بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اتفاق الخليل وحقيقة عملية السلام

أخيرًا، وبعد ضجيج كثير، وقعت السلطة الفلسطينية مع إسرائيل اتفاق إعادة الانتشار في مدينة الخليل في 15 يناير الماضي! وكالعادة تمخض جبل التصريحات – عن “السلام العادل والشامل” وعن “ضرورة المواجهة الحازمة للتعنت الإسرائيلي”.. بل وعن “انحياز الولايات المتحدة للصف الألف أن السلطة “الفلسطينية لم ولن تتزحزح عن موقفها الثابت والمعلن: الرضوخ الكامل للإمبريالية وللدولة الصهيونية، والتصفية الكاملة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني مع قمع إمكانية الحل الثوري للقضية.

لقد كان نتانياهو محقًا تمامًا عندما أكد أمام الكنيست (الذي وافق بأغلبية ساحقة على الاتفاق) “أننا لا نترك الخليل.. أننا فقط نعيد انتشار قواتنا فيها”، وعندما أكد للصحفيين – بعد خروجه من الكنيست – أننا لا نريد العودة إلى خطوط 1967 ولا السماح بقيام دولة فلسطينية. نريد أن يتمتع الفلسطينيون بحكم ذاتي موسع لكن من دون سيادة. فكل ما “حققه” الاتفاق في مسألة الخليل هو إعادة نشر القوات الإسرائيلية في المدينة بحيث تظل مسيطرة على 20% منها بالإضافة إلى سيطرتها على المستوطنات والمناطق المحيطة بها، مع السماح للسلطة الفلسطينية بتسلم المدينة وبنشر 400 شرطي (مسلحين ب 200 مسدس و100 بندقية) في المناطق الباقية!! أما فيما يتعلق بباقي الانسحابات وحجمها “وفقًا لاحتياجاتها الأمنية”.

حقًا، لقد أعطى رجال السلطة الفلسطينية – الخدم الأذلاء للامبريالية – معنى جديدًا للتحرر الوطني عندما أقدموا “ببسالة” على “تحرير” مدينة الخليل من الاحتلال الإسرائيلي عن طريق بقاء الجيش الإسرائيلي مسيطرًا على 20% من المدينة وعلى المناطق الإستراتيجية بها في حين أن قوات، التحرير “قوامها 400 شرطي مسلحين بالبنادق والمسدسات!!

السلام يفقد سحره:
لم يكن هناك أي جديد في هذا الخضوع المهين لعرفات ورجاله للدولة الصهيونية وللامبريالية الأمريكية. الجديد كان في الاستقبال الفاتر الذي استقبلت له برجوازيات المنطقة اتفاق الخليل، وفي ازدياد الشعور لدى الجماهير الفلسطينية بأن هذا السلام ليس إلا وهمًا لا مضمون فعلى له.

فعلى الرغم من الشعور بالارتياح الذي سرى في أوساط الطبقات الحاكمة في مصر والأردن وفي أوساط البرجوازية الفلسطينية بعد توقيع الاتفاق، إلا أن ذلك لا يقارن بحالة النشوة التي سادت نفس هذه الأوساط قبل عام واحد بالضبط عندما انتخب عرفات – بعد أسابيع قليلة من “إعادة انتشار” الجيش الإسرائيلي في ست مدن بالضفة الغربية – رئيسًا لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية بأغلبية 87% من الأصوات. وقتها كان عرفات ورجاله يشعرون بالزهو والثقة الشديدين، ليس فقط لأنهم “حرروا” ست مدن فلسطينية في الضفة وإنما أيضًا لأنهم استطاعوا – كما دلت على ذلك صناديق الانتخاب – أن يتمتعوا بهيمنة سياسية واسعة نسبيًا في أوساط الجماهير الفلسطينية التي أذاقها الاحتلال والاضطهاد الامبريالي الكثير من الويلات. فعلى الرغم من أن جماهيرية عرفات ومنظمة فتح أوائل 1996 لم تكن تعبر عن القبول التام لدى. الجماهير للخط البرجوازي الذي يتبنونه لحل (أو بالأحرى تصفية) القضية الفلسطينية بمقدار ما كانت تعبيرًا عن توق تلك الجماهير لتحقيق أي شيء – حتى لو كان فقط تحقيق سلطة حكم ذاتي محدودة في بعض المدن الفلسطينية -، إلا أن عرفات نجح بدهاء الساسة البرجوازيين أن أن يستثمر جماهيريته تلك في تفتيت وتشتيت أي وكل معارضة لسياساته.

