بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«الميدان».. فيلم مصري لن يراه المصريون

اختلفت الآراء الفنية بشكل عام حول قبول المنتجات الفنية التي يكون المحور الرئيسي فيها هو “الثورة”. وتتمحور الآراء حول كيفية إنتاج عمل فني تدور أحداثه عن حدث كبير (ثورة أو حرب أو كارثة طبيعية، إلخ) في ظل أن استمرار الحدث ذاته، في حين يطرح العمل الفني تحليلات ناتجة بالضرورة عن ذلك الحدث الكبير الذي لم ينته بعد والذي يحتاج إلى بعض الوقت للتحليل والفهم لمفرداته وإلا سيكون العمل مجرد مجموعة من الفيديوهات التوثيقية فقط.

آراء أخرى تقول أنه من المهم تقديم مثل تلك الأعمال التوثيقية التي لا تطرح تحليلات سياسية عامة وتكتفي بإلقاء الضوء على حكاية صغيرة داخل ذلك الحدث الكبير وتنطلق منها، أو أن يكون الحدث الكبير – الثورة مثلاً – هو عامل الزمان التي تدور فيه الأحداث حتى ولو لم تكن لها علاقة بالثورة. وهنا تكمن ضرورة تقديم أعمال فنيه لها علاقة بالثورة خصوصاً في ظل حالة الهجوم الرجعي والقمعي من جانب الثورة المضادة، ذلك الهجوم الهادف إلى محو الثورة من ذاكرة الجماهير، وما يتطلبه ذلك من ضرورة أن يكون للثورة صوت وصورة يعبران عنها.

في دقيقتين ونصف تستطيع أن ترى مسح سريع لأحداث الثورة المصرية الطويلة الكثيرة المتلاحقة.. العلاقات الانسانية المