بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورة ليبيا وأقنعة التدخل الإنساني

إذا كانت السويس هي سيدي بوزيد مصر، فإن بنغازي هي سويس ليبيا. بنغازي، ثانية مدن ليبيا، فيها ولدت الثورة، ومنها انطلقت شرارة التحرر. على أرضها أقيم المجلس الثوري، مكونا من قادة الثورة، والأعيان والقضاة موضع ثقة الناس، وممثلي القبائل الثائرة ووحدات الجيش المتمردة.

في ليبيا بطْش النظام البربري أشرس وأشد فتكا مما كان عليه الحال في تونس ومصر. زهاء ستة آلاف شهيد حتى الآن. تأمل الرقم. ستة آلاف شهيد في بلد تعداده لا يزيد كثيرا عن ستة ملايين نسمة، وذلك خلال أسبوعين فقط. لو سقطت نسبة مماثلة من الشهداء في مصر لكان العدد ثمانين ألفا. هذا هو الوجه الحزين للملحمة الجارية على أرض ليبيا. أما عن وجهها المشرق فحدِّث ولا حرج.

في تونس كما في مصر، سقط رأس النظام وبعض رموزه البغيضة ولمّا يسقط النظام كله. أما في ليبيا، فقد تحلّل النظام قبل حتى أن يسقط رأسه. تخلى عن القذافي بالفعل أغلب دبلوماسييه ومسؤوليه وقوات جيشه، كما فقد السيطرة على الجانب الأكبر من أراضي ليبيا، وصار محاصرا في قفص ستقبض عليه فيه جماهير طرابلس غدا أو بعد غد، وإن غدا لناظره قريب.

في بنغازي كما في الجانب الأكبر من ليبيا اليوم، صارت جميع وظائف الدولة خاضعة للسيطرة الشعبية، السيطرة الشعبية الحقيقية لا الوهمية التي حكم باسمها القذافي زورا طيلة أربعة عقود. في بنغازي، يدير المجلس الثوري قناة تلفزيونية ومحطة إذاعة وصحيفة ثورية. في بنغازي وسائر المدن المحررة، يتم توزيع الغذاء وجميع الخدمات وفق معيار الحاجة الإنسانية. وبينما تعاني بنغازي شح الغذاء، يقول فقراؤها إنهم يأكلون أفضل من أي وقت مضى بفضل عدالة التوزيع. هذا جانب مهم من معنى الثورة. والثورات هي بحق أعياد المقهورين.

في ليبيا الحرة اليوم، أي الجانب الأكبر من أراضي البلاد، يتحكم العمال في الكثير من المصانع والمنشآت الرئيسية. وتخضع جميع المؤسسات، من محاكم وقوات مسلحة وشرطة وسجون، للسيطرة الشعبية الديمقراطية. وتسيطر القوات الثورية على 80% من نفط ليبيا.

خرج علينا أمس الخميس “الدكتور” سيف الإسلام القذافي قائلا إنه لا توجد في ليبيا مظاهرات. وقد صدق ابن “القائد المجد” القول. نعم صدق القول، فالثورة الليبية تخطت الآن مرحلة المظاهرات ودخلت في طور الانتفاضة الشعبية المسلحة. يذكرني هذا الأمر بما قرأناه عن سانت بطرسبورغ خلال الأسابيع السابقة على انتصار ثورة أكتوبر الروسية. فقد راحت تخفت حدة الإضرابات في المدينة آنذاك، واطمأن بال أنصار الوضع القائم، ولكن سرعان ما تبين لهم أن خفوت الإضرابات لم يعكس هدوء الأوضاع واستقرارها، وإنما انهماك عمال المدينة، وقد صوتوا ديمقراطيا ومعهم غالبية عمال روسيا وجنودها لشعار “كل السلطة للسوفيتات”، في تحضير الانتفاضة المسلحة!

حينما تقضي جماهير ليبيا البطلة على سفاح طرابلس وأبنائه، ستكون قد أطاحت بالنظام كله، وستحل محله ديمقراطية شعبية ستدفع ثورتي تونس ومصر غرب ليبيا وشرقها إلى الأمام، نحو القضاء على بقايا نظامي بن علي ومبارك وبناء مجتمع الحرية والعدالة. وهذا تحديدا هو الكابوس الأكبر للقوى العظمى.

