بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تفجر الوضع في كينيا

يبدو أن الوضع في كينيا كان على الحافة بحيث ينتظر ظرف الانتخابات الرئاسية لينفجر ولتتفجر معه كل القضايا الكينية بكل أبعادها و زواياها.

فمن احتجاجات سياسية سببها التلاعب في نتيجة الانتخابات قابلها النظام الكيني بقمع وقتل المحتجين، إلي عنف قبلي لا ينتهي أو يتوقف عند حد، عنف يحرق فيه المدنيون أحياء ويضربون حتي الموت.

وقد تفجرت الأوضاع في كينيا عقب الإعلان عن فوز مواي كيباكي في الانتخابات الرئاسية، فسرعان ما أعلن مرشح المعارضة ورئيس حزب الحركة الديمقراطية البرتقالية رايلي أودينجا رفضه لنتائج الانتخابات وتشككه في صحتها، وقد دعا أودينجا أنصاره للنزول إلي الشارع لإعلان رفضهم لتلك النتائج ولإجبار كيباكي على التنحي، وقد استجاب المحتجون لنداء أودينجا الذي تزايدت شعبيته في الآونة الأخير علي خلفية الغضب من النخبة الحاكمة في كينيا والرغبة في التغيير.

خرج المتظاهرون ليقابلوا رصاص الشرطة التي استخدمت الذخيرة الحية لإرهاب المتظاهرين وتفريقهم مما أدي إلي مصرع ما يزيد عن 650 شخصاً على أيدي الشرطة بما يفوق حتى الآن عدد القتلى بسبب العنف الطائفي هناك، وقد تطورت الأوضاع بسرعة ليصبح جانباً من المواجهات بين المدنيين أنفسهم، عنف موجه ضد أفراد ممن ينتمون لقبيلة كيكويو التي ينتمي إليها الرئيس كيباكي، يغذيه إحساس متنامٍ بين الكثيرين بأن أفراد هذه القبيلة يستأثرون بكل المميزات نتيجة علاقتهم بالنخبة الحاكمة، وعنف مضاد تجاه أفراد من قبيلة لوو التي ينتمي لها أودينجا زعيم المعارضة.

وقد تبادلت كل من الحكومة والمعارضة الكينيتين الاتهامات بتأجيج العنف الطائفي في البلاد والذي أدي إلي نزوح 250 ألف مواطن كيني عن منازلهم، وقد بُذلت محاولات عدة للصلح بين طرفي الأزمة ولتهدئة الأوضاع في كينيا، وقد شارك في تلك المحاولات شخصيات مثل نلسون مانديلا وكوفي عنان ولكن حتي هذه اللحظة لم يتم حل الأزمة.

لم تكن الأوضاع دائماً بمثل هذه الصورة في كينيا، ففيما مضي وقبل الاحتلال البريطاني لكينيا في أواخر القرن التاسع عشر، كانت التجمعات العرقية متداخلة بدرجة كبيرة وكان التزاوج بين هذه التجمعات أمراً عادياً، ولم يكن هناك أي تمايز أو اختلاف في نمط حياة هذه القبائل و وضعها الاقتصادي أو الاجتماعي، ولكن لكي يتمكن الاحتلال البريطاني من فرض سيطرته على كينيا قام بتقسيم هذه التجمعات وفصلها عن بعضها، بل إن العديد من التجمعات العرقية الحالة – والتي وصل عددها إلي 43 قد أخذ اسمه وشكله المعاصر على يد الاحتلال، وقد اتبع البريطانيون سياسة “السيطرة الخفية” وذلك عن طريق استخدام حكام محليون للمناطق المختلفة في كينيا، وبطبيعة الحال لم يكن هؤلاء الحكام منتخبين كما أن ولائهم ومصالحهم كانت بالأساس مع الاحتلال، وقد شكل هؤلاء مع أفراد الحكومة طبقة الموالاة التي اعتمد عليها الاحتلال في كثير من الأمور، وقد منحوا مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة مما ساهم بشكل أساسي في خلق طبقة من ملاك الأراضي الكينيين، كما قام الاحتلال والحكومة الموالية له بتسليح تجمعات عرقية بعينها وشكلا منها قوة عسكرية لمواجهة الاحتجاجات التي اندلعت سنة 1952 في كينيا فيما عرف وقتها بتمرد “الماو ماو”.

