بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إيران: غضب في مواجهة القمع وكبت الحريات

صراع الإصلاحيين والمحافظين هو صراع بين جناحين داخل الطبقة الحاكمة تتحرك الجماهير في الشارع لأسباب اقتصادية، وديمقراطية، ورغبة منها في مستقبل أفضل.. الحرس “الثوري” الإيراني يتوعد المتظاهرين بالتصدي لهم بطرق ثورية!!

ما تشهده اليوم في إيران، من خروج الجماهير بالآلف في الشوارع ، يعيد إلى الذاكرة أحداث الثورة الإيرانية، 1979، ففي أعقاب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، خرج الآلاف من الإيرانيين، طلاب ونساء، وعمال، وعلى مدار الأيام الماضية، حيث لم يمر يوم دون مظاهرات احتجاجية، التي شهدت أعلى نسبة تصويت في تاريخ الانتخابات الإيرانية 85%.

الوضع الاقتصادي والانتخابات

فبالرغم أن موقع رئيس الجمهورية ليس الموقع الأهم في نظام الحكم الإيراني، يبدو أن الشعب الإيراني تعامل مع انتخابات الرئاسة ليس من منظور أنها تحدد شخصية الرئيس، لكن من منظور أنها تعبير عن تطلعات الإيرانيين تجاه الكثير من القضايا الهامة، أولها الوضع الاقتصادي المتردي، والذي زاد سوءاً مع الأزمة الاقتصادية، ومع هبوط عائدات البترول، حيث لم تنجح حكومة نجاد في تحسين الوضع الاقتصادي، بل تفشت البطالة، ووصلت إلى 12.5%، كما بلغ معدل التضخم حوالي 19% (وفق التصريحات الرسمية)، رغم أن نجاد يقدم نفسه باعتباره المنحاز للفقراء، وأحد أبنائهم، ففي انتخابات 2005 أطلق وعود بأنه سيوزع عائدات النفط على الشعب، لكن الوضع الاقتصادي في عهد ازداد سوءاً، ووجدناه في انتخابات 2009 يوزع حبات “بطاطس” على مؤيديه أثناء الحملة الانتخابية، مما وصفه البعض بشراء للأصوات.

رغم نجاح نظام حكم الثورة الإسلامية في تحسين مستوى التعليم والصحة لغالبية الإيرانيين، وفي تقديم الخدمات لملايين البشر، لكن على مستوى أخر كان قمع وتصفية الخصوم والمنافسين من الشخصيات والقوى السياسية الأخرى، حتى التي لعبت دوراً في إنجاح الثورة، حيث تحولت تجربة الثورة الجماهيرية، على يد أية الله الخميني، إلى نظام حكم شمولي، وزاد باطراد تدخل الدولة في الحياة الشخصية، وتدنى مستوى حقوق النساء، وتم تقييد الحركة النقابية، واتسم التعامل مع الاحتجاجات العمالية بالعنف الشديد. بشكل عام، هناك قيود، تحدد التيارات والقوى السياسية المسموح لها بالعمل في إيران، كما توجد قيود على الأشخاص الذين يحق لهم تولي المناصب الحكومية، وكذلك التي تدخل البرلمان.

مثلت تطلعات جيل الشباب، هذا الجيل الذي ولد في ظل حكم الثورة الإسلامية، لمزيد من حرية التعبير، وتخفيف القيود المفروضة على التحركات السياسة والحصول على مزيد من حقوق النساء، أحد أهم ملامح التحركات الحالية، ويبدو أن الشارع السياسي في الإيراني صانع ثورة 1979، لم يعد يقبل بمنطق وصاية المرشد الأعلى، وراغب في مزيد من الحريات.

يتضح، من خلال أحداث الأيام الماضية، الدور الفاعل الذي يلعبه حالياً الشباب من سكان المدن، حيث تنتشر البطالة، ويلعب الشباب الجامعي بشكل خاص دوراً محورياً في التحركات الحالية، حيث مستوى التعليم المرتفع كان له دور في تقوية وعيهم بقضايا الحريات السياسية والنقابية وحقوق النساء. في هذه مظاهرات، شاهدنا مظاهر غير مألوفة في مجتمع إيران المحافظ، دخول سيدات وفتيات في مواجهات مع رجال الشرطة، رأينا شباب وفتيات تتشابك أيديهم معاً في مسيرات تجوب الشوارع.

هكذا كان خروج الجماهير في إيران مرتبط بتطلعات هؤلاء في تحسين أوضاعهم الاقتصادية، والتطلع لمزيد من الحرية، وفي مواجهة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، في ظل سيطرة المحافظين عليها. لكن النخب السياسية المتصدرة الساحة تخوض المواجهات لأسباب أخرى.

المحافظون والإصلاحيون

أظهرت الانتخابات الأخيرة مدى عمق الانقسام داخل النخب السياسية الحكمة في إيران، فكلاً من جناحي السلطة المحافظين والإصلاحيين، ينتمون لنفس الطبقة الحاكمة الإيرانية، التي تشكلت طوال الثلاثين عام الماضية، ويرجع الانقسام الحالي داخل الطبقة الحاكمة، نحو تصورين متعارضين، حول علاقة إيران بالقوى الكبرى (أوربا والولايات المتحدة)، وعلاقة إيران بالدول المجاورة (العراق، لبنان، فلسطين، إسرائيل)؟ حيث يرى الجناح المحافظ أن قدرة نظام الثورة الإسلامية على الاستمرار مرتبط بالعداء الواضح لدول الاستكبار العالمي ( الاستعمار الغربي)، حيث أن الحفاظ على الشعارات الأولى للثورة الإسلامية هو مدى مصداقية النظام أمام الجماهير، حتى لو كان ذلك يعنى الدخول في مواجهات باستمرار، وفرض حصار وعزلة اقتصادية، لذلك يتبنى هذا الفريق فكرة تنمية القدرات الدفاعية الإيرانية في مواجهة قوى الاستكبار، وكما أن أغلب المحافظين يدفعون أن تدخل إيران بقوة في الصراعات في دول الجوار، حتى لو استدعى هذا المزيد من الضغوط الغربية.

