بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

وحشية الإمبريالية.. ونفاق الأنظمة العربية

عندما انتهت الحرب العراقية الإيرانية في أواخر الثمانينات، استقبلت الحكومة المصرية وجميع الأنظمة العربية الأخرى صدام حسين استقبال الفاتحين، وتحدثت أبواق الدعاية الحكومية في مصر عن صدام البطل، حامي الديار وقاهر الأعداء، والذي استطاع وقف الزحف الإيراني على الأمة العربية!! وخلال تلك الحرب الطويلة التي امتدت ما يقرب من تسعة أعوام، كانت الولايات المتحدة تدعم صدام حسين بالسلاح، بل وتدخلت بأسطولها حتى ترجح كفته في مواجهة الإيرانيين، ولم يكن أحد يتحدث عن الديكتاتور صدام حسين الذي يحكم شعبه بالإرهاب ليكمم الأفواه المعارضة لحكمه البغيض. بل كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة تسانده بالمال والتهليل حتى عندما استخدم قنابل الغاز ضد الأكراد في حلابجة. وحتى عندما انتهت الحرب وبدا أن هناك حملة ضد المصريين العاملين بالعراق، ودهس المصريون بالسيارات في الشوارع، أعلن حسني مبارك أن كل ما يحدث مجرد حوادث فردية لا تؤثر على علاقاته الطيبة مع نظام البطل صدام حسين!!

كل هذا كان مفهوما حيث كانت الثورة الإيرانية في جانب منها على الأقل إعلانا لموجة عارمة من معاداة الإمبريالية والهيمنة الأمريكية في المنطقة، ارتجفت الولايات المتحدة من إمكانية انتشارها لتهدد مصالحها في المنطقة ككل، وربما أيضا تهدد إسرائيل، خاصة وقد أسقطت نظام الشاه الموالي لها وهاجمت المصالح الأمريكية في إيران. لم ترتجف الولايات المتحدة وحدها من الثورة، بل أيضا كل الأنظمة العربية الموالية لها والمتحالفة معها ارتعدت من آثار هذه الثورة التي كان من الممكن أن تهدد عروشها، فرحبت بتصدي صدام حسين لمواجهتها بمساعدة الولايات المتحدة.

تحولت هذه الصورة تماما عندما حاول صدام حسين استغلال قوته العسكرية المتضخمة ليتخلص من أزمته الاقتصادية والسياسية الطاحنة بعد حربه العبثية ضد إيران، وسعى إلى احتلال الكويت كي يلعب دورا أكبر في المنطقة ويتحكم في أسعار البترول بما يتناسب مع قوته العسكرية الجديدة. وبغض النظر عن الروايات التآمرية التي ترى أن الولايات المتحدة هي التي دفعت العراق دفعا إلى غزو الكويت، فإن الأمر المؤكد أنها ما كانت لتسمح بأن يتحكم صدام حسين في أهم منطقة لإنتاج البترول في العالم، ولا أن يهدد استقرار أصدقائها من أمراء النفط.

فاستطاعت في عام 1991، بمعاونة حلفائها ومن بينهم السعودية والكويت ومصر، أن تحشد جيشا جرارا لتدمير العراق، شاركت فيه قوات من الجيش المصري إلى جانب بريطانيا وفرنسا! وخلال تلك الحرب قتل الآلاف من المدنيين العراقيين في الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد بغداد والمدن العراقية الأخرى. وفي واحدة من هذه الغارات قتل أكثر من 300 شخص من المدنيين العراقيين. وكانت الحكومة المصرية تهلل للأحداث وتفوق العسكرية الأمريكية، وظهر ضباطها بصورة مقززة على شاشات التلفزيون في الزي العسكري الأمريكي يستعرضون بطولاتهم الزائفة. وأخذوا يهللون كذبا بأن الولايات المتحدة سوف تسحب جيوشها بعد نهاية الحرب في محاولة لاستيعاب الغضب الذي عم الشارع المصري أثناء الضربات الأمريكية ضد العراق.

