بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

استهداف إيران وعواقب الحرب

مع تصاعد المعركة السياسية والدبلوماسية بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين إيران، تبدو الأخيرة بشكل متصاعد الهدف القادم للإمبريالية الأمريكية. جمال صدقي يناقش تبعات مثل هذه الحرب من خلال الاشتباك مع دراسة بريطانية حديثة.

منذ مجيئها للسلطة، خاضت إدارة بوش الحالية حربين. في الأولى، على أفغانستان تلقفت سببًا (ضرب برجي نيويورك)، وفي الثانية، على العراق، اخترعته (أسلحة دمار شامل). وهناك عوامل كثيرة معقدة تجعل الحرب سمة وأداة ملازمة لهذه الإدارة. ولذا، وفور سقوط بغداد، كان السؤال: من التالي؟؟ ولم يحتج الأمر لكثير تفكير حتى يدرك البعض أن إيران ربما تكون التالية على اللائحة. لكن التصويب باتجاه إيران لم يتضح تمامًا للبعض سوى في النصف الأخير من عام 2005.

وبينما يرى البعض في ورطة أمريكا في العراق حائلاً بينها وبين خوض حرب جديدة، يرى البعض أن هذه الورطة لن تحول دون أمريكا وحرب جديدة، ليس فقط لأن أمريكا سبق وأن فعلتها حين وسعت نطاق الحرب في جنوب شرق آسيا لتشمل لاوس وكمبوديا رغم ورطتها في فيتنام (1) ولكن أيضًا لأن دوافع خوض حرب جديدة وبالتحديد ضد إيران أقوى كثيرًا من ورطتها الحالية في العراق. وربما تكون إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن هي أحد مؤشرات الذهاب نحو الحرب التي تزايدت مؤخرًا. غير أن هناك مؤشرات أخرى منها تزايد اهتمام دراسات ومراكز بحثية بالحرب وتوقيتها وطبيعتها وتحالفاتها وعواقبها.. إلخ.

ومن هذه الدراسات تلك الصادرة مؤخرًا عن مركز أوكسفورد ريسيرش جروب Oxford research group (فبراير 2006). بعنوان “عواقب الحرب على إيران”.

في هذه الدراسة يرى بول روجرز (2) أن دوافع الحرب على إيران قوية لدى طرفين هما أمريكا وإسرائيل.

فالأول تحركها عوامل يلخصها احتمالات نفاد البترول الأمريكي ورغبتها في السيطرة على بترول منطقة الخليج، ورغبتها في استعادة وضعها في إيران التي فقدته بسقوط الشاه لتأمين وضعها في الخليج، إلى جانب الرغبة في مواجهة النمو الصيني، بالإضافة إلى أن مجموعة المحافظين الجدد في أمريكا كانوا – قبل غزو العراق – ومازالوا يرون أن إيران هي الأخطر على المصالح الأمريكية في المنطقة. وبالتالي فإن امتلاك إيران لسلاح نووي هو أمر يهدد وضع أمريكا في منطقة الخليج البترولية التي تريد أمريكا أن تكون كلية السيطرة عليها. وهنا تلتقي دوافع أمريكا وإسرائيل التي ترى من ناحيتها في إيران عدوها الأخطر في المنطقة. وبالتالي ترى أن امتلاك إيران لسلاح نووي يمثل مزيدًا من التهديدات لها.

وبينما يرى روجرز أنه من المستحيل أن تسمح أمريكا لإيران بامتلاك سلاح نووي، فإنه يرى أيضًا أن من المستحيل أن تتنازل إيران عن برنامجها النووي سواء لأغراض عسكرية أم سلمية. وحتى الأخيرة تغضب واشنطن التي تحاجج متسائلة عن ضرورة توليد طاقة نووية لأغراض سلمية في بلد تفيض حقوله بالنفط. وأمام تصميم وإرادة كلا الطرفين فنحن لا محالة ذاهبون للحرب.

تبادل المواقع بين الأسباب والنتائج:

عند هذه النقطة تتبادل الأسباب والنتائج مواقعها لدى بول روجرز ويصبح القضاء على البرنامج النووي الإيراني هو الهدف النهائي وربما الوحيد لهذه الحرب المحتملة!! ويتناسى الحديث عن السيطرة على البترول والتنافس مع الصين.. إلخ. ولذا فهو يرى أنه ليس من المستهدف إسقاط النظام في طهران وإقامة نظام عميل كما هو الحال مع العراق ولكن إزالة البرنامج النووي الإيراني أو إرجاعه للوراء نحو خمس سنوات على الأقل. ولذلك فمن المستبعد – من وجهة نظره – استعمال قوات برية لغزو إيران وإنما سيقتصر الأمر على الضربات الجوية والبحرية الموجهة لكافة عناصر هذا البرنامج من المفاعلات إلى البنية التحتية المساعدة إلى ومراكز الدعم الفني والتسهيلات.. إلخ.