بينما الإصلاحيون فيمثلون الجناح الأخر من الطبقة الحاكمة في إيران، الذين يرون أن استمرار العزلة الاقتصادية، يضع عقبات أمام النمو الاقتصادي لإيران، ويرى أن إصرار المحافظين على لغة صدامية مع الغرب، يهدد استقرار نظام الثورة الإسلامية، حيث يرى هذا الفريق أن السياسة تقتضي تغيير لغة الخطاب السياسي. وإن الانفتاح على الغرب، سيفيد الوضع الاقتصادي، بالإضافة إلى رغبة الإصلاحيين في تقليص دور المرشد في الحياة السياسة، الذي يسيطر عبر آلاف من الموظفين على الوظائف الأكثر حيوية في نظام الحكم، أكثر من 2000 ممثل للمرشد: حيث يعين فقهاء مجلس صيانة الدستور، ويعين رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ورئيس أركان الجيش، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي. وعبر مجلس صيانة الدستور يحدد من يحق له الترشح في الانتخابات .

الشخصيات السياسية الإصلاحية التي تتصدر حركة الاحتجاج ضد فوز نجاد تتمثل في رئيسان سابقان للجمهورية الإسلامية هما هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، ورئيس وزراء سابق هو المرشح مير حسين موسوي، ورئيس برلمان سابق هو المرشح مهدي كروبي، واحتج أيضاً الشخصية المحافظة محسن رضائي رئيس حرس الثورة السابق.

انقسامات داخل الطبقة الحاكمة

وصل الانقسام الداخلي في الطبقة الحاكمة الإيرانية بين المحافظين والإصلاحيين إلى حد غير مسبوق من قبل، فبالرغم من حسم المرشد الأعلى أية الله خمانئي نتيجة الانتخابات الرئاسية بفوز أحمدي نجاد، وتهديده أنه لن يسمح لاحتجاجات في الشارع، في خطبة الجمعة 19 يونيو، فإن الحركات الاحتجاجية في الشارع لم تتوقف في تحدي واضح لسلطة المرشد الأعلى للثورة، وهو أعلى سلطة سياسية وروحية في البلاد، مما شجع الإصلاحيون على الاستمرار في تصعيد الخلاف مع المحافظين، فمنذ خطبة الإمام، وكل يوم يشهد الشارع الإيراني احتجاجات وصدامات مع الشرطة الإيرانية، راح ضحيتها أكثر من 17 قتيل، واعتقل أكثر من 400 شخص، في ثلاث أيام، ويبدو أن الغضب الذي ملئ نفوس المحتجين، يرجع لأسباب أكبر من تزوير الانتخابات أو عدم فوز مرشح معين.

لقد أعرب خمانئي عن انحيازه لأحمدي نجاد، بمعنى أنه لا يقف على الحياد أمام الفريقين السياسيين، كما أعتقد انه بفضل سلطته الروحية سينجح في إخماد حركة الشارع، لكنه دون أن يدري وضع نفسه في مواجهة الحركة الجماهيرية، وقد تعمل تلك الاحتجاجات على تقويض شرعيته وسلطته الروحية بعض الوقت، وفي الوقت الذي عمدت مرجعيات دينية أخرى إلى الانتصار لحركة الشارع، مثل تصريحات آية الله حسين منتظري، الخليفة لآية الله الخميني، الذي عاش لفترة طويلة تحت الإقامة الجبرية بمنزله بمدينة قم، بعدما عزله الأمام الخميني 1988، وقد صرح، يوم الأحد 21 يونيو 2009 بأنه محرم شرعاً منع المتظاهرين من الاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية، في تحد واضح لخطاب المرشد.

يحاول كل فريق من النخبة الحاكمة توظيف الحركة الجماهيرية لصالح زيادة نفوذه في مؤسسات الدولة، التي يسيطر عليها الآن بشكل أكبر المحافظين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى. التساؤل حول استمرار الاحتجاجات الحالية، مرتبط بقدرة النخبة الحاكمة في إيران تجاوز انقساماتها، وقدرتها على تحمل استمرار حركة الجماهير في الشارع، التي لو استمرت لفترة أطول في الشارع، قد تنجح في تجاوز الشخصيات السياسية التقليدية المتصدرة الموقف حالياً، أمثال موسوي وكروب، وخاتمي ورفسنجاني. وعندها قد تبلور الجماهير مطالبها المتعلقة بالوضع الاقتصادي والحريات والديموقراطية، بعيداً عن تلك الشخصيات التي تحاول التقرب من الغرب، كحل وهمي لمشاكل إيران، و أو بتعبير أدق المشاكل الاقتصادية للطبقة الحاكمة.

دائماً ما تلجأ الجماهير إلى الحل الإصلاحي كخطوة انتقالية، قبل أن تتبنى برنامج جذري، لكن ذلك مرتهن بوجود قوى سياسية جذرية مستقلة، قادرة على أن تقود حركة الجماهير، لكن اليسار الإيراني ضعيف للغاية، نتيجة سياسات خاطئة تبناها لفترات طويلة، لكن هناك بصيص أمل يتمثل في أن الشارع الإيراني يعلم أنه صانع ثورة 1979 يستطيع أن يصحح مسارها كما يستطيع أن يصنع ثورات أخرى.