بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سيدي بوزيد: الشعب يعاني والحكومة تحتفل

“جئت قبل سنة ووعدت بأن تتغير الأمور خلال ستة أشهر، لكن لم يتغير أي شىء.. لا نريدك هنا”، تلك هي الكلمات التي وجهها أحد المتظاهرين لرئيس تونس المرزوقي أثناء احتفاله بالذكرى الثانية للثورة أمام حوالي خمسة آلاف شخص تجمعوا في الساحة التي شهدت إحراق البوعزيزي قبل عامين. لم يستغرق الأمر كثيراً، فبينما كان يحاول بن جعفر رئيس البرلمان إلقاء كلمته وسط الصفير والهتافات المعادية، قرر المتظاهرون الغاضبون على الجانب الآخر وضع حداً للتشدق بأعداد المشاريع التنموية حتى انهالت أعداد كبيرة أخرى من الحجارة تعلن انتهاء الاحتفال الحكومي واستمرار الغضب الشعبي.

التعليق الرسمي الذي أعلنته حركة النهضة الإسلامية الحاكمة في بيان رسمي لها على الأحداث لم يخلو أبداً من اتهام فلول الثورة المضادة وبقايا حزب التجمع المنحل بإفساد المهرجان الاحتفالي في إطار أن التهجم على المنصة المركزية، حيث كان يتواجد الرموز السياسية الحاكمة، هو نفسه التهجم على الشرعية الثورية والانتخابية!. لم تذكر لنا حركة النهضة إذا كانت الشرعية هنا تعني استصدار قانون حظر التظاهر بأبريل الماضي يخص بالتحديد شارع الحبيب بورقيبة، وهو الشارع الذي شهد أكبر ثورة شعبية رفعت عن الإسلاميين أنفسهم حظر المشاركة، أم أن الشرعية تقضي بغض طرف رموز الحكومة عن مظاهرات عارمة اجتاحت سيدي بوزيد تطالب بتحقيق مطالب الثورة في الوقت الذي جاءوا يحتفلون فيه؟!

الأمور تتضح كثيراً بمتابعة الأرقام والاحصاءات التي تقيّم ما آلت إليه تونس بعد الثورة. فمع حلول الذكرى الثانية للثورة التونسية وانطلاق شرارتها في أرجاء الوطن العربي، تكثفت بشكل ملحوظ ظاهرة إشعال المواطنين النار بأنفسهم وسط حراك شعبي متصاعد يوضح حجم السخط على آداء الحكومة وتعمد التجاهل والتهميش.

ما يقارب الآن ربع سكان تونس يعيشون تحت خط الفقر مع ارتفاع دائم لمعدلات البطالة ليصل 800 ألف عاطل يمثلون 18,9% من السكان تتركز غالبيتهم بالجنوب وجهتيه الغربية والشرقية بحسب الإحصاءات الرسمية. يتزامن ذلك مع تصريحات وزارة الصناعة التونسية بأن الاستثمارات تراجعت حالياً بنسبة 36% مقارنة بانسحاب 16%  من المؤسسات الصناعية بمحافظة سيدي بوزيد وإغلاق أبوابها وفقا لتقديرات منتصف العام الماضي، وهو ما يعني تراجع الاستثمار بالمحافظة بمعدلات أعلى من العام الماضي لتشكل بصفة غير مسبوقة انحداراً ملحوظاً. 

عروض التوظيف أيضاً انخفضت بنسبة 24%  طيلة الأشهر الماضية من العام الحالي بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي حيث أشار “اتحاد أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل” أن نسبة توظيف أصحاب الشهادات العليا بعد الثورة لم تتغير عن نسب التوظيف في عهد الرئيس المخلوع بن علي، حيث لا يتجاوز عدد فرص الشغل لهذه الفئة 25 ألف فرصة، في حين يبلغ عدد أصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل أكثر من 320 ألف شخص في ظل استفحال ظاهرة الرشوة والمحسوبية في التوظيف بالقطاع العام.