وهنا أيضًا تتداخل لدى روجرز الأسباب العسكرية مع القرارات السياسية فيصبح أحد أسباب عدم غزو إيران لإسقاط النظام هو عدم توفر الإمكانات لذلك بسبب وجود نحو 150 ألف جندي أمريكي في العراق، و30 ألفًا في دول الخليج، ونحو 180 ألف في أفغانستان. ولنفس الخلط (بين الأسباب والنتائج والقدرات العسكرية والقرارات السياسية) يناقش روجرز إمكانية مشاركة إسرائيل في الضربة العسكرية أو حتى قيامها بها لوحدها على غرار ما فعلته مع العراق عام 1981.

دلالة الوضع العسكري:

ويتطرق روجرز لمناقشة كافة الأوضاع العسكرية (قواعد وقوات برية وجوية وبحرية وتسهيلات.. إلخ) لكل الأطراف ليخلص إلى:

أولا، قدرة أمريكا على تدمير البرنامج النووي الإيراني بضربات جوية لن تستغرق سوى بضعة أيام بسبب تفوقها الشديد في الطيران والبحرية وضعف الطيران الإيراني والدفاعات الجوية. كما سوف يتم توجيه ضربات أخرى للحرس الثوري الإيراني لشل قدرته على التدفق نحو العراق للالتحام بالمقاومة هناك.

الضربات الأولى ستشمل أيضًا الطيران الإيراني والدفاع الجوي والبحرية الإيرانية بما فيها الغواصات واللنشات السريعة التي ربما يقودها انتحاريون للحيلولة دون أي رد فعل إيراني في الخليج.

ثانيًا، محدودية الرد الإيراني الذي سينحصر بشكل مباشر في محاولة إعاقة وقطع طرق نقل البترول والغاز في الخليج، وضرب القواعد الأمريكية في دول الخليج، ثم في تدفق بعض قوات الحرس الثوري إلى العراق للانضمام إلى المقاومة العراقية في توجيه ضربات للقوات الأمريكية. أما الرد غير المباشر فسوف يأتي في رأيه من حزب الله بتوجيه ضربات إلى شمال إسرائيل. أو من حلفاء محتملين مثل القاعدة ونمور التأميل وغيرها من منظمات إسلامية أخرى بتوجيه ضربات للمصالح الأمريكية داخل وخارج أمريكا.

ثالثًا، قيام إسرائيل بالضربة بمفردها سيفهم منه أنها بتصريح أمريكي مما سوف يستتبع أولاً توجيه ضربات من حزب الله إلى شمال إسرائيل ثم تدفق الحرس الثوري باتجاه العراق للالتحام بالمقاومة مما يعني تحريك قوات برية أمريكية نحو الحدود الإيرانية للحيلولة دون ذلك وربما التوغل داخل إيران بالإضافة طبعًا لتوجيه ضربات جوية لقواعد الحرس الثوري.

ولا يفوت بول روجرز الحديث عن الضحايا المحتملين لهذا العدوان بدءً من العاملين في البرنامج النووي وهم بالآلاف ومستهدف قتلهم لإنهاء البرنامج بشكل نهائي والحيلولة دون استئنافه بعد بضع سنين، والكثير من المدنيين لأن المفاعلات في مناطق سكانية!! وعناصر الحرس الثوري بالطبع، ثم في النهاية ضحايا الإشعاعات النووية المحتملة في إيران وكل منطقة الخليج.

وفي النهاية يؤكد روجرز أنه وبرغم إنجاز المهمة في الضربات السريعة الأولى فإن الحرب ستطول لاختلاف كثير من المعطيات الإيرانية (الداخلية والإقليمية) عن الوضع في العراق (صلابة الوضع الداخلي نسبيًا وعدم وجود عملاء محليين، وجود القوات الأمريكية في العراق ووجود مقاومة عراقية على استعداد للتعاون.. إلخ).

