بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عيد ميلاد “أبيض” بعصير الدم والعرق “الأسود”

ربما يدفعون كل ما يملكون، من أجل الهجرة، ربما يموتون، أو يعيشوا مطاردين. وحتى من هاجروا بطرق “شرعية”، ليس من الضروري ان يسكنوا، ويتعلموا، ويتلقوا رعاية صحية واجتماعية، ولا أن يلموا شمل عائلاتهم، عليهم فقط أن يعملوا، ويعملوا، حتى آخر قطرة عرق ودم.

في مطلع ديسمبر، قررت قرية كوكاليو الإيطالية أن تبدأ حملة عنصرية لطرد المهاجرين منها تحت اسم “عيد الميلاد الابيض” قبل حلول عيد الميلاد. عمدة البلدة فرانكو كلاريتي، من حزب”رابطة الشمال ”اليميني قد برر القرار بالرغبة في “تطهير”البلدة، للتأكد من سلامة الأوضاع القانونية لكافة السكان، البالغ عددهم 7 آلاف نسمة، منهم نحو 1500 مهاجر. بينما أكدت تقارير أن الهجرة تعوض انخفاض معدل المواليد، وانخفاض نسبة الذكور عن الإناث بحوالي 2%.

تأخذ العنصرية ضد المهاجرين، الأفارقة والعرب والمسلمون في الأغلب، منحى جديد، إذ لم يعد يقتصر على مطاردة المتسللين، بل بسن قوانين، واتخاذ إجراءات، تختلف في درجتها من بلد لآخر، تجاه هؤلاء المهاجرين. ففي فرنسا استحداث ساركوزي وزارة جديدة، “وزارة الهجرة والاندماج والهوية الوطنية”. عندما كان ساركوزي وزيرا لداخلية فرنسا، تعرض، في مؤتمر “حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية” (UMP) في يونيو2005، لـ”مشكلة”الهجرة، وقد طرح مفردات جديدة في هذا الصدد، للمرة الأولى، لكنها لم تكن الأخيرة، ولم تقتصر على السياسة الفرنسية، بل امتدت للاتحاد الأوروبي. فقد ذكر ساركوزي أن الهجرة “الاختيارية”، والاختيار هنا من جانب الدولة، أما اختيار المهاجر، الشرعي، فيكون فقط في حالة الترحيل، الذي يطلق عليه “العودة بالتراضي”. وساركوزي يعلن أن رفض “الهجرة” على إطلاقها، أمر غير مطروح، وهو بذلك يفي بمتطلبات اقتصادية، وكذلك سياسية، حيث يصبح حزبه في المربع الأوسط بين أقصى اليسار وأقصى اليمين. في مقابل الهجرة الاختيارية، هناك الهجرة المفروضة، وهو لا يقصد الهجرة غير الشرعية، ولكن ساركوزي كان يقصد “الهجرة العائلية”، حيث يأتي بقية أسرة العمال المهاجرين، للم الشمل العائلي، وهو حق يكفله القانون الفرنسي. تمثل الهجرة العائلية نسبة 9: 1 من المهاجرين، فصدرت التعليمات لوزير الهجرة في يوليو 2007، بأن تكون نسبتها 50% فقط من المهاجرين. ومنذ نهاية 2007 يحصل العامل المهاجر على بطاقة إقامة أطلق عليها”بطاقة الكفاءة والمهنة”، صالحة لثلاث سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة. في الوقت الذي سجلت فيه 180مهنة تعاني من نقص في العمالة. وقد صدر آخر القرارات في مارس2009، بإعطاء الأولوية لتشغيل العاطلين، دون تحديد. كما أن 30 مهنة متاحة لغير الأوروبيين، وباقي المهن متاحة لمواطني أوروبا الشرقية. إن القوانين التي توالت منذ2003، لم تكن تهدف إلى حل “المشكلة”، ولكن بطرحها دوما كـ”مشكلة”.

إن الهجرة غير الشرعية، في فرنسا، مثلا، تقدر بمئات الآلاف، لكنها تكون نسبة ضئيلة أمام ستين مليون فرنسي، كما أنها تمثل عمالة شديدة الرخص للشركات والمصانع، ناهيك عن كونها مرتعًا لسماسرة البشر، من مقاولي الأنفار، وحتى القوادين وتجار المخدرات.

ساركوزي، أشار إلى أن الدستور الفرنسي يحترم الحياة العائلية، لكن هناك، دائما، حالات زواج مصلحة، وزواج صوري، وتزوير، وكأنه يريد تعميم الحالات الأخيرة، على جميع المهاجرين، ويجعلها القاعدة في التعامل معهم. ثم يتجرأ في مناقشة “الحق”في الهجرة نفسه، حيث يقول أنه يجب وضع شروط لمستوى الأجر والسكن، والاندماج، قبل الموافقة على استقدام العائلة.

الأمر لا يقتصر على فرنسا، فبالرغم من أن المادة الثامنة من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، تنص على حق الفرد في احترام حياته الشخصية والعائلية، فإن تقرير لجنة “بيار مازو”، الوزير السابق، في يوليو 2008، يوصي بتقييد شروط الهجرة المستحقة، لأسباب عائلية، وتقنين ذلك من قبل محكمة العدل في الاتحاد الأوروبي. وبالفعل جاء الميثاق الأوروبي حول الهجرة واللجوء، في أكتوبر 2008، في ظل رئاسة فرنسا، ليشكل السياسة الأوروبية تجاه الأجانب.

هكذا يعمم ساركوزي صورة “للخطر” المحدق بأوروبا، بأنه القادم، غالبا، من إفريقيا. وقد نجح ساركوزي في عرض الهجرة كـ”مشكلة”، وكأساس لكل المشكلات الأخرى، وربما للتغطية على كل تلك المشكلات.

لم تنجح قمة “تامبير” عام 1999، ثم قمة “سالونكي” 2003، في توحيد الموقف الأوروبي نحو الهجرة، حتى غير الشرعية، بسبب الإختلاف بين الدول الأوروبية في تقييم درجة الاستفادة الإقتصادية من المهاجرين، وهو ما أثبتته دراسات اقتصادية عرضت في القمة. إن سياسة الدول الغنية تجاه المهاجرين، علاوة على إذكاءها للعنصرية، وتحميلهم عبء أزمة الرأسمالية، لا تزال مصرة على الاحتفاظ بحق استغلالهم، حتى آخر قطرة عرق ودم. وكأنهم يقولون “إن البقرة تأكل كثيرا وتلوث المكان، فلا داعي أيضا أن تأتي بعجولها، ولكن مهلا، لن نطردها الآن، فضرعها لا يزال يدر لبناً”.