قد تكون الأرقام صادمة في مجملها ليست فقط من ناحية تقييم الوضع الاجتماعي بشكل مجرد، لكن في ظل ثورة أشعلها العاطلون والمهمشون كانت أولى مطالبها العدالة الاجتماعية وارتدت توقعاتها للخلف. وبرغم الأرقام التي تحاول الحكومة تصديرها في الخطابات الإعلامية حول المشاريع التنموية بالمحافظة إلا أنها تعكس مدى التجاهل والتهميش بازدياد معدلات البطالة والفقر وانخفاض معدلات النمو بدت أكثر واقعية وعكست بدقة حالة الغليان والغضب الذي لم يبرح شوارع مهد الثورة سيدي بوزيد طيلة عامين كاملين.

احتفالات الحكومة لم تخرج عن تلميع أداءها المتخاذل بتمرير مكاسب ضئيلة حين تتذكر الثورة وتتغنى بأسماء الشهداء، أو بمحاولات مستميتة لامتصاص غضب من أشعلوا ثورة هزت المنطقة العربية تحت دعوى أن الحكومة لا تملك عصا سحرية لتغيير إرث خمسين عاماً من الديكتاتورية كما قال المرزوقي. إنها فعلا لا تملك السحر لكنها تملك جهاز أمني من الشرطة مازال لم يتطهر أو يعاد هيكلته ومازال يوجه أسلحته لصدور الثوار ويتصدى لتظاهراتهم ومازال يعتقل المئات ويقوم بتعذيبهم، ومازال أيضاً يحمي الدولة ورموزها ويؤمن احتفالاتهم. ألا يعتبر ذلك أيضا إرثاً وتكريساً لديكتاتورية جديدة؟

وإذا كان وزير التشغيل بنفسه أعلن صعوبة تقديم حل نهائي لمشكلة البطالة التي طالما ارتبطت بالفساد وبنمط تنمية خاطئ وضعه النظام القديم، فلماذا تتبع الحكومة الحالية، والمدعية للشرعية، نفس السياسات الاقتصادية للنظام المخلوع؟

المرزوقي حاول الاعتماد بشكل أساسي على دخول رجال الأعمال في إعادة إنعاش الاقتصاد التونسي، وهو ما بدا واضحا للغاية بعد تنصيب الحكومة الحالية، حيث دعا إلى حوار يهدف لطمأنة رجال الأعمال بتوفير مناخ مناسب لزيادة استثماراتهم، وفي سبيل ذلك عمد إلى استصدار قانون يجرم الإضرابات والاعتصامات العمالية تحت دعوى أنها تسبب الانتحار الجماعي وسط توقعاتهم بارتفاع معدلات الاستثمار بنسبة 24%. 

المرزوقي حاول التحايل على المطالب الاجتماعية بتجاهل مطلب وضع حد أدنى وحد أقصى للأجور واستصدار ميزانية للعام القادم تهدف لخطط تقشفية حادة ضد معيشة المواطنين، إلا أن هروب قطاع كبير من رجال الأعمال الذين حاول استرضائهم كانت النتيجة الحتمية لسياسة مسك العصا من منتصفها والتي كان يهدف من خلالها للحفاظ على التوازنات الاقتصادية لرجال الأعمال دون الاعتماد أولاً على تحقيق المطالب الاجتماعية الملحة للجماهير الثائرة، في تخبط واضح بتقديم تنازلات ضخمة للرأسماليين والضغط على الحركة الاجتماعية الصاعدة دون أن يكسب أي من الأطراف لصالحه، حتى يخرج علينا الرئيس أثناء احتفاله ليقول:”للمرة الأولى لدينا حكومة لا تسرق أموال الشعب”!.

الحكومة التي اكتفت من الثورة باحتفالات ومهرجانات لن تستطيع، مهما حاولت، اختزال الحركة الاجتماعية التي كانت تنفجر عقب كل ضغط عليها. ربما حاول بعض السياسيين في تونس الاحتفال على أنقاض ثورة يسعون لدفنها، لكن الجماهير ستحتفل غداً بثورتها الاجتماعية المقبلة.