بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سياسة الإرهاب: ما هو تنظيم القاعدة؟

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر احتلت القاعدة مركز العدو الأول للولايات المتحدة. تتتبع آن آشفورد تطور منظمة القاعدة مؤكدة أنها لا يمكن أن تمثل خيارًا للتغيير الحقيقي الذي لا يأتي إلا من أسفل.

في بدايتها كانت “القاعدة” عبارة عن شبكة من القواعد العسكرية المخصصة للمتطوعين الأجانب الذين التحقوا بالمجاهدين الأفغان في حربهم المقدسة ضد الاتحاد السوفييتي. وكانت الشركة المملوكة لعائلة أسامة بن لادن – شركة مقاولات سعودية – قد أرسلت المهندسين الذين قاموا بإنشاء مجمع الأنفاق الضخم في خوست بأموال دافعي الضرائب من الأمريكيين. كان ذلك في عام 1986 وفي عز حماسة الـ”سي آي إيه” لتوسيع نطاق الحرب الشاملة على الشيوعية.

خيبة الأمل:
لكن لفهم أسباب عدم رحيل المتطوعين العرب والمسلمين بمجرد انتهاء الحرب، علينا أن نعود إلى الوراء – إلى فترة ازدهار التيار الإسلامي الراديكالي في أواخر السبعينيات. فالكثير من القادة “الأفغان العرب” شهدوا عصر ظهور الجماعات الإسلامية الراديكالية في جميع أرجاء العالم العربي في السبعينيات. وكثيرًا ما كانت تلك الجماعات الجديدة تنتقد سلبية وجمود الجماعات الموجودة بالفعل كجماعة الإخوان المسلمين، وكانوا متأثرين بدروس سيد قطب – المثقف الإسلامي الذي تم إعدامه على يد جمال عبد الناصر في 1966. آمن قطب بأن الدولة والمجتمع قد ارتدوا إلى جاهلية ما قبل الإسلام ودعا المسلمين إلى مقاومة الحكام العرب مهما كان الثمن. وأصبح له أتباع بين جبل خذلته الأحزاب القومية والشيوعية نتيجة لمواقفها المهادنة مع الدولة.

من المثير للسخرية أن من فتح الباب لإعادة إحياء ذلك التيار الإسلامي هو أنور السادات، على أمل أن تتمكن المجموعات الطلابية الإسلامية الجديدة من تخليص الجامعات من تأثير اليسار. ومع فقدانه السيطرة على العملية التي وجهها بنفسه، لجأ السادات إلى القمع موقعًا بذلك على ترخيص دفنه، فتم اغتياله في 1981 على يد مقاتلين من الجهاد الإسلامي على أمل أن تشعل عمليتهم انتفاضة جماهيرية.

لكن لم تقم أبدًا الثورة الإسلامية في مصر. وبعد مصرع السادات انتقلت السلطة بسلاسة شديدة إلى حسني مبارك. كان أيمن الظواهري من بين المئات الذين ألقي القبض عليهم بعد عملية الاغتيال وبعد الإفراج عنه مكسورًا من شدة التعذيب رحل عن مصر إلى أفغانستان.

وفرت الحرب ضد الاتحاد السوفييتي توجهًا جديدًا للمحبطين المنتمين إلى التيار الإسلامي الراديكالي في السبعينيات. في عام 1986 وافقت الـ “سي آي إيه” على توفير خبراء لتدريب المقاتلين الأفغان، وفي نفس الوقت دعمت مشروع مقدم من المخابرات الباكستانية مفاده تجنيد المسلمين من جميع أنحاء العالم للانضمام إلى ساحة المعركة هنا. ورأت الطبقة الحاكمة السعودية في ذلك فرصة لبسط نفوذها عن طريق الترويج للوهابية. وكان المركز التنظيمي لمعظم تلك العمليات هو مكتب الخدمات الذي أنشأه عبد الله عزام، المسئول حينذاك عن اتحاد العالم الإسلامي في مدينة بيشاور. بعد اغتيال عزام في 1989 تولي أسامة بن لادن مهامه الخاصة بتوفير الخدمات للمتطوعين الأجانب.

بعد مرور عام عاد بن لادن إلى موطنه في حالة من الإحباط نظرًا للصراعات التي نشأت بين قادة المجاهدين المنتصرين. وكحال كثير من رفاقه من حملة السلاح، أصابته العودة إلى الوطن بالمزيد من الإحباط. فبعد احتلال العراق للكويت في صيف 1990، طلب الملك فهد قوات أمريكية للعمل في القواعد العسكرية. وعرض بن لادن تنظيم أصحاب الخبرة ممن حاربوا مع المجاهدين في حرب العصابات كبؤرة لميليشيا إسلامية تعمل على حماية المملكة من أي هجوم من قبل صدام حسين. وبعد أن رفض عرضه، بدأ بانتقاد الملكية علنًا ومن ثم وصف العائلة المالكة بالمرتدين عن الإسلام.