أما الآن وبعد إعادة الانتشار في المدينة السابعة بالضفة الغربية (الخليل)، فإن عرفات قد أصبح أقل إقناعا للجماهير – بل وللطبقة البرجوازية التي يمثلها – في قدرته على تحقيق أي تغيير يذكر. لقد أصبح “السلام” الآن موضع تساؤل وشك لدى الكثيرين، حتى لدى البرجوازيين الذين لا يزالون يرون أنه البديل الوحيد! شتان الفارق بين مزاج الجماهير المتفائل عند تسليم المدن السب بالضفة قبل حوالي عام وبين حالة التشكك في السلام التي تسود في أوساطها الآن بعد تسليم الخليل (رغم أن تسليم المدن كان له معنى واحد تقريبًا في الحالتين: بقاء السيطرة الاستعمارية). وشتان الفارق بين التصريحات الواثقة والمتحدية لمبارك، مهندس عملية إخضاع الشعب للإمبريالية، وأوائل العام الماضي، وبين تصريحاته الآن عن صعوبة وتعقد العملية وعن إمكان لانتكاسات. فما الذي تغير بالضبط وأدى على فقدان السلام لسحره؟ وأي بديل يمكنه أن يحقق طموحات الجماهير العمالية والفلاحية في فلسطين المحتلة في التحرر من الاضطهاد الامبريالي الذي يستذلهم؟

حقيقة تعنت نتانياهو:
مؤيدو السلام من الرأسماليين والساسة البرجوازيين وأبواقهم من الكتبة والصحفيين، يلقون باللوم في انتكاس عملية السلام على أمرين أثنين: الإرهاب وحكومة الليكود برئاسة نتانياهو. إن هذا التفسير للاهانة والمذلة التي يتلقاها عرفات ورجاله صبحا مساء من الدولة الصهيونية العنصرية يوافق هو أهم تمامًا. فهو يطمس الحقيقة الأساسية: أن إهانات اليوم هي الابنة الشرعية لإستراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية السياسية في التحرر الوطني. تلك الإستراتيجية التي عبرت عن مصالح البرجوازية الفلسطينية في احتواء، وأحيانًا تحطيم، المقاومة الجماهيرية للاحتلال مقابل التوصل لتسوية “ما للقضية” لا تتناقض مع مصالح الامبريالية أو مصالح كلب حراستها إسرائيل. لقد كانت كل الدلائل تشير إلى أن عرفات سينحدر لا محالة إلى مستنقع المهانة والتنازلات الذي وصل إليه اليوم. فإذا ما أتى أحد اليوم، عن غفلة أو عن سوء نية، ليقول إن الدرك الأسفل الذي أستقر فيه عرفات هو نتيجة أفعال السيد نتانياهو فهو بالتأكيد دجال. فلا أحد يستطيع أن ينكر على نتانياهو – رأس الدولة الصهيونية المحتلة – حقه “في التنكيل بالقيادة البرجوازية لحركة وطنية أخافتها المبادرات النضالية لجماهيرها العمالية والفلاحية إلى حد الارتماء في أحضان الاستعمار والامبريالية. إن نتانياهو، والحق يقال، ليس متعنتا على الإطلاق، بل هو عاقل تمامًا. فهو يحصد ما زرعته منظمة التحرير الفلسطينية طوال عقود من الرضوخ الكامل لمصالح البرجوازية الفلسطينية.

إن تباكي الطبقات الحاكمة في المنطقة العربية على أيام حكومة حزب العمل الذهبية وادعائها بأن الليكود – وليس الدولة الصهيونية في حد ذاتها بغض النظر عمن يحكمها – هو وحده الذي يتبنى سياسات استعمارية هو محض كذب. فالعلاقة بين نتانياهو وبيريز هي أقرب ما تكون إلى علاقة الوجه القبيح بالقناع الخادع. فلننظر عن قرب كيف أن القناع الخادع (حزب العمل) لا يقل استعمارية ووحشية عن الوجه القبيح (حزب الليكود).

