بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

أوروبا تنتفض:

ثورة في أيسلندا تطيح بالحكومة.. حرب شوارع باليونان.. ومواجهات في روسيا وبلغاريا

مواجهات شوارع بين جنود مدججين بالسلاح ومتظاهرين بالحجارة والعصي، إضرابات عامة ومسيرات لعمال بالمدن للمطالبة بإنهاء سياسات الإفقار، ثورة تطيح بحكومة.

كل تلك الصور، التي اعتدنا رؤيتها من بلدان «العالم الثالث»، تملأ الآن شاشات التليفزيون وعناوين الصحف، لكنها تأتينا من بلدان القارة الأوروبية، التي تشتعل فيها المقاومة الاجتماعية، من أقاصي الشمال بأيسلندا، التي سقطت حكومتها اليمينية، بعد أضخم مظاهرات تشهدها البلاد، منذ 1949، إلى أقاصي الجنوب، حيث تعج بلدان البحر المتوسط بالإضرابات ومواجهات عنيفة مع قوات الأمن، ويتزامن ذلك مع صحوة لقوى اليسار الثوري، مما دفع جريدة «الأوبزرفر» البريطانية إلى التحذير من «ربيع غضب أوروبي».

أيسلندا

اعتبرت الأمم المتحدة هذا البلد الصغير، ذي التعداد السكاني 320 ألف نسمة، «أفضل مكان يعيش فيه الإنسان»، في تقريرها عن التنمية البشرية لعام 2007، حيث يعيش معظم السكان معتمدين على اقتصاد خدمي قوي، معتمد على المصارف المالية. ولكن تأتي الأزمة الاقتصادية العالمية لتعصف بتلك الجنة الصغيرة، وأعلنت الدولة رسمياً إفلاسها، في أكتوبر الماضي، وعجزت عن دفع مرتبات موظفيها! وعلى الفور اندلعت مظاهرات، وانتشرت الإضرابات، و تحولت لاعتصامات شبه يومية حول البرلمان ومقر الحكومة، التي أمرت قوات الشرطة بالتصدي للمتظاهرين.

وقعت اشتباكات، تخللها إطلاق الشرطة للغاز المسيل للدموع، لأول مرة في تاريخ أيسلندا منذ عام 1949، حيث اندلعت مواجهات، في الشوارع، لرفض الانضمام لحلف الناتو. مما دفع الحكومة لإعلان استقالتها، في نهاية شهر يناير الماضي، وتأسست حكومة ائتلافية يسارية، وعدت بإصلاحات عديدة، ما زالت الجماهير تترقب تطبيقها.

اليونان

شهدت أثينا ومدن أخرى في اليونان مسيرات ومظاهرات ضخمة ضد السياسات القمعية للشرطة اليونانية، وذلك في أعقاب مقتل صبي يوناني، في ديسمبر 2008، و تحولت تلك المظاهرات إلى احتجاجات، تطالب بمزيد من الحريات المدنية، لكن الأزمة الاقتصادية الطاحنة صعدت من حالة الاحتجاج، ورفعت شعارات تطالب باستقالة الحكومة، كما تصاعدت حركة الاحتجاج، في الأسبوع الأخير من يناير، بمزيد من الاشتباكات العنيفة مع الشرطة في أثينا، في أعقبها نظم مراقبي الطيران، في المطارات، إضراباً أدى إلى شل النقل الجوي.

روسيا وأوروبا الشرقية

لم تكن روسيا وبلدان أوروبا الشرقية بعيدة عن الأزمة الاقتصادية العالمية، ويبدو أن موجة الاحتجاجات تتساقط كقطع الدومينو، حيث شهدت موسكو والمناطق الشرقية – لا سيما ميناء فلاديفوستوك – مواجهات عنيفة بين الشرطة والمحتجين على السياسات الاقتصادية للحكومة، والتعريفات الجمركية على السيارات والبضائع الأجنبية المستوردة، واختتم شهر يناير بمظاهرة أمام الكرملين للاحتجاج على تعامل الحكومة مع الأزمة المالية.