وانتهت الحرب ولم تسحب الولايات المتحدة جيوشها، بل بدأت الشركات الأمريكية والبريطانية والفرنسية في اقتسام الغنائم، وحازت الولايات المتحدة بالطبع على نصيب الأسد من تلك الغنائم، وبدأت في تعزيز هيمنتها في المنطقة، وفرضت حظرا جويا واقتصاديا ضد العراق، ثم أتبعته بلجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل لتدمير القدرات العسكرية للعراق. ومنذ ذلك اليوم بدأت المناوشات والمناورات بين النظام العراقي والولايات المتحدة لتعتبر الأخيرة أرض العراق مجالا لتجريب أسلحتها الفتاكة واستعراض القوة لإرهاب كل من تسول له نفسه الخروج على السيطرة الأمريكية، ومجالا للدعاية من أجل تبرير استمرار تواجدها العسكري في المنطقة بدعوى تهديد صدام لجيرانه!!

أما عن الحظر الذي فرض على العراق، فقد أضاف إلى وحشية وهمجية الإمبريالية الأمريكية وحلفائها، فقد أصبح على الشعب العراقي أن يتحمل المرض والجوع بالإضافة إلى وحشية النظام العراقي واستبداده، أصبح على الشعب العراقي أن يكون ضحية التوازن بين المصالح والقوى المتناقضة في منطقة يعد تاريخها نموذجا لصراع المصالح بين قوى الإمبريالية العالمية. فمنذ بداية الحظر في أغسطس 1990 تضاعف معدل الوفيات بين الأطفال من 80 حالة إلى 162 حالة بين كل ألف مولود، في الوقت الذي يعاني فيه 60% من أطفال العراق من سوء التغذية، و90% من الأمهات الحوامل من فقر الدم، بينما يموت الآلاف كل شهر بسبب نقص الغذاء والدواء. وباعتراف أولبرايت وكوك، إن العقوبات التي تعد بمثابة إبادة عرقية لجماهير العراق بقتلها آلاف الأبرياء، لا تؤثر مطلقا على صدام وحاشيته. أما بالنسبة لبرنامج النفط مقابل الغذاء والذي يحق للعراق بموجبه بيع ما يعادل 10 مليار دولار سنويا من البترول مقابل الغذاء والدواء والضروريات الأخرى، فإن أكثر من 30% من هذه الإيرادات تحول إلى صندوق التعويضات وتلبية مصروفات مفتشي الأسلحة في العراق! وقد استقال دانيس هاليداي، وهو الرجل الذي يشرف على برنامج النفط مقابل الغذاء في بغداد، عندما رأى أن آلاف الأطفال العراقيين يموتون كل شهر بسبب العقوبات، معلنا “إننا في طريقنا إلى تدمير مجتمع بأكمله، وهذا عمل لا أخلاقي وغير مشروع.”

وحتى ندرك مدى وحشية هذا الحصار نذكر ما أعلنته منظمة الصحة العالمية من أن الحصار قد قتل منذ عام 1992 وحتى الآن مليونا ونصف مليون عراقيا، وهو رقم يعادل تعداد الكويت طبقا لآخر الإحصاءات.

وخلال فترة الحظر ووجود لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار العراقية (يونسكوم)، نشبت العديد من الأزمات بين الولايات المتحدة والنظام العراقي حول رفع الحظر وحول “المضايقات” التي يتعرض لها المفتشون، وكانت كل أزمة من هذه الأزمات تكشف عن الموقف الحقيقي للحكومات العربية وعلى رأسها نظام مبارك في مصر الذي ظل يدعو العراق إلى التعاون والانصياع لما يطلبه المفتشون، وإلى ضرورة نزع سلاح العراق، بل ويحمله مسئولية ما يمكن أن ينجم عن عدم “تعاونه”، ولا ينبس ببنت شفة عن أسلحة الدمار الإسرائيلية! وفي كل أزمة أيضا كان النظام العراقي ينصاع لإرادة الولايات المتحدة بعد سلسلة من التهديد والوعيد من جانب أمريكا وبريطانيا، ومن النعرات الزائفة التي يطلقها النظام العراقي، وتنتهي الأزمة وكأنها لم تكن. وفي كل مرة أيضا كانت الولايات المتحدة تعلن ضرورة إسقاط صدام حسين، بل وقد أعدت لذلك بالاتصال مع بعض معارضيه وبرصد اعتمادات مالية للمهمة، ولكنها لم تتقدم أي خطوة في هذا السبيل أو ذاك، مما يشير إلى عدم امتلاكها أي سياسة محددة اللهم إلا استمرار الوضع على ما هو عليه.

