بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سوريا: دروس الإضراب العام يخنق نظام الأسد

منذ أن أعلن تلاميذ إحدى مدارس محافظة درعا أن "الشعب يريد إسقاط النظام" قبل ثمانية أشهر، والنظام السوري يحصد أكثر من عشرة آلاف شهيد وستين ألف معتقل وآلاف المفقودين. ومنذ أن تم الإعلان عن إضراب تخوضه جماهير سوريا المقاومة والنظام يتخذ أبشع وسائل القمع من اجتياح المدن عسكريا ومحاصرتها بالخنادق وقطع المياه والكهرباء واستهداف آبار النفط، حتى بدت التعددية التي طرحها النظام السوري كإصلاحات ما هي إلا تعددية في اختيار الموت. فأيهم يختار السوريون؟ الموت داخل المعتقلات تحت التعذيب أم الموت قصفا بالدبابات أو الموت حرقا بعد إشعال الشبيحة النار بالمنازل.

اليوم، برغم القمع، تخوض الجماهير السورية ملحمة بطولية من الإضراب الذي يبدأ بغلق المحلات التجارية وينتهي بالعصيان المدني. فما خصوصية الإضراب؟ وما علاقته بانقسام الجيش وانضمام المزيد منه إلى ثورة الجماهير؟ وكيف تنتصر الثورة السورية؟

الإضراب: حاصر حصارك

نتيجة للحصار الشديد الذي فرضه الجيش وقوات الأمن حول المحافظات بل وبين الأحياء داخل نفس المحافظة، تميزت المظاهرات في سوريا بالطابع الانعزالي، فلم نشهد حتى الآن توحد المتظاهرين من مدن عدة في مظاهرات مليونية مثلا كما شهدتها الدول المختلفة مثل مصر واليمن، وبناء عليه لم تشهد التظاهرات تطور لموقفها الميداني من التظاهر إلى الاعتصام، إلا إن الإضراب استطاع كسر الحواجز التي فرضها الجيش واستطاع ضمنيا تحطيم الخنادق لينطلق من حمص المحاصرة إلى أرض الجولان ومن درعا جنوبا إلى البوكمال شمالا.

كما أن الإضراب لم يقض فقط على الانعزالية التي فرضها الجيش حول المدن، بل استطاع القضاء بالتبعية على فكرة المركزية التي تتصدرها العاصمة الموالية أحياءها للرئيس والتي لم تشهد موجة الثورة كما تشهدها القرى المحيطة. فمحافظة ريف دمشق هي تلك المحافظة التي تحيط العاصمة من جميع الجهات وتعتبر نقطة الوصل بين دمشق والمحافظات الأخرى، وبمجرد دخول تلك المحافظة في الإضراب تغيرت المعادلة من تحكم العاصمة بمنع إرسال المواد الغذائية إلى المدن المحاصرة إلى محاصرة العاصمة نفسها بمنع توافد العمال إليها.

الإضراب هنا حاصر النظام ليس فقط في بؤرة تمركزه متمثلا بالعاصمة، لكن حاصره أيضا بزعزعة مصالحه الاقتصادية، لعل ذلك ما أدركه النظام منذ اليوم الأول للإضراب بتعمد إطلاق الشبيحة وقوات الأمن لتكسير أقفال المحلات التجارية المغلقة. أدرك النظام هنا أن المواجهة التي خلقتها الجماهير هي الأشد خطورة من المواجهات المسلحة، فهي من ناحية تهدد المصالح المتشابكة للرأسماليين والذين يمثلوا قاعدة اقتصادية لدعم النظام. كما أن خطوة الإضراب هي الخطوة التي وحدت الجماهير وأكسبتهم الثقة في مواصلة المعركة وتطويرها والتي قد تشهد الانتقال من المطالب السياسية إلى المطالب الاقتصادية المباشرة.

انشقاق الجيش وتهديد النظام

سلاح الاضراب إذن الذي يعتبر فن من فنون النضال الجماهيري جاء كخطوة مناسبة، في اللحظة الراهنة، لانهيار النظام على عدة أوجه، فمحافظة حمص التي شهدت الدعوة لإضراب الكرامة عبر الأراضي السورية هي نفسها المحافظة التي شهدت أكبر حالة تمرد داخل صفوف الجيش وبالأخص مدينة الرستن، أما مدينة درعا التي تمردت على حصارها منذ بدء الثورة شهدت أيضا انشقاقات الجنود على نطاق أوسع وكانت أولى المدن مشاركة بالإضراب.

الإضراب والتمرد إذن خلقا مواجهة مباشرة مع الدولة وأصبحا وجهان لعملة واحدة اسمها الثورة. فأكثر المدن التي عانت الحصار والتجويع كانت أكثر المدن انشقاقا بالجيش، هنا أظهر النظام حالة واضحة من الارتباك تجاه أوضاع خرجت عن سيطرته فعمد إلى تفجيرات مصطنعة بسيارات مفخخة نسبها على الفور للإرهابيين الإسلاميين في حين أن التحقيقات الطويلة لم تسفر عن سبب مقتل المقاوم عماد مغنية وبنفس المكان.

