بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة الإمبريالية الأمريكية

نُشِر المقال لأول مرة بمجلة انترناشيونال سوشياليست ريفيو الماركسية الأمريكية ـ عدد مارس أبريل 2007 ـ بقلم جويل جاير..

قبل ستة أعوام، بدت الإمبريالية الأمريكية وكأنها تجاوزت نهائيا هزيمتها في فيتنام. فعندما انهارت روسيا الستالينية بسبب تناقضاتها الداخلية، تقدمت القوة الأمريكية إلى مستوى لم تكن لتحققه عبر قوتها الذاتية. وأثبت التخمين الأول القائل بأنه ربما كانت اليابان أو ألمانيا هما الفائزان الحقيقيان من الحرب الباردة، بقدرتهما على تنظيم أوربا وآسيا ليخلقا عالما متعدد الأقطاب، أثبت أنه كان مبالغا فيه. ظهرت أمريكا بصفتها القوى الكبرى الوحيدة في العالم. ولم يعد باستطاعة أي منافس مضاهاة قيادتها المنيعة في التكنولوجيا العسكرية والتسليح والجيش.

وبدت السيطرة الاقتصادية الأمريكية بدورها مؤمنة نسبيا. فقد أنتجت عقود الحرب الطبقية من جانب واحد والقضاء على النقابات وتغير التوازن الطبقي، أنتجت تحويلا تاريخيا للثروة من العمل لرأس المال. وكذلك عملية إعادة هيكلة ممتدة ومؤلمة للصناعة، ومددت يوم العمل وقللت من الأجور وزادت من فائض القيمة. وصارت الرأسمالية الأمريكية الأكثر ربحية في العالم مرة أخرى. وعلى مدى عقد ونصف، نمت بمعدلات أعلى من جميع منافسيها المتقدمين. بينما أعيدت هيكلة نظامها المصرفي، من حالته المعوقة في الثمانينيات، بنجاح شديد لدرجة أن أسواقها المالية هيمنت عالميا.

كانت الولايات المتحدة قادرة على فرض سياسات “إجماع واشنطن” الليبرالية الجديدة لإدماج الجميع في النظام التجاري العالمي وأسواقه المالية. صارت عقيدة حرية السوق الجامدة مسيطرة في معظم العالم. وقبلت أغلب الطبقات الحاكمة، على مضض، الهيمنة الأمريكية على أساس أن ذلك هو الخيار العملي الوحيد. أما غالبية اليسار العالمي –الاشتراكيون الديمقراطيون، والستالينيون، وحتى كثير من الثوريين- فقد استنتجوا أن فشل الستالينية أثبت أن السوق الحر هو النموذج الاقتصادي الكفء الوحيد وأنه لا يمكن الوقوف في وجه الإمبريالية الأمريكية، بل إنه حتى يمكن دعمها في تدخلاتها “ذات الطابع الإنساني”.

بدت الإمبريالية الأمريكية مستقرة، آمنة، ولا يمكن قهرها. وتدعمت هذه المشاعر بفعل الاستجابة الأولية للحادي عشر من سبتمبر باجتياح موجة من الوطنية الاجتماعية للولايات المتحدة. وعلى أساس تأييد دولي جارف، شنت أمريكا حربها على أفغانستان. وتراجعت الحركة الثورية لأدنى نقاطها في نصف قرن. لكن بعد سنوات قليلة، تواجه الإمبريالية الأمريكية ليس فقط هزيمة كبيرة، وإنما أيضا أزمة ترقى للتي تعرضت لها وقت فيتنام.

نافذة الفرص.. من المقاومة للمستنقع

رأت إدارة بوش، مدعومة برأي عام صلب داخل الطبقة الحاكمة، في الحادي عشر من سبتمبر فرصة تاريخية نادرة. وقررت انتهازها ليس فقط فيما يخص نظام طالبان وإنما فيما يتسع لما أسمته محور الشر. وبعد ما تسببت به حرب فيتنام من آثار مدمرة على تدخلها العسكري الخارجي، اعتبرت الإدارة أن هذه فرصة لكي توسع القوة الإمبريالية الأمريكية لتصل إلى مناطق جديدة. الهدف الأول كان إعادة تأكيد السيطرة على الشرق الأوسط عبر غزو العراق واستخدامه كنقطة ارتكاز لتوسيع نفوذها في المنطقة. ومع وجود ثلثي احتياطيات النفط العالمي في المنطقة اكتسب العراق أهمية إضافية جديدة خاصة في ظل استمرار محورية دور النفط للرأسمالية العالمية ومع التوقعات بفورة نفطية جديدة فيما يتعلق بالأسعار. المبدأ كان: من يتحكم بإنتاج النفط.. يتحكم في السياسة العالمية.

