ليس عسكريًا فقط وإنما أيضًا سياسيًا واقتصاديًا. وهذا بالضبط هو ما يدركه باراك بشكل أفضل من نيتانياهو.

ولما كانت البرجوازيات العربية أيضًا صاحبة مصلحة كبرى في “السلام”، فإنها ستتحين الفرصة وسيتم في آخر المطاف التقاط “الإشارات الايجابية” التي يرسلها باراك (قبوله بوجود دولة فلسطينية من الناحية الاسمية وقبوله باستئناف المفاوضات مع سوريا من النقطة التي توقفت عندها في ظل حكم رابين – بيريز) من أجل التوصل لتسوية تضحي بالحقوق الجوهرية للشعب الفلسطيني لصالح استتباب الأمن وسيادة مناخ يسمح بازدهار البيزنيس في منطقتنا السعيدة. أي باختصار سيتحقق – غالبًا – في ظل باراك سلام يحقق للبرجوازيات العربية بعض مصالحها، ويزيد من فقر وبؤس وقمع الشعوب العربية على يد إسرائيل من ناحية، وعلى يد الأنظمة العربية من ناحية أخرى. ولن يخرج الجماهير من هذه الهوة ألا نضالها هي من أسفل ضد الصهيونية والاستعمار والاستغلال.