النظام هنا يدرك حجم المأزق الذي يتورط فيه نتيجة الإضراب فأطلق الشبيحة يعتقلون أصحاب المحلات التجارية، كذلك أدرك تهديد استقراره بمجرد تهديد استقرار المؤسسة العسكرية التي تحميه، فكان من قادة الجيش أن أطلقوا النيران على الجنود بعد رفضهم تنفيذ الأوامر الإجرامية، ومجزرة جسر الشغور التي راح ضحيتها 1300 عنصر من المنشقين تشهد على ذلك.

كيف ستنجح الثورة؟

ولأن الإضراب والتمرد بالجيش ارتبطا بنجاح الثورة، فإن نجاح الإضراب نفسه يعتمد على مدى ربط المطالب السياسية والاقتصادية بعضهما ببعض. في الحقيقة لم يأت إضراب الكرامة كخطوة تكتيكية ثورية باتجاه تصعيد الأحداث التي فرضها العنف المسلح من جانب الجيش. الإضراب جاء كدعوة تضامنية مع ضحايا محافظة حمص الأبية والتي شهدت مجازر إبادة جماعية، وعشية الإضراب أعلنت الجماهير في إدلب إنها لن تتدخر أي من الأسلحة الديمقراطية المتاحة للإفراج عن المعتقلين رافعين لافتات انحسرت تحت شعارات الحرية والوفاء للثورة في المقابل لم يتم رفع أي شعارات اقتصادية تتعلق بقيمة الإضراب نفسه. الأمر هنا قد يتحول من فكرة المواجهة المباشرة مع الدولة بمطالب سياسية تستمد قوتها واستمراريتها من مطالب اقتصادية اجتماعية إلى مجرد تخويف جنرالات الجيش، هذا التخويف سرعان ما قد يتحول إلى محض مغامرة بمجرد استخدام الآلة العسكرية وتوجيه فوهتها تجاه المطالب السياسية وحدها.

في هذا السياق، فإن عدم تنظيم الإضراب اقتصاديا وسياسيا يشير بالفعل إلى عدم تنظيم الطبقة العاملة على النحو الثوري الذي يمكنها من قيادة إضراب يدق مسامير قوية بنعش النظام. فطيلة أكثر من أربعين عاما عانت فيها التنظيمات النقابية والعمالية من التهميش والتكريس لصالح النظام لم تسفر في الآونة الأخيرة إلا عن حفنة صغيرة من شرفاء من القيادات النقابية قدموا للثورة سقفا منخفضا جدا من المطالب، وبدت في أكثر حالاتها الثورية تطالب النظام ببعض إصلاحات، بمعنى أنها انفصلت عن واقع الدماء المسالة بالشوارع. ففي الوقت الذي بدأت فيه الجماهير خوض تجربة الإضراب كواقع مفروض من الثورة كانت النقابات تصدر بيانا تطالب فيه بحقها في اعتراف النظام بعملها النقابي السلمي مطالبين بالإفراج عن معتقلي الرأي وبالأخص معتقلي الطبقة العاملة !

لعل ذلك ما يهدد الإضراب بشكل مباشر في عدم إمكانية تطوره بفتح كل الخيارات المتاحة، فلا النقابات بطبيعتها التنظيمية قادرة على تنظيم المطالب السياسية والاقتصادية للإضراب، ولا الشارع المدفوع مؤخرا برغبة الثأر يتم حماية تحركاته بتكتيكات ثورية ترفع في الوقت المناسب. هذا هو الخطر الحقيقي الذي قد يعيق حركة الانشقاقات بالجيش لإن الإضراب إن استمر على ذلك النحو لن يمس المطالب المعيشية والحاجات الاجتماعية للجنود كمواطنين سوريين وخاصة في ظل شهادات تصف ارتباك المجندين بالجيش ورغبتهم في الفرار. واحتمال فشل الإضراب هنا قد يكون الكارثة الحقيقية التي ستحل بالثورة لإن مع إخفاقه ستعود الجماهير إلى نقطة الصفر بعد تراجع ثقتها في خوض تجربة نضالية جديدة.

الثورة السورية تمر بأكثر مراحلها حدة، فإما أن تزداد الأزمة بتحول النظام السوري إلى الجانب الأكثر تنظيما في قتل الثوار وقمع الثورة، وإما أن تتبنى الجماهير قوة تنظيمية ترفع مطالب اجتماعية تجذب الجنود للانشقاق عن الجيش والوقوف بجانب الثورة، عندها ستتشبع الجماهير بخبرة النضال بالاستيلاء على السلطة بنفس خبرتها التنظيمية حتى لو اختلفت من السلمي الى المسلح وتنتصر الثورة.

اقرأ من أرشيف الموقع:

مقالات عن الثورة السورية