إنما الفشل الأمريكي في العراق كان بنيويا في الموقف منذ البداية. فقد تحولت هزيمة الحرس الجمهوري والجيش العراقي السريعة إلى العكس عندما تحول الموقف من حرب إلى احتلال رفض العراقيون قبوله. وتحولت الحرب المكسوبة بالتفوق العسكري في الجو إلى حرب استنزاف للعصابات لم يكن الأمريكيون مستعدين لها. وبذلك انهارت إستراتيجية وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد – تفوق جوي وجيش صغير. وجعلت المقاومة فكرة الاستمرار في التوسع الإقليمي مستحيلة –خاصة فيما يتعلق بتغيير الأنظمة في إيران وسوريا وعزل حزب الله وحماس. إضافة لذلك، تحول تكتيك استخدام الانقسام الطائفي من قبل الأمريكيين إلى خطر يهدد العملية برمتها بعد أن تجاوز الحدود الأمريكية بنهاية الأمر.

وكانت نقطة التحول الرئيسية في الحرب في صيف وخريف العام الماضي. فلتحقيق نصر لم تستطع أمريكا تحقيقه في أفغانستان والعراق، جندت الولايات المتحدة إسرائيل لشن حرب بالوكالة على حزب الله في لبنان بهدف تثبيت حكومة السنيورة التابعة لها، وتوجيه ضربة للإيرانيين والسوريين. واستخدم الإسرائيليون نفس خطة الحرب التي استخدمها حلفاؤهم في العراق. لكن حزب الله – بقوة فصيل إسرائيلي واحد- نجح في تعبئة لبنان كله وتوجيه هزيمة موجعة للإسرائيليين مضيفا عنصرا جديدا لأزمة الإمبريالية في المنطقة: الإسرائيليون أيضا يمكن هزيمتهم. وتغيرت بذلك معادلات السياسة الإقليمية للأبد بعد أن أنتجت الحرب الأمريكية ثلاثة حروب فاشلة في أربع سنوات فقط. وتبع ذلك مباشرة فشل العملية الأمنية الجديدة في بغداد والتي اضطر الأمريكيون للاعتراف بأنها قد تستغرق طويلا.

كل ذلك ترك أثرا مدمرا بالغا في الداخل. ولم تعد مواجهة عمق الكارثة العراقية ممكنة بالطرق القديمة. فتح الانقسام في قمة السياسة الأمريكية الباب للقاعدة الشعبية للجدل حول الحرب. وتعمق الموقف مع توالي فضائح الفساد في إدارة بوش ومساسها بعدد من رجاله المقربين. على ذلك فقدت الإدارة التأييد الشعبي للحرب التي تنوي استكمالها إلى النهاية. ولم تعد تمتلك المصداقية لا في الخارج ولا في الداخل، مما يصعب من قبول أي مقترحات مستقبلية للتعامل مع أوضاع السياسة العالمية. بمعنى آخر أصبحت الكلمة الأمريكية أقل تأثيرا. وينبغي الإشارة هنا إلى أن الانقسام في الطبقة الحاكمة الأمريكية، وفي ممثليها السياسيين، ومراكز تفكيرها البحثي وإعلامها ليس حول المبادئ وإنما حول أفضل طريقة لحماية المصالح الإمبريالية، حول توجيه الموقف نحو النصر، أو على الأقل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في وضع هزيمة.

لكن الجني خرج بالفعل من القنينة. وبما أنه لم يعد هناك توافق داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية، فسوف تركز السياسة الأمريكية الداخلية أكثر فأكثر على الحرب. لهذا اضطر الديمقراطيون الذين حاولوا طويلا تفادي الموضوع لإعادته على جدول الأعمال مرة أخرى. وبتواصل الحرب فإن كل السياسة سينظر إليها من خلال عدستها، وستنمو فجوة المصداقية بالنسبة للحكومة، وسيكون من الأصعب للإمبريالية الأمريكية الحصول على الدعم المطلوب للتعامل مع المشكلات الدولية الأخرى.