أولاً: ينص اتفاق أوسلو (وبعده معاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية) على تشكيل “لجنة شئون النازحين”، وهي لجنة رباعية إسرائيلية فلسطينية أردنية مصرية لبحث مصير اللاجئين والنازحين الفلسطينيين في 1948 و1967 الذين أجبرتهم الحروب الاستعمارية على الهروب من فلسطين. وقد عقدت هذه الجنة ست اجتماعات في ظل حكومات حزب العمل، ثم قررت حكومة نتانياهو التي تشكلت في منتصف 96 أن تقاطع اجتماعها في سبتمبر الماضي، وهو ما يعتبره مروجو أكذوبة أن هناك فارق كيفي بين حزبي العمل والليكود دليلاً على صحة ادعاءاتهم. ولكن هل كان غياب إسرائيل عن الاجتماع الأخير مختلفًا حقًا عن حضورها الاجتماعات التي سبقته؟ أبدًا. فقد أصرت إسرائيل بيريز (التي حضرت الاجتماعات الستة) على تعريف النازحين بأنهم فقط من تركوا الضفة وغزة خلال الأيام الستة لحرب 1967 (أقل من 200 ألف). أما عائلات هؤلاء النازحين، أو أولئك الذين أرغموا على النزوح بعد ذلك، أو من كانوا خارج الأرض عند احتلالها في 67 ولم تسمح لهم سلطة الاحتلال بالعودة… أما كل هؤلاء فلا يدخلون في تعريف النازحين وفق قاموس بيريز! والنتيجة أن اللاجئين ظلوا في مخيماتهم وإسرائيل ظلت محتلة الضفة. أما إسرائيل نتانياهو (التي قاطعت الاجتماع السابق) فقد وصلت إلى نفس النتيجة، ولكن من دون الخوض في مشقة المفاوضات. فأي فارق كيفي يمكن أن يستنتجه القارئ من هذا بين حكومتي العمل والليكود؟

ثانيًا: يدعي مروجو كذبة الفارق الكيفي بين العمل والليكود أن السياسات الاستيطانية لحزب الليكود تهدد بنسف عملية السلاح من جذورها، ويدعون أيضًا أن حزب العمل – على العكس – تخلى، من أجل عيون السلام، عن كل المطامح الاستيطانية. إن توسيع الاستيطان هو بالطبع أحد ركائز سياسة نتانياهو الذي أقدم على إلغاء لجنة شكلتها حكومة حزب العمل السابقة للحد من الاستيطان على أراضي الضفة والقطاع، والذي قرر مؤخرًا منح المستوطنات الإسرائيلية صفة “أفضلية التطوير من الدرجة الأولى”. ولكن هل هناك فارق كيفي حقًا بين السياسة الاستيطانية لحزبي العمل والليكود؟ حكومتي رابين وبيريز قد أقدمنا – في نفس الوقت الذي امتنعتا فيه عن بناء مستوطنات جديدة تطبيقًا لاتفاقات أوسلو – على توسيع المستوطنات القائمة بالفعل توسيعًا مذهلاً. فقد أرتفع عدد سكان المستوطنات خلال السنوات الثلاث التالية لتوقيع اتفاق سبتمبر 1993 بمعدل فلكي من 104 ألف إلى 150 ألف! كما أن الأرقام الإسرائيلية ذاتها تقدر حجم الأراضي الفلسطينية التي تم الاستيلاء عليها، أو تحديدها كمناطق أمنية، خلال السنة التالية لسبتمبر 1993 بما يقرب من 20 ألف فدان! فأي فارق كيفي يمكن أن يستنتجه القارئ من هذا بين حكومتي العمل والليكود؟ لا شيء.. لا شيء على الإطلاق.

إن من يريد أن يفهم حقًا السبب الحقيقي وراء تردي عملية السلام عليه أن يبدأ بنبذ الوهم الساذج أن نتانياهو هو الذي سمم الأجواء بإصراره على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نتانياهو وإنما في طبيعة “عملية السلام” ذاتها بكل ما تنطوي عليه من ترسيخ للهيمنة والإمبريالية على فلسطين.

إن البداية الرسمية لعملية السلام بين منظمة التحرير وإسرائيل كان في 1991. ولكن قبل هذا كان هناك تاريخ طويل من التخضير والإعداد، تاريخ طويل من إتباع المنظمة لسياسات تتوافق تمامًا مع مصالح البرجوازية الفلسطينية الحديدة التي تشكلت في أعقاب هروب الرأسماليين وكبار الملاك، ومعهم ممتلكاتهم سهلة النقل، إلى البلدان العربية المجاورة بعد نشوء دولة إسرائيل في 1948. لقد تضخمت، عبر السنوات، ثروات هذه الطبقة إلى حد مذهل، وتضخمت أيضًا أحلامها في خلق دولة خاصة بها كأي برجوازية قومية أخرى. وبينما كان الرأسماليون الفلسطينيون يتمتعون في دول المهجر بكل ما يمكن أن تتمتع به أي طبقة رأسمالية، عدا الدولة القومية بالطبع، كان العمال والفلاحون والشرائح الأدنى من الطبقة الوسطى يعانون من الاضطهاد القومي والاستغلال الطبقي سواء من فلسطين المحتلة أو في مخيمات اللاجئين في الدول العربية المجاورة. وعلى أساس هذه المفارقة في مصائر الطبقات، الطبيعية جدًا في كل مجتمع طبقي، تشكلت كل القوى السياسية المتنافسة في التعبير عن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، من ضمنها منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة فتح التي صارت الفصيل المهيمن في المنظمة.

