بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

وقائع مؤتمر السلام العالمي

لا زالت حركة مناهضة الحرب تشكل بؤرة تجميع رئيسية لكل الرافضين للإمبريالية واستعمارها للعراق، ومحاولاتها لغزو بلدان أخرى في المنطقة. وقد بات الشعور بقرب الهزيمة في العراق يتسرب إلى حكومات الإمبريالية، ومع تزايد هذا الشعور تزداد صلابة الحركة المناهضة للحرب وإصرارها على مواصلة نضالها. تعرض لنا ليلى طه وقائع مؤتمر السلام العالمي الذي نظمته الحركة في لندن الشهر الماضي.

افتتح في لندن يوم 10 ديسمبر مؤتمر السلام العالمي. وهو مؤتمر شعبي أطلق عليه منظموه صفة الحدث التاريخي بسبب الحجم الكبير للمندوبين والمنظمات التي شاركت فيه، والتي جاءت من بلدان عدة منها: الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، والعراق، وايران، وباكستان، والهند، والفلبين، وكندا، وبولندا، واليونان، وأسبانيا، وايطاليا، وغيرها من الدول الأوروبية الأخرى. وبانتهاء اليوم اتضح للعيان أن الطبيعة التاريخية للمؤتمر تعتمد على الأفعال التي ستسفر عنه.

وبلا أدنى شك فإن مؤتمر السلام هذا لعب دوراً هاماً في تعميق وتماسك الحركة المناهضة للحرب. فقد شارك أكثر من 1200 شخص ملأوا قاعات المؤتمر، التي ظلت مزدحمة من صباح يوم المؤتمر حتى الثامنة مساء. وقد اعتمدت الدعاية للمؤتمر على مشاركة مندوبين من العراق، وهو أمر أثار الكثير من الجدل، بعد رفض الحكومة البريطانية السماح بدخول حسن الزرقاني، المتحدث باسم مقتدى الصدر، والذي علق بدوره قائلاً: “تقوم الحكومتان البريطانية والأمريكية بإرسال الجيوش لاحتلال العراق، لكن ينتابهما الخوف من حديث شخص واحد في مؤتمر للسلام بلندن. هذه هي بشائر الديمقراطية التي يدعون إلى ترسيخها في العراق”.

افتتح المؤتمر توني بين، رئيس ائتلاف “اوقفوا الحرب” الذي اعتزل الحياة النيابية عام 2001، بعد ما يزيد عن خمسين عاماً قضاها في مجلس العموم، ليعطي ـ على حد قوله ـ “المزيد من الوقت للسياسة”. وقد ألقى كلمة تتناول الوضع الراهن في العراق، وبريطانيا، والولايات المتحدة وتؤكد على أن حركة السلام “هي الحركة السياسية الأقوى في حياته لأنها تمثل رغبات الغالبية العظمى من البشر”. وانتقد المبررات الدينية لقيام الحرب لكونها تشير إلى انعدام إمكانية حلول السلام على الأرض، بما أن الطرفين يصران على امتلاك الحقائق السماوية. ووصف حركة مناهضة الحرب على أنها حركة “مطلبية” وليست “احتجاجية”، فهي “تطالب بعودة المجندين، وتعارض الهجمة على كل من سوريا وايران، وتدعم حق العودة للفلسطينيين، وتعمل على نزع الأسلحة النووية، وتطالب بحماية الحريات المدنية”. وقد ختم كلمته بالنقطة الجوهرية “نحن في أِشد الاحتياج لاستخدام موارد العالم في صالح سكان العالم. لدينا الموارد اللازمة لتدمير أنفسنا لكننا نمتلك أيضا الموارد اللازمة لحل المعضلات الأساسية التي تواجه الجنس البشري”.

أما رئيس مؤتمر التأسيس القومي بالعراق أيات الله جواد الخالصي فقال أنه جاء “ليساهم في تضميد الجراح التي فتحتها الحرب”. ودعا إلى القيام بالمزيد من المظاهرات المناهضة للاحتلال، لما لها من تاثير كبير وايجابي على سكان العراق. وأكد على فهمه لأن المجندين في العراق ينتمون الى الطبقات الأدنى اجتماعياً في بلادهم، ورحب بمعارضة ذويهم للاحتلال. أيات الله، الذي سُجن وعُذب على يد نظام صدام حسين، أشار إلى أن قوات الاحتلال “تقوم بسجن الناس في نفس الأماكن التي استخدمها حرس نظام صدام حسين ويقومون بنفس الفظائع”. وعندما سُئل عن الدستور والانتخابات في العراق أشار الى كونهما “كذبة كبرى” يروج لها الإعلام الغربي. وأشار إلى أن قوات الاحتلال قد عملت على زيادة الخلافات بين العراقيين، في محاولة لتطبيق نظرية فرق تسد، وبهدف إعادة رسم خريطة العراق بما يتلاءم مع مصالح تحالف الحرب. وأكد على عدم شرعية الاحتلال وشرعية المقاومة، ولم يغفل الإشارة إلى أن العمليات الارهابية لا تندرج تحت مظلة المقاومة المشروعة. وفي ختام كلمته أكد على أن “الاحتلال هو أسوأ أنواع الارهاب لأنه يجرد الناس من كرامتهم. فحقوق الإنسان غير ذات قيمة في ظل الاحتلال لأن الجنود والمرتزقة بامكانهم قتل أي شخص وفي أي وقت”.