إمبريالية منزوعة الفعالية

كانت النتيجة المباشرة لكل ذلك تقوية المواقع النسبية لكل منافسي وأعداء الولايات المتحدة، وعلى رأسهم إيران وحماس وحزب الله في الشرق الأوسط. لكن هذه الظاهرة امتدت خارج الشرق الأوسط أيضا. ففي أمريكا اللاتينية، أدت الظروف الاقتصادية، غير المتعلقة بالطبع بحرب العراق، إلى تمرد شعبي واسع في القارة ضد الليبرالية الجديدة التي تدافع عنها الولايات المتحدة باستماتة. فقد أفادت الليبرالية الجديدة أغنياء القارة بينما تدهورت مستويات معيشة الطبقة العاملة، خاصة مع تكرر الأزمات الطاحنة –كما حدث في الأرجنتين والمكسيك. وفتح المستنقع العراقي مساحة لكي يستمر هذا التمرد الاقتصادي خارج السيطرة الأمريكية ويقوي مواقعه. وسمح ارتفاع أسعار البترول (جزئيا بسبب الفشل الأمريكي في إعادة العراق لسوق الإنتاج العالمي) لهوجو شافيز في فنزويلا بتدعيم شعبيته في فنزويلا وخارجها. وخلق أنصار التيار الجديد في الإكوادور وبولفيا وكوبا وغيرها مع فنزويلا قاعدة منظمة لهذا التمرد على السياسة الأمريكية في القارة. أجبرت أزمة العراق الولايات المتحدة على تقليص تدخلها السياسي، وقد يؤدي استمرار الوضع العراقي على ما هو عليه لاستمرار هذا الانسحاب الذي يضعف قدرة الإمبريالية الأمريكية على توجيه الأمور والتأثير فيها في القارة اللاتينية.

أما المستفيد الأول من الحرب على العراق في المدى الطويل فهي بلا شك الصين. فالتطور الاقتصادي للصين خلال سنوات الحرب الأربعة رفعها لوضع تؤثر فيه على النمو العالمي، أسعار السلع، التجارة الدولية، السياسات النقدية وأسعار الفائدة، بطريقة تجعلها المنافس الأكثر جدية للإمبريالية الأمريكية بشراكتها التجارية والعسكرية المتعمقة للأمريكيين اللاتينيين وللأفارقة، وبنهمها المماثل لاحتياطيات النفط العالمي لتموين نموها الاقتصادي. وجنبا إلى جنب مع التنافس الاقتصادي، هناك التنافس العسكري. فالصينيون يطورون أسلحتهم البحرية. ومؤخرا أظهروا قدراتهم على إسقاط حتى الأقمار الصناعية العسكرية، فاتحين بذلك مجال احتكرته أمريكا لسنوات وهو عسكرة الفضاء. صحيح أن القوة العسكرية الصينية مازالت أضعف بمراحل من الإمبريالية الأمريكية، لكن هذا التطور بث الرعب في الأوساط العسكرية الأمريكية. إلا أن المستنقع العراقي والمشاكل الاقتصادية الأمريكية تحد من خياراتها.

التبعات الاقتصادية للحرب

تبلغ تكلفة الحرب رسميا أكثر من 660 مليار دولار، لكن هذا التقدير يقلل بشدة من تكاليفها الحقيقية. ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية للعام المقبل فقط تبلغ 481 مليار دولار. ولو أضفت الـ 141 مليار الإضافية، المخصصة للعراق وأفغانستان، ستصل إلى 622 مليار قبل طلبات التمويل الإضافية. ويزيد الرقم إلى 657 مليار بإضافة مخصصات الأمن الداخلي، وإلى 700 بإضافة مخصصات أخرى هامشية تتأثر بالحرب. قارن هذا بميزانية سنوية لا تزيد على 299 مليار في ألفين وواحد. وتزيد هذه التكاليف، مع وضع التضخم في الاعتبار، على تكاليف حرب فيتنام وتتجاوز بكثير مخصصات الإنفاق العسكري إبان الحرب الباردة. لكن الأهم هو أنها تلقي عبئا هائلا على ميزانية الولايات المتحدة واقتصادها المضغوط المليء بالتشوهات.

وبدلا من التأثير الإيجابي المعتاد للحروب على الاقتصاد الرأسمالي، فقد فقدت أمريكا في السنوات الماضية تفوقها التنافسي في السوق العالمي. وزاد دينها الخارجي إلى نقطة تهدد الدولار، علامة سيطرتها الاقتصادية. وتضخم العجز التجاري في 2006 إلى رقم لا يمكن أن يستمر يتجاوز 760 مليار دولار أما عجز الحساب الجاري فوصل إلى 800 مليار. وبدلا من أن تسدد الحرب تكلفتها عبر النفط العراقي، إضافة إلى تخفيض سعره لما تحت العشرين دولارا للبرميل، أصبحت العراق ثقبا أسود يبتلع الأموال ويرفع السعر لما فوق الستين دولارا.