لقد اتبعت المنظمة منذ نشوءها إستراتيجية سياسية “وطنية” قائمة على التوافق بين الطبقات وعلى نبذ أي معارك طبقية قد “تشوش النضال الأساسي، أي النضال الوطني”. دافعت المنظمة عن مبدأ عدم التدخل في شئون الدول العربية، وهو المبدأ الذي عبر عن رؤية سياسية تدعي أن إنجاز الثورة الفلسطينية لا يتصادم مع مصالح البرجوازيات المسيطرة في الدول العربية. أي أن المنظمة كانت تعبر باختصار عن موقف ومشروع البرجوازية الفلسطينية من مسألة التحرر الوطني الفلسطيني.

ولقد دافعت حركة المقاومة الفلسطينية، في الأراضي المحتلة وفي الأردن وفي لبنان وبأيدي إسرائيلية أردنية وسورية ومصرية، ثمن هيمنة خط المنظمة في أوساطها. فعند كل منعطف سياسي حاد، وفي كل لحظة كانت الثورة الفلسطينية فيها تصل إلى أحدى ذراها، كان الرعب والهلع يصيبان البرجوازية الفلسطينية والبرجوازيات للجماهير بأشد أشكال العنف دموية مفصحين بذلك عن حقيقة لم سكن من الممكن أن يراها الوطنيون البرجوازيون والبرجوازيون الصغار: أن الانتفاض الثوري للجماهير الفلسطينية أشد أخطرًا بكثير على مصالح برجوازيات المنطقة من استمرار السيطرة الامبريالية.

وقد كان الاستنتاج السياسي الذي تخرج به المنظمة من كل هزيمة تلقاها حركة المقاومة الفلسطينية، كما في الأردن 1970 أو في لبنان 1982، هو الغرق أكثر فأكثر في الركوع أمام الامبريالية العالمية والإقليمية. إلى أن أتى الوقت – أو آخر الثمانينات وأوائل التسعينات – الذي قررت فيه أن تتخلى تمامًا عن مشروع التحرر الوطني وتبدأ في عملية “تسوية سلمية” للقضية. وكما يقولون، فإن الحرب هي استمرار للسياسة ولكن بطرق أخرى. أما في حالتنا هذه فالسياسة – أي التسوية السلمية – كانت تعكس بشكل دقيق موازين القوى كما عبرت عن نفسها في ميدان القتال. لم تبدأ منظمة التحرير مفاوضات السلام بعد قيادتها حرب التحرير الوطنية إلى الانتصار، وإنما بدأتها بعدما رأت أن مجرد مواصلة المقاومة تعرض مصالح البرجوازية الفلسطينية، التي تمثل المنظمة مصالحها، لأكبر خطر. وقد كان هذا إيذانا بوصول التناقض بين المصالح السياسية الإستراتيجية لتلك البرجوازية وبين مصالح الجماهير العمالية والفلاحية إلى نقطة اللا عودة.

لقد ربطت البرجوازية الفلسطينية الجديدة منذ نشوءها بين مصالحها ومصالح برجوازيات المنطقة التي ولدت. ونمت في ظلها. وقد كان كل تقدم في النضال يؤدي على إنضاج التناقضات الطبقية داخل “البين الفلسطيني” يدفع هذه البرجوازية، ومعها المنظمة ممثلة المشروع السياسي، إلى تعميق الروابط مع الأنظمة العربية حفاظًا على وجودها. ولذلك، ففي الوقت الذي وصلت فيه كل الأنظمة العربية إلى قرار التسوية السلمية كان لابد للمنظمة وأن تنصاع، خاصة وأن التوازن بين القوى الإمبريالية في المنطقة (بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبعد حرب الخليج الثانية) لم يعد يسمح للمنظمة لمواصلة الضغط على إسرائيل.