أسباب الحرب الحقيقية وسيناريوهاتها المتوقعة:

رغم اتفاقنا مع روجرز حول الاحتمالات القوية للحرب وكثير من التفاصيل الأخرى إلا أننا نختلف معه في الأسباب الحقيقة للحرب وبالتالي في السيناريوهات المتوقعة:

فرغم أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديدًا للسيطرة الأمريكية في الخليج إلا أن إنهاء المشكلة بالطرق السلمية والدبلوماسية ولو كان احتمالاً ضئيلاً) لن يحول دون وقوع الحرب فيما بعد. إذ أن أسباب الحرب أعمق بكثير. بل ربما يكون البرنامج النووي الإيراني نتيجة أكثر منه سببًا:

فهناك رغبة أمريكية حارقة للسيطرة على العالم والبقاء كقوة وحيدة مهيمنة لأطول فترة ممكنة. هذه الرغبة (التي تحولت لإستراتيجية ثم لخطوات على الأرض) تتعارض مع صعود كتل اقتصادية قوية تمثل تهديدًا مستقبليًا واضحًا (الصين – الهند – الاتحاد الأوروبي)، ومع أزمة نسبية مستحكمة في الاقتصاد الأمريكي (والعجز عن تمويل الأزمة بنفس الأدوات السابقة)، كما تتعارض مع احتمالية نفاد البترول الأمريكي في أمد قريب منظور وعدم توفير مصدر اقتصادي بديل للطاقة حتى الآن. بينما تتضافر – هذه الإستراتيجية – مع صعود إدارة أمريكية هي خليط من المحافظين الجدد (بفكرهم المعروف والذي أهم عناصره الحفاظ على سيطرة الولايات المتحدة على العالم ونسف أي احتمال يمكن أن يهدد هذه السيطرة)، والليبراليين الجدد. وهي إدارة تمثل احتكارات البترول والسلاح بشكل رئيسي. وهذه التركيبة تحتم مصالحها وفكرها أن يصبح البترول سلعة غير قابلة للتداول في السوق العالمي وإنما سلعة تتحكم فيها الولايات المتحدة بشكل كلي وشامل لتقي نفسها الأزمات المحتملة في قادم الأيام وتصبح كلية التحكم في نمو الكتل الأخرى (المنافس المحتمل) ومصائرها.

فإذا ما أضفنا لذلك أن الإدارة الأمريكية بتركيبتها وفكرها تستبدل الحلول الممكنة للمشاكل الداخلية بحروب تستهدف – بعد تحقيق مصالحها (3) – إلهاء المجتمع الأمريكي وشحنه خلفها؛ فإن الحرب على إيران واقعة لا محالة، ليس لضرب البرنامج النووي ولكن لإحكام السيطرة على البترول. ولهذا السبب بالتحديد دخلت الولايات المتحدة وإيران هذا السباق حول البرنامج النووي. فإيران تريد أن تستكمل البرنامج (مع امتلاكها لصواريخ متوسطة المدى) لكي تقي نفسها شر الضربة الأمريكية القادمة، بينما تلهث أمريكا لإيقاف هذا البرنامج الذي قد يحول بينها وبين مخططاتها المستقبلية. ولذا، فقد يكون البرنامج النووي يببًا في التعجيل بالحرب لكنه ليس أبدًا سبب الحرب.

إسرائيل وضرب إيران:

يتراوح وضع إسرائيل بالنسبة للإدارة الأمريكية بين الحليف والأداة طبقًا للمهمة المطلوبة منها. ولا شك أن صعود المحافظين الجدد والصهيو مسيحية قد أضفى على إسرائيل وضعًا خاصًا وطابعًا دينيًا. ولكن فيما يخص الإستراتيجية الأمريكية الشاملة (والبترول في القلب منها) تتحول إسرائيل إلى أداة. فليس للولايات المتحدة حليف في إستراتيجية السيطرة على العالم (4).

من هذا المنظور تلتقي المصالح الأمريكية/ الإسرائيلية في المنطقة وتتعارض!! فإستتباب وضع أمريكا في العراق مثلاً يقلل من أهمية إسرائيل (إذ ما الحاجة لوكيل في المنطقة بينما رب العمل موجود بنفسه؟!) وازدياد الورطة الأمريكية يزيد من الحاجة لإسرائيل حتى على المستوى التقني (إسرائيل تنقل للجيش الأمريكي خبرتها في السيطرة على المدن).