كما تراجعت قدرة أمريكا التنافسية في السوق العالمية، كما ظهر في تراجع نصيبها من الناتج العالمي من 30.8% عام 2000 إلى 27.7% في ألفين وستة. والكتلة الرئيسية لهذه الخسارة ذهبت لمنافسيها العسكريين الأساسيين: روسيا والصين. وتمتلك الأخيرة الآن أكثر من تريليون دولار من الاحتياطيات النقدية الأجنبية، 90% منها بالدولار، مما يجعلها ذات تأثير بالغ على الاقتصاد الأمريكي بكونها أهم مقرضيه بسبب رفض الطبقة الحاكمة تسديد تكاليف الحرب من جيبها عبر الضرائب مفضلة الاقتراض من الصين بما ينحر في قوتها الإمبريالية عالميا. وهناك طرف ثالث يدفع ثمنا غاليا هو فقراء أمريكا. فعبء التكلفة الباهظة للحرب يستخدم لتبرير التخفيضات في التأمين الصحي والبرامج التعليمية والاجتماعية. ويحاول اقتصاديو وسياسيو الرأسمالية الأمريكية إجبار الطبقة العاملة على تحمل عبء حربهم من أجل النفط والإمبراطورية لتصبح بذلك الصلة بين الحرب في الخارج والحرب الطبقية في الداخل محط التركيز والنظر.

وحش جريح

إن تأثيرات الهزيمة الأمريكية في العراق بدأت فقط في الانكشاف. ومن المستحيل التنبؤ بكل عواقبها أو كيف ستتطور، لكن الماضي يمكن أن يكون مرشدا مفيدا. فبينما بالغت قطاعات في اليسار في تقديرها للقوة الأمريكية الإمبريالية، يقلل آخرون بشدة وبشكل مخل من قدرتها على تجاوز هزيمتها. فبرغم الخرائب التي تركتها حرب فيتنام، لم يستطع منافس مواجهة الأمريكيين، وفي خلال عقدين استرجعت كامل قوتها. وبرغم نكساتها المتعددة حاليا، تبقى الولايات المتحدة القوة الكبرى المسيطرة. وبرغم الآليات المشوهة للنظام التجاري الدولي، تظل الشركات الأمريكية العابرة للقارات والبنوك الأمريكي الأكثر ربحية وهيمنة في مجالات حاسمة. وعسكريا لا يستطيع حتى الآن أي منافس مضاهاة قوتها. ولا يمتلك أي من منافسيها الموارد لجذب حلفاء وأتباع وإمبرياليات فرعية بنفس العمق الذي تستطيعه. لذلك فإن الولايات المتحدة لا تعاني من إفلاس كامل في الخيارات أو في مساحات المناورة. وبينما تعاني في العراق كانت الولايات المتحدة قادرة على استخدام إثيوبيا مثلا لإقصاء الإسلاميين في الصومال، والسعودية لتوليد حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية. بينما يضعف العداء الطائفي المتفاقم بين الشيعة والسنة في العراق والشرق الأوسط من المعارضة للقوة الأمريكية في الإقليم.

لكن هناك حدودا لهجومية الإمبريالية الأمريكية عندما تواجهها نكساتها وهزائمها. فقد بدأ صعود السياسة ضد الإمبريالية في الظهور في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وبينما تنضج أزمة أمريكا فإن مولد يسار معادي للإمبريالية مرة أخرى في العالم، بما فيه أمريكا نفسها، يبدو في الأفق. والأزمة طويلة المدى للطبقة الحاكمة الأمريكية بفعل كارثة العراق هي مفتتح لكي تصبح معاداة الإمبريالية بديلا لجناحي السياسة الإمبريالية –الجمهوري والديمقراطي. يجب مواجهة الإمبريالية الأمريكية من خلال معارضة شعبية واسعة من أسفل في الداخل. معارضة موصولة بالنضال من أجل التحرر دوليا. ومازال هذا أمرا رهينا بالمستقبل، لكن هزيمة الولايات المتحدة في العراق تجعل هذا المستقبل أقرب وأكثر إمكانا.