إلا أن دخول المنظمة في المفاوضات، ونتائج هذه المفاوضات، لم يكن لهما إلا أن يعكسا موازين القوى الحقيقية المختلة تمامًا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا لصالح الدولة الصهيونية، وهي موازين قوى ما كان لها أن تدفع إسرائيل نحو تقديم أية تنازلات جوهرية. والمضحك أن اختلال التوازن هذا قد دفع حتى بقطاعات واسعة من البرجوازية الفلسطينية إلى التشكيك في مقدرة عرفات أن يحقق لها أدنى مطامحها. ففي حوار تليفزيوني جرى بين عرفات وحسيب صباغ – صاحب أحدى أضخم شركات المقاولات في المنطقة – عقب وصول عرفات إلى غزة بعد اتفاقية أوسلو، قال عرفات موبخًا صباغ على بخله: “يا أبو سهيل إن روتشيلد فلسطين لم يؤد دوره في بناء الدولة حتى الآن”. فرد صباغ بانفعال: “يا أبو عمار.. لأن بن جوريون فلسطين لم يؤد دوره في إقامة الدولة الآن”.!!!

خلاصة الأمر أنه بعد سنوات على البدء في “مسيرة السلام” لم يتحقق تقريبًا أي من مطالب حركة التحرر الوطني الفلسطينية. إذ لا يزال الاحتلال قائمًا، برغم مسرحية الحكم الذاتي الفلسطيني. وبالتالي فإن الاستنتاج الذي ينبغي أن يستنتجه أي اشتراكي ثوري حقيقي من هذا هو: أن هذا السلام كان في جوهره تخليًا عن حرب عادلة ضد الامبريالية، وأن هذا التخلي يعبر – بكل دقة – عن المصالح الموضوعية للبرجوازية الفلسطينية والبرجوازيات العربية.

لهذا السبب بالضبط، وبسبب اختلال موازين القوى الناتج عنه، فإن البرجوازية الفلسطينية لم تحقق بالسلام حتى الحد الأدنى من أحلامها وهو إقامة دولة فلسطينية في جزء من فلسطين المحتلة – ناهيك عن تحقيق درجة “معقولة” من الاستقلال السياسي والاقتصادي لهذه الدولة. ولهذا السبب أيضًا فإن خيار الحرب، رغم التوتر الذي فرضه عدم تحقيق أي شيء، يبدو بعيدًا جدًا. فهو يقضي على المناخ الذي نحتاج إليه كل الطبقات الرأسمالية في المنطقة – مناخ السلام!! لتصبح قادرة على جذب الاستثمارات العالمية وعلى الاندماج بشروط أفضل في السوق الرأسمالي العالمي.

وحتى لو استطاعت البرجوازية الفلسطينية الحصول على دولتها، فإن هذا لن يكون تغييرًا جوهريًا. إذ أن الأمر ببساطة لا يتعلق بوجود دولة من عدمه، وإنما يتعلق بالمضمون السياسي الفعلي الذي يختبئ خلفه وجود، أو عدم وجود دويلة “رمزية” خاضعة تمامًا لسلطان الاستعمار الصهيوني؟

السلام والسياسة الثورية
لقد كبدت سياسات التوافق الطبقي لجماهير العمال والفلاحين الفلسطينية خسائر فادحة في نضالها ضد الامبريالية. وقد آن الأوان أن تواجه هذه السياسات بحزم. فلقد أثبتت عدة سنوات من السلام أن أي معركة حقيقية ضد الامبريالية لابد وأن تتضمن بالضرورة معركة طبقية ضد البرجوازية الفلسطينية والبرجوازيات العربية.

إن معاداة البرجوازية للثورة الفلسطينية، إذا فهمنا الثورة الفلسطينية على أنها التحرر من الاستغلال المضاعف الذي يكبل الجماهير الفلسطينية، قد أصبحت غير موضع شك. وما لم يتماسك الثوريون حول مركزية دور الجماهير العمالية في حل القضية الفلسطينية حلاً ثوريًا فإن كثيرًا من جرائم الماضي ستتكرر.

صحيح أن التيارات البرجوازية الصغيرة، ذات اليمين (كحماس) وذات اليسار (كالجبهتين الشعبية والديمقراطية)، لها سحرها لدى معارضي السلام. إلا أن ليس كل ما يلمع ذهبًا. فمواقف القوى السياسية البرجوازية الصغيرة في فلسطين، المشتتة والضعيفة والمذبذبة ما بين الإرهاب الفردي والصفقات المحسوبة مع عرفات، أثبتت عجزًا عن مقاومة الاستعمار، لأنها أهملت الدول المركزي للجماهير في المعركة.

المهمة اليوم هي خلق تيار اشتراكي ثوري في فلسطين، وفي كل المنطقة العربية، يدافع بدأب وحزم وصبر عن مبدأ أن النضال ضد الامبريالية هو جزء لا يتجزأ من نضال الطبقة العاملة الثورية من أجل الاشتراكية.