لكن الوضع لا يمكن أن يستمر كما هو. صحيح أن الولايات المتحدة لا زالت أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، وتزيد من إنفاقها العسكري بصورة مستمرة حتى أنه تزايد عن مجموع الإنفاق العسكري لأكبر ست دول في العالم بعد الولايات المتحدة – روسيا واليابان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين – لكن قوتها العسكرية لا تمكنها من السيطرة السياسية على عالم تثقله الأزمات. وبرغم أن تورط الإدارة الأمريكية في فضيحة جنسية قد يضعف موقفها، ولكن هذه الفضيحة ليست هي القضية الأساسية. فمنذ أن أصبحت الولايات المتحدة قوة إمبريالية كبرى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تكن تعتمد فقط على قوتها العسكرية والاقتصادية في رعاية مصالحها العالمية، بل اعتمدت أيضا على تكوين الأحلاف السياسية من أجل تحقيق مآربها، ويعد حلف الناتو أهم مثال على زعامة الولايات المتحدة سياسيا وعسكريا لقوى الرأسمالية الغربية. وقد تمكنت إدارة جورج بوش من شن حربها ضد العراق في 1991 عبر تكوين تحالف عسكري – سياسي، لم يقتصر فقط على القوى الغربية مثل فرنسا وبريطانيا، ولكنه ضم كذلك أهم الدول العربية مثل السعودية ومصر وسوريا في صفوفه.

لقد أوضحت أزمة فبراير 1998 تراجع قدرة الإمبريالية الأمريكية على تعبئة حلفائها عندما هددت بالهجوم على العراق بسبب اعتراض صدام على برنامج التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل. صحيح أن صدام حسين تراجع في اللحظات الأخيرة وقبل بعودة المفتشين، ولكن كلينتون لم يجد تأييدا للضربات إلا من الحكومة البريطانية وحدها. بينما عارضت روسيا وفرنسا والصين، واتخذت ألمانيا موقفا محايدا. وحتى مصر والسعودية – أهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل – لم توافق حكوماتها على الضرب، واضطر كلينتون إلى التراجع خاصة مع تصاعد المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة ضد الهجوم على العراق.

ومن ناحية أخرى، أدى دعم الولايات المتحدة المستمر لإسرائيل إلى تصاعد المشاعر المعادية للإمبريالية في المنطقة، الأمر الذي يجعل حتى أعتى الحكومات المستبدة تتوخى الحذر في تأييدها للإمبريالية الأمريكية، فقد صرح حسني مبارك بأنه لا يوجد حاكم عربي يستطيع أن يصرح علنا بتأييده للضربات الجوية! وقد أشار بعض الصحفيين إلى أن ضرب السفارات الأمريكية في 7 أغسطس توافق مع الذكرى السنوية لوصول الطائرات الأمريكية إلى السعودية في 1990، وأن أسامة بن لادن اعتاد الهجوم على المدنيين الأمريكيين بالخارج لطرد القوات الأمريكية من بلاده.

وليس غريبا في هذا السياق أن الهجمات الصاروخية الأمريكية ضد السودان وأفغانستان في أغسطس الماضي قوبلت بإدانة جماهيرية واسعة في الشرق الأوسط. ومن جانب آخر كانت هذه الهجمات إعلانا عن عجز الولايات المتحدة في مواجهة الحركة الإسلامية الراديكالية، فضرب مصنع للكيماويات وعدد من المباني لا يشكل أي خطر على وجود الحركة.