لم ينقلب المجاهدون العائدون إلى أوطانهم على حكوماتهم في المملكة العربية السعودية فحسب، فلقد ساهم الجزائريون الذين حاربوا في أفغانستان في إنشاء الجماعات الإسلامية المسلحة التي خاضت حربًا أهلية دموية ضد الجيش الجزائري بعدما أرسل الجنرالات دباباتهم لمنع جبهة الإنقاذ الإسلامي من الفوز في انتخابات 1992. وساهمت عوامل خارجية أخرى في زيادة حدة استيائهم. فانتهاء الحرب الباردة جلب معه كما أكبر من التناقضات نتيجة لمحاولات الطبقة الحاكمة الأمريكية التأكيد على هيمنتها أمام منافسيها الجدد. كان هذا هو المنطق وراء التدخل الأمريكي في الصومال والبلقان، والإبقاء على الحصار في العراق حيث تسببت عقوبات الأمم المتحدة في قتل مئات الآلاف من البشر. في ذات الوقت، انهارت الأوهام حول عملية السلام في فلسطين بقيام انتفاضة جديدة، انتفاضة سنة 2000. وشاهد الملايين حول العالم في هلع رهيب الدبابات الإسرائيلية وهي تسحق المتظاهرين الفلسطينيين.

في غضون ذلك ذهب بن لادن إلى السودان أولاً ثم عاد إلى أفغانستان في 1994 وأصبح لمعسكرات التدريب القريبة من بيشاور دور جديد هذه المرة كقاعدة لحملة عالمية ضد الولايات المتحدة. وتحالف بن لادن مع طالبان وانقلب ضده الكثير من أنصاره السابقين – فسحب السعوديون عنه الجنسية في 1994 وجمد الأمريكان أرصدته في 1996. لكن على الرغم من ذلك ظل بينهم حلفاء مشتركون فاستمر التمويل السعودي في الوصول إلى طالبان. كما حرص المسئولون في الإدارة الأمريكية على علاقتهم بطالبان على أمل أن يجلبوا الاستقرار وأنابيب البترول إلى أفغانستان. كما حافظ بن لادن على دعم قطاعات من المخابرات الباكستانية. وفي 1998، وأيمن الظواهري إلى جانبه، أعلن بن لادن عن بناء “الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين”، ووجهت الجبهة نداءها إلى المسلمين بقتل “الأمريكيين وحلفائهم” الذين قاموا باحتلال ونهب الشرق الأوسط. وبعد ذلك بفترة وجيزة دمرت العربات المفخخة السفارات الأمريكية في نيروبي ودار السلام.

المطلوب الأول في العالم:
شهدت السنوات اللاحقة ارتقاء بن لادن إلى المنصب الذي يحتله اليوم – المطلوب الأول في العالم. المسئولون في الإدارة الأمريكية سرعان ما حملوه مسئوليات الهجمات التي دمرت مركز التجارة العالمي في سبتمبر 2001 وأرسلت القوات لإسقاط طالبان. وقيل أن لديه صلات بصدام حسين. فتجاهل المسئولون في الإدارة الأمريكية التناقض الفكري الفج بين حزب البعث العلماني والإسلام الراديكالي لدى أسامة بن لادن. وفي تصريحات مسجلة شاهدها الملايين، أعلن المتحدث باسم القاعدة مسئوليتها عن سلسلة من الهجمات على أهداف أوروبية، والجنود الأمريكيين في السعودية، والسياح الإسرائيليين في مومباسا، وموظفي الأمم المتحدة في بغداد. هكذا بدا أن سطوة بن لادن غير محدودة.

إلا أن مصدر القوة الرئيسي للقاعدة يأتي في الحقيقة من مواقف الإدارة الأمريكية. فمع كل مغامرة حربية جديدة، ومع كل تصريح يدعم إسرائيل ضد الفلسطينيين، نشهد إيمان المزيد من صغار السن بأن العنف الفردي هو السبيل الوحيد لمقاومة الإمبريالية الأمريكية. موجات القمع الموجهة ضد نشطاء التيار الإسلامي على يد حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية المحليين لا تفعل سوى تسريع هذه العملية. فالقاعدة لم تجتذب من الأنصار أبدًا ما يزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة – فشبكة بن لادن بالتعريف كانت نخبوية على الدوام. الأعداد المشتبكة بها لا تقارن بمئات الآلاف الذين تظاهروا تضامنًا مع الفلسطينيين أو الملايين حول العالم الذين تظاهروا ضد الحرب على العراق. لكن الازدياد المذهل لوتيرة التدخلات العسكرية الأمريكية خلال عقد التسعينيات أسس لعملية توفر المجندين الجدد باستمرار. قد يكون المقاتلون الأفغان وفروا المعلومات الحربية الخاصة بالهجمات الجديدة، لكن الكثير من هؤلاء المجندين لم يكونوا قد ولدوا في الوقت الذي بدأ فيه المجاهدين حربهم. في المغرب، على سبيل المثال، على الرغم من إلقاء السلطات القبض على بعض المواطنين السعوديين بتهمة الإرهاب، إلا أن الانتحاريين الذين قاموا بهجمات على مركز تجمع لليهود بدار السلام كانوا من حي فقير في الرباط وأعضاء في جماعة إسلامية محلية.

في النهاية يمكن القول أن قدرة الإستراتيجية السياسية لتنظيم القاعدة على إحداث تغيير حقيقي لن تتجاوز قدرة عملية اغتيال السادات التي قام بها الجهاد الإسلامي. فخطاب القاعدة الذي يدور حول فكرة الجهاد العالمي يخفي وراءه فشل قادته في بناء تنظيم قادر بالفعل على تحدي السلطة المصرية أو السعودية، ولندع جانبًا الطبقة الحاكمة الأمريكية. وكلما تسننت الفرصة لبن لادن، اختار العمل من أعلى سواء انعكس ذلك في مناورات مع قطاعات من الطبقة الحاكمة الباكستانية أو عقد الصفقات مع الـ”سي آي إيه” أو العمل مع الملا عمر زعيم طالبان. أما التحرر الحقيقي فلا يمكن أن يأتي إلا من أسفل.