وقد شكل تمرد الماو ماو مع تحركات النقابات رأس الحربة في مواجهة سياسات التفرقة العنصرية التي عاني منها الكينيون في كل أوجه الحياة، بدأً من مصادرة أفضل وأجود الأراضي ومنحها للمستوطنين البيض والموالاة بعد طرد السكان الأصليين منها، وصولاً إلي فرض ضرائب باهظة على الكينيين في مقابل توجيه كل الدعم المادي والخدمي للمستوطنين وبمن يخدمون الاحتلال.

وفي بداية المواجهات المسلحة – والتي استمرت حتي 1956- نجح الماو ماو في استعادة الأراضي المصادرة والتي كانت قد منحت للموالاة، وبذلك أصبح لديهم -أي الموالاة- دافعاً قوياً لمواجهة أعدائهم من بني جلدتهم.

وعلى الفور تحول الفلاحون بالقوة إلي جنود يتبعون الحكومة ليدخلوا في مواجهات دامية مع متمردي الماو ماو، لينتهي الأمر في 1956 بهزيمة الماو ماو وسحق المتمردين.

أستتب الأمر مؤقتاً لبريطانيا ولكن الوضع لم يستمر طويلاً فقد خرجت بريطانيا من كينيا سنة 1963 تحت ضغط المطالبين بالاستقلال، وعقب خروج الاحتلال والمستوطنين معه تمكنت الموالاة من شراء الأراضي والممتلكات الغربية لتشكل بذلك طبقة رأسمالية كينية.

الأوضاع التي خلفها الاحتلال وراءه استمرت بعد الاستقلال، الثروة والأرض والسلطة في يد الأقلية الحاكمة في كينيا بينما الأغلبية تغرق في الفقر، بالإضافة لرواسب لم تختفي بعد من التحيزات القبلية.

الأوضاع الاقتصادية أيضاً لها دور كبير في تفجير الأزمة الحالية، فالتطبيق المستمر لسياسات الليبرالية الجديدة قد أدي لزيادة أعدد الفقراء والعاطلين عن العمل والمشردين ومن يسكنون في مدن الصفيح بشكل مستمر، وقد أدت إعادة الهيكلة الاقتصادية لبعض الصناعات مثل صناعة النسيج إلي خفض العمالة فيها لدرجة كبيرة (من 200000 عامل إلي 35000 عامل في قطاع النسيج)، وهذا يعطي للغضب الذي نراه اليوم بعداً اقتصادياً واجتماعياً، فالأحياء الفقيرة هي الأكثر مشاركة في الاحتجاجات ضد تزوير الانتخابات.

وهذا لا ينفي بالطبع الجانب السياسي عن الموضوع، فالفساد أصبح مشكلة حقيقية في كينيا، وقد عجز كيباكي عن القضاء عليه، كما أن الكينيين لا يريدون التنازل عن هامش الديمقراطية الذي تحقق بانتخابات 2002 وهي أول انتخابات حقيقية في كينيا.

وبالرغم من أن أودينجا يمثل أفضل البدائل المطروحة للرئاسة، إلا أن برنامجه لا يحتوي على أي إصلاحات جذرية في المجتمع الكيني، نفس الوعود بمحاربة الفساد و ترسيخ الديمقراطية، كما أن حزبه يدافع عن سياسات تحرير السوق والتي تسببت في إفقار ملايين الكينيين، ولهذا يعتبر البعض أنه في حالة انتصار أودينجا في المعركة الحالية فإن ذلك لن يغير من الأوضاع بشكل جذري ولكنه على الأقل سيحافظ على المكاسب الديمقراطية التي تحققت فيما مضي والتي يريد كيباكي أن ينتزعها من يد الجماهير.

إن ما تحتاجه كينيا اليوم هو بديل حقيقي يقف في مواجهة سياسات الإفقار، بديل يتخطي التحيزات العرقية ويقف في مواجهتها، بديل يري أن التناقض الحقيقي في المجتمع الكيني ليس بين التجمعات العرقية وبعضها بالأساس، وإنما بين من يملكون …….ومن لا يملكون.