كل هذه الملابسات دفعت الولايات المتحدة إلى التراجع عن الهجوم خلال أزمة فبراير 1998، ولكن انسحاب ريتشارد بتلر مع مفتشي الأسلحة مدعيا أنه يواجه مضايقات من النظام العراقي خلال “عمله” فاقم من أزمة الولايات المتحدة، خاصة وقد ووجهت مرة أخرى بمعارضة روسيا وفرنسا والصين للضرب، وتهديد روسيا بكسر الحظر المفروض على العراق إذا أصرت الولايات المتحدة على موقفها. وقد أصرت الولايات المتحدة وبريطانيا على الهجوم، بينما أصر النظام العراقي هذه المرة على عدم عودة المفتشين حتى يوضع حد لنهاية الحصار، وقد وجد في ذلك مخرجا له من أزمته السياسية، فقد تحول غضب الجماهير العراقية كاملا ضد وحشية الإمبريالية الأمريكية، ووضع كافة الأنظمة العربية الموالية لأمريكا في أزمة سياسية أمام شعوبها. واندفعت الولايات المتحدة إلى الهجوم، خاصة وأن سيطرتها في المنطقة أصبحت محل اختبار، كما أرادت أن تؤكد هيمنتها على السياسة العالمية في مواجهة الدول التي اعترضت على الهجوم – روسيا وفرنسا والصين – وأعلنت أنها ليست بحاجة إلى موافقة مجلس الأمن!

ومن ناحية أخرى، كانت الأزمة العالمية قد أدت إلى تدهور شديد في أسعار البترول، مما يعني أن التراجع أمام النظام العراقي ورفع الحظر على بترول العراق سوف يؤدي إلى تفاقم أزمة الشركات الأمريكية التي تعاني بسبب التدهور الشديد في الأسعار. فقد أكد وكيل وزارة النفط العراقية أن العراق وضع خططا لزيادة صادراته النفطية إلى ستة ملايين برميل يوميا في غضون خمس سنوات بعد رفع العقوبات الدولية عنه. ومعنى هذا أن شركات البترول الأمريكية سوف تتعرض لمنافسة شديدة من البترول العراقي إذا تم رفع الحظر.

أما السبب الذي أعلنته الولايات المتحدة – وروجت له الحكومة المصرية التي تبرر دائما وحشية حليفتها – هو أنها أرادت تدمير القدرة العسكرية للعراق حتى لا يهدد جيرانه، وإسقاط الديكتاتور العراقي الذي يحكم شعبه بالإرهاب!! ولكن هل بقي للعراق آية قوة عسكرية يمكنها تهديد حلفاء الولايات المتحدة بعد حرب الخليج في عام 1991 وسبعة أعوام من التفتيش والحصار؟! وإذا كانت لديه هذه القدرة فلماذا انصبت الهجمات والصواريخ الأمريكية على أهداف مدنية مثل مصفاة البترول والمستشفيات والبنية الأساسية والأحياء السكنية في بغداد؟! أما الأمر الثاني – وهو إسقاط الديكتاتور – فأبلغ رد عليه جاء في صحيفة الإندبندانت البريطانية:

“لا يوجد نظام عربي واحد – خاصة أصدقاء الولايات المتحدة في السعودية – يمنح هذه الرفاهية لشعبه. وفي الحقيقة أن الولايات المتحدة وبريطانيا تريدان ديكتاتورا آخر في العراق، ديكتاتور يفعل كما يؤمر، يغزو البلاد التي نرغب في غزوها (إيران)، ويحافظ على تماسك البلاد التي نرغب في تماسكها (الكويت).”

إن الولايات المتحدة هي الراعي الرسمي للاستبداد في جميع البلاد التي يحكمها مستبدون، ولن تستطيع الشعوب العربية أن تتخلص من حكامها المستبدين إلا إذا تخلصت في نفس الوقت من هيمنة الإمبريالية وأي نظام تسانده الإمبريالية، التي تجد مصالحها دائما مع هؤلاء الحكام.

وبعد أربعة أيام من الهجوم الوحشي أوقفت الولايات المتحدة الضرب، وروجت الصحف الحكومية في مصر أن الولايات المتحدة أوقفت الهجوم استجابة لطلب الرئيس مبارك!! بينما أعلنت الولايات المتحدة وقف الضربات بعد تحقيقها لأهدافها! وحفاظا على المشاعر الدينية للمسلمين في شهر رمضان! ولكن حقيقة الأمر أن وقف الهجوم جاء بعد انفجار الغضب الجماهيري في جميع أنحاء العالم، وبعد أن وجدت الأنظمة الحاكمة في المنطقة نفسها عاجزة عن كبح المظاهرات التي اندلعت احتجاجا على هذا الهجوم البربري. ومن ناحية أخرى، جاء رد الفعل الروسي عنيفا بدرجة لم تتوقعها الإدارة الأمريكية، فقد أعلنت روسيا كسر الحظر المفروض على العراق، وأعادت نشر صواريخها النووية إعلانا بعودة المواجهة بينها وبين “القطب الآخر”، واستدعت سفيريها بالولايات المتحدة وبريطانيا للتشاور، وأعلنت استئناف العلاقات التجارية بين موسكو وبغداد.

لقد كان النظام العراقي يتوقع مساندة روسيا، ولكنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد. وفي حقيقة الأمر لا يتجاوز الموقف الروسي كونه محاولة للضغط من أجل المساومة، ولكن روسيا كذلك تأمل في استعادة ديونها لدى العراق التي تصل إلى سبعة مليار دولار، كما أن لها تعاقدات مع العراق تصل قيمتها إلى 11 مليار دولار يبدأ تنفيذها بعد رفع العقوبات. ومن ناحية أخرى تعاني روسيا من أزمة اقتصادية طاحنة تزايدت حدتها بعد هروب رؤوس الأموال خلال الأزمة العالمية الأخيرة. كما انكمش الاقتصاد الروسي بنسبة بلغت 40% منذ عام 1991، وبلغ حجم الأجور المتأخرة أكثر من ربع إجمالي الناتج المحلي، هذا إلى جانب الانهيار الشديد الذي يعانيه الروبل (العملة الروسية).

بعد نهاية الحرب الباردة، اعتمدت القوى الغربية في سياستها تجاه روسيا على احتوائها استراتيجيا داخل حلف تقوده الولايات المتحدة، وعلى مساندة يلتسن اقتصاديا وسياسيا للحفاظ على التوجهات الليبرالية الجديدة داخل روسيا، ولكن الأزمة الاقتصادية والسياسية في أغسطس الماضي حولت هذه السياسة إلى نوع من الفوضى، وبرغم التدهور الاقتصادي الذي حل بروسيا، فهي مازالت قوة عظمى من الناحية العسكرية، وهذا يضعنا أمام تصور مرعب هو إمكانية ظهور إندونيسيا جديدة ولكن مع امتلاكها لأسلحة نووية. إن روسيا في وضعها الراهن يمكن أن تندفع إلى استخدام قوتها العسكرية الجبارة، أو على الأقل التهديد باستخدامها، من أجل الحصول على تنازلات من الولايات المتحدة وقوى الرأسمالية الغربية، وقد استغلت أزمة العراق كفرصة للكشف عن تلك التوجهات، وكان اندفاع الولايات المتحدة وبريطانيا في الهجوم مبررا كافيا وحافزا لها في نفس الوقت للتعبير العملي عن نواياها. في ضوء هذه الظروف نستطيع أن نفهم جيدا الموقف الروسي حتى لا ننخدع بمضمونه.

إننا لا نؤيد النظام العراقي، فنظام صدام حسين مثله مثل كل الأنظمة العربية الأخرى نظام بشع، يستعبد الجماهير. ولكننا في أي مواجهة بين الإمبريالية مع دولة صغيرة، نقف مع هزيمة الإمبريالية، لأن هزيمة الإمبريالية تزيد من ثقة جماهير الدول الصغيرة في قدرتها على إمكانية مواجهتها من جانب، وتعمل على تحطيم هيمنة الأفكار الشوفينية الرجعية على الجماهير في الدول الإمبريالية الكبرى من الجانب الآخر. في حين أن انتصار الإمبريالية يؤدي في أغلب الأحوال إلى نتيجة عكسية.

وأخيرا، فإن هذه الصراعات بين القوى الإمبريالية العظمى، وبينها وبين الدول الأصغر، تنم عن عالم يعج بالتناقضات العنيفة التي تدفعه إلى الهاوية، بينما تعاني الجماهير تحت وطأة التوازنات التي حولت المنطقة إلى بركان تتصاعد منه أبخرة الرعب لتعلن عن قرب يوم الانفجار. ولكن الجماهير لابد أن تنتصر في نهاية المطاف، فالحياة أحق بأن تعاش، وبربرية الرأسمالية تهدد الجميع بالموت والدمار.

تسقط الإمبريالية
النصر لجماهير العراق