إن تلك القوى التي ساندت دوما أعتى الديكتاتوريات في منطقتنا تدرك تماما أن ليس لها مصلحة في ديمقراطية حقيقية تستعيد من خلالها الجماهير زمام السيطرة على حياتها وقرارها ومواردها. وصفت قبل قليل سيف الإسلام بالدكتور. هل تعرفون من منحه اللقب؟ منحته إياه “كلية لندن للاقتصاد” العريقة، وكيف؟ لم يكن لدى الرجل المهم بالطبع متسع من الوقت لإعداد رسالة دكتوراه، لكنه دفع تبرعا للجامعة مقداره مليون ونصف من الجنيهات الإسترلينية، وذهب التبرع لبرنامج دعم… الحكم الديمقراطي!! هذه هي الفضيحة التي دفعت طلاب الجامعة العريقة لاحتلال مبانيها وفضح تواطؤ إدارتها، مثلها مثل الحكومة البريطانية وسائر حكومات الغرب، مع أحد أقذر نظم الحكم في تاريخ البشرية.

خلال الأيام الأولى للثورة الليبية، وبينما سقط بالفعل آلاف القتلى بالأسلحة التي صدرها الغرب الديمقراطي للقذافي، لزمت حكومات هذا الغرب الصمت أو كادت. لزمت الصمت حرصا منها على مصالحها مع نظام القذافي الذي يمدها بالنفط وتصدر له السلاح وتتعاون معه ككلب حراسة يمنع تدفق “المهاجرين غير الشرعيين” إلى الساحل الآخر للمتوسط. أما وقد لاحت إمارات انتصار الثورة المدوي، وبات الجزء الأكبر من نفط ليبيا في أيدي الشعب الليبي العظيم، تذكرت القوى العظمى فجأة أن القذافي ارتكب جرائم ضد الإنسانية وراحت تستعد لغزو ليبيا باسم التدخل الإنساني.

قالها ثوار ليبيا بصوت عالٍ: التدخل العسكري مرفوض، وستواجهه الثورة بشراسة تزيد على شراسة نضالها ضد نظام القذافي. إن تدخلا كهذا لن يتم من أجل عيون الشعب الليبي، وتجارب التاريخ البعيد والقريب شاهدة للعيان. ولن يعود مثل هذا التدخل بالنفع سوى على القذافي نفسه، حيث يتيح له تصوير نفسه كمقاوم للاستعمار، وهو من مقاومة الاستعمار براء.

العالم العربي كله يغلي اليوم بالثورة. ثورة ضد الديكتاتورية، ثورة ضد الظلم الاجتماعي، ثورة ضد الاستعمار والنظم الحليفة له. وليعلم السيد أوباما وشركاؤه أنهم لو سولت لهم أنفسهم ضرب ليبيا من أجل خطف ثورتها وتأمين سيطرتهم على نفطها، سواء تم ذلك بغطاء من الأمم المتحدة أو بدونه، فسوف تشتعل في كل أرض عربية ثورات تقضي على المصالح الاستعمارية قضاء مبرما.

إننا على موعد اليوم مع مظاهرة مليونية جديدة في ميدان التحرير، قلب الثورة العربية النابض. كان هدف المظاهرة الرئيسي هو إسقاط حكومة أحمد شفيق، رجل مبارك المخلص، وهاهو شفيق قد سقط غير مأسوف عليه بقوة المد الشعبي. وقرر ثوار مصر إذن أن تكون مظاهرة اليوم احتفالا بسقوط شفيق وإصرارا على تحقيق جميع مطالب الثورة. وأود أن أدعوهم، إضافة إلى ذلك، أن يقولوها عاليا للسيد أوباما ولوزيرة خارجيته كلينتون التي تكرر اليوم كلام القذافي بحديثها المأفون عن احتمال سيطرة تنظيم “القاعدة” (صنيعة أمريكا) على ليبيا بعد رحيل النظام: سيكون أي اعتداء عسكري أمريكي على ليبيا إيذانا لملايين المصريين لاقتحام السفارة الأمريكية في القاهرة، وإغلاق قناة السويس، وضرب جميع المصالح الأمريكية والصهيونية في مصر.