ولذا، فالتعجيل بضرب إيران هو في مصلحة إسرائيل. ليس فقط لإنهاء البرنامج النووي الإيراني الذي يشكل خطرًا مستقبليًا عليها، ولكن تشتت الجهود الأمريكية وازدياد ورطتها في العراق ربما سيحتم عليها الاستعانة بإسرائيل. وهو ما لن يحدث في ظروف تحسن أوضاع القوات الأمريكية. ولذا، فدور إسرائيل في حرب قادمة ليس حتميًا بل هو أمر تقرره ظروف الولايات المتحدة حتى مع وجود حزب الله واحتمالات تعرض إسرائيل لضربات منه9 (يمكننا أن نذكر هنا بحربي أمريكا على العراق وإيقاف إسرائيل عن أي رد فعل). وربما يكون الدور المنوط بإسرائيل هو كبح حزب الله وتلجيمه باجتياح جديد لجنوب لبنان ليس فقط لإيقاف ضرباته المتوقعة على شمال إسرائيل بل لمنع قواته من عبور الحدود السورية وتعريض مؤخرة الجيش الأمريكي للخطر. وهذا هو السبب الرئيسي لكل الحملة الأمريكية على سوريا في السنوات السابقة!!

إن الإستراتيجية الأمريكية للسيطرة ومصالح احتكاراتها الحاكمة تقود العالم من حرب إلى أخرى في الطريق نحو الصدام الأخير مع القوى الكبرى المنافسة، غير عابثة بمئات الآلاف من الضحايا الذين سيصبحون فيما بعد بالملايين وربما مئات الملايين. ورغم الجهود الأمريكية لحصر الحرب القادمة مع إيران في حدود إيران وفقط فإن احتمالات امتداد هذه الحرب لدول أخرى في المنطقة (دول الخليج ولبنان وسوريا وربما مناطق أخرى) هي احتمالات كبيرة جدًا. وليس أمام شعوب العالم سوى أن تتوحد في مواجهة الغول الأمريكي والاحتكارات الرأسمالية التي لا تعبأ بالضحايا. وإذا كانت أمريكا تجهز الآن لحربها تلك فلنشرع في التحرك منذ الآن في العالم كله لفضح مخططاتها ولنتحرك ضدها بكل السبل. هذا هو الطريق الوحيد لإيقاف تلك الحروب لأن الطبقات الحاكمة في العالم كله أصبحت لا تعارض الحرب وإنما تنتظر متلمظة الفتات الذي سيبقى بعد التهام الفريسة.

هوامش:

  1. ليس مصادفة أن يستخدم بوش بصورة كربونية نفس الحجج التي ساقها أسلافه لتوسيع نطاق الحرب في جنوب شرق آسيا حين يصر في خطاباته الأخيرة ويلح على دور إيراني في إحداث قلاقل في العراق!!
  2. Paul Rogers كما تعرفه الورقة، باحث في شئون الأمن، وبروفيسور في دراسات السلام في جامعة برادفورد ومستشار في الأمن العالمي لمجموعة أوكسفورد رسيرش. وله مؤلفات عديدة في مجال الأمن الدولي والسلاح والعنف السياسي. ويحاضر في جامعات وكليات عدة دول. لكن الأهم أنه كتب بحثًا مماثلاً قبيل الحرب على العراق لمركز أوكسفورد نفسه وبنفس العنوان: عواقب الحرب على العراق.
  3. وينبغي أن نلاحظ هنا أمرين: الأول هو التزايد الرهيب في ميزانية البنتاجون الذي يعيد التوزيع على شركات السلاح وذلك منذ صعود إدارة بوش وتحديدًا الحرب على أفغانستان ثم العراق، والثاني هو الارتفاع الرهيب في أسعار البترول بعد أن كان قد تدنى إلى أقل من عشرة دولارات قبل مجيء إدارة بوش، واللافت هنا أن ارتفاع سعر البترول في أوائل الثمانينيات نتيجة الثورة الإيرانية ثم الحرب العراقية/ الإيرانية صاحبته ضجة صاخبة في كل وسائل الإعلام العالمية بينما تجاوز سعره الحالي لحاجز السبعين دولارًا يمر بهدوء غريب!!
  4. ينبغي الإشارة هنا لموقف الولايات المتحدة من الدول الأوروبية عمومًا وحلفائها خصوصًا (بما فيها بريطانيا) في موضوع إعادة إعمار العراق والسيطرة على البترول العراقي. بل إننا يمكننا الإشارة هنا إلى موقف أمريكا من شركة بترول إيران في أعقاب إسقاط مصدق وكيف أزاحت بريطانيا منها لتحل محلها. كان ذلك في بداية خمسينات القرن المنصرم فما بالنا الوضع الآن!!