وفي بلغاريا ولاتفيا اشتبك المتظاهرون مع قوات الشرطة، في منتصف شهر يناير، في مواجهات هي الأقوى منذ انهيار الكتلة الشرقية عام 1990.

الصراع الطبقي يتصاعد

تشهد العواصم الأوروبية سلسلة من الاحتجاجات الاجتماعية ليست وليدة الأسبوع الماضي، والأحداث اليونانية فحسب، فالقارة تعج بالإضرابات العمالية والمظاهرات الطلابية، التي تتصاعد وتيرتها، منذ بداية الألفية، نتيجة لتعاقب حكومات يمينية ويسارية طبقت سياسات التكيف الهيكلي، وتحرير السوق، والخصخصة، وتقليل الأنفاق الاجتماعي، التي أثرت بشكل عنيف علي مستويات معيشة المواطنين.

نظمت النقابات العمالية الإيطالية، في 2002، إضراباً عاماً ضد السياسات الاقتصادية للحكومة ، وفي صيف العام ذاته شهدت إسبانيا واليونان إضرابات عامة حول المطالب نفسها، وفي فرنسا بدأت سلسلة من الاعتصامات لأصحاب المعاشات في ربيع 2003، وسرعان ما انتشرت للقطاع الطلابي والنقل العام بالبلاد، واستمرت الاحتجاجات التي تنوعت في اتجاهاتها بين مواجهة سياسات السوق أو مناهضة الحرب .وعقب ذلك إضرابات لقطاعات صناعية، ولكن العام الماضي كان نقطة تحول بدخول عمال النقل الجوي والبري الساحة بقوة في مختلف الدول الأوروبية مما أدي إلي شلل تام في المواصلات في نوفمبر 2007 بإيطاليا، أعقبه سلسلة من الإضرابات في ألمانيا وإسبانيا وفرنسا استمرت حتى صيف العام الماضي، وفي بريطانيا بدأ سائقو الباصات وعمال القطاع العام سلسلة من التحركات في صيف 2008، انضم إليهم فيها المدرسون وموظفو القطاع العام والمحليات، وفي الوقت نفسه قام سائقو الشاحنات في إسبانيا بغلق الطرق احتجاجا علي زيادة أسعار الوقود، كما أضرب المدرسون والطلبة في فرنسا احتجاجا علي السياسات التعليمية للحكومة المحافظة. اللافت للانتباه هو التنسيق المتزايد للاحتجاجات في مختلف الدول، فحينما يضرب العمال أو الطلبة في بلد أوروبي تأتي الردود التضامنية سريعة من دول الجوار، بسبب تشابه الظرف السياسي والعلاقات الوطيدة بين النقابات العمالية والاتحادات الطلابية التي بناها النشطاء في السنوات الأخيرة ، وهو ما يثير قلق الحكومات الأوروبية، التي اندفعت عبر العقدين الماضيين في إدماج اقتصادياتهم وتوحيدها، دون أن يدركوا أن الوحدة الاقتصادية قد تدفع في اتجاه توحيد حركات المقاومة الاجتماعية في تلك البلدان.

الآن يخرج بعض الساسة والمحللين الأوروبيين بتصريحات، تحذر من عودة شبح 1968، وهي السنة التي قاد فيها الطلاب الأوروبيون انتفاضة قوية، شهدت احتلال ساحات الجامعات، وسرعان ما انتقلت احتجاجات الطلبة إلى المصانع، ولم يتم إخماد الانتفاضة الأوروبية إلا بقمع واسع من قوات الأمن الأوروبية، التي تصرفت، آنذاك، مثل نظرائها في ديكتاتوريات العالم الثالث.

لكن إحداث تغيير جذري بأوروبا سيظل مرهونا بقدرة اليسار الثوري الأوروبي، على توحيد قواه، وزيادة التنسيق بين أحزابه، مع تعميق جذورها في الشوارع والمصانع والجامعات.