وقد تحدث في المؤتمر الكثير من أهالي المجندين المدافعين عن السلام. تراوحت كلماتهم بين سرد للفظائع التي تقترف في العراق من قبل قوات التحالف، والتحريض ضد قبول المشاركة في كذبة قد تودي بحياة الجنود ولا ينتفع منها سوى حفنة ضئيلة جدا من المجتمع. وقد أجمع المتحدثين على أن أفعال بريطانيا والولايات المتحدة المريكية لا تتماشى مع مزاعمهم الخاصة بنشر الديمقراطية وترسيخها. كانت سندي شاهين النشطة في حركة مناهضة الحرب بالولايات المتحدة الأمريكية، وأم أحد المجندين الذين قتلوا في العراق، من أبرز المتحدثين. وقد أشارت إلى الأسئلة بالغة الغباء التي يطرحها عليها الإعلاميون مثل “هل ذهب ابنك متطوعا؟”، فتجيب “هل تلمح إلى أنه يستحق ما جرى له؟”، و”هل تريدين للعراق أن ينحدر الى الفوضى؟”، فتجيب “ما هو تعريفكم للفوضى؟ انظروا للعراق اليوم”، و”هل ترين أنه يتم استغلالك؟”، فتجيب “هل ترى أنه يتم استغلالك؟”. وكانت في كلمتها تحرض الحضور على العمل وتفعيل أدوارهم والتصدي لانتهاكات الحكومة، قائلة “لن يستطيعوا انتزاع حرياتنا الا اذا تركناهم يفعلوا ذلك”. وفي ختام الكلمة أكدت على أن “انهاء الحرب في العراق أمر بالغ الأهمية وملح للغاية. لا يوجد ما هو أهم من السلام وتقديم مجرمي الحرب في 10 شارع داونينج والبيت الأبيض أمام العدالة”.

وقد طالب طارق علي، الروائي والمؤرخ الشهير والمناضل من أجل يسار جديد، بمحاكمة كلا من بوش وبلير. وقال “على الرغم من الأيام الصعبة التي سنواجهها لا يمكن لهذا الاحتلال أن يستمر. الشعب العراقي سوف يقرر مصيره وليس بوش أو بلير وكل الحديث عن احتلال سوريا والعراق ما هو الا تبجح ـ ليس لديهم القوات اللازمة”. أما حسن جمعة، رئيس نقابة عمال النفط في العراق، فتحدث عن استمرار نضال العمال من أجل الحصول على حقوقهم على الرغم من الانتهاكات والسجن، وعن أنهم يرون أن الهدف من الحرب هو البترول العراقي. وقال في هذا السياق أن البترول العراقي هو الثروة القومية للعراقيين، وأوضح استعداد العمال للتضحية بحياتهم لتحقيق هدف تحديد العراقيون لمستقبلهم. كما أكد جون ريس عضو ائتلاف “اوقفوا الحرب” على أهمية مشاركة نشطاء مناهضة الحرب بأمريكا في المؤتمر، لأن هذا سيبطل ادعاءات الإعلام اليميني الذي يقدم حركة مناهضة الحرب في بريطانيا باعتبارها حركة معادية للشعب الأمريكي ـ “نحن معادين لسياسات الحكومة الأمريكية وليس الشعب الأمريكي”.

وقد اختتم جورج جالاواي، عضو مجلس العموم البريطاني، المؤتمر وكان آخر المتحدثين. وقد تناول في كلمته أهمية بناء الحركة العالمية المناهضة للحرب على أساس أن “كل ما طرحته هذه الحركة العظيمة من تصورات حول الحرب أثبت صحته كما ثبت زيف ادعاءات ليس السياسيين فحسب بل والشركات الاعلامية المساندة لهم أيضا. لقد حصلنا على النصر الأول فلن يستطع بلير الانضمام الى بوش في أي هجمة على سوريا أو ايران”. وأرجع سر نجاح وشعبية زيارته إلى الكونغرس الأمريكي في 17 مايو 2005 إلى أنه تمكن من المثول أمام القتلة والنصابين وافشاء الحقيقة، وفي ذات السياق أشاد بالشعب الأمريكي الذي تمكن من فهم الحقيقة على الرغم من ضباب الحرب والمعلومات المغلوطة في الإعلام. وختم كلمته قائلاً “علينا أن لا نتوقف حتى تتم محاسبة كلا من بوش وبلير، وعلينا أن ندرك أن جميع من صوتوا لصالح هذه الحرب الغير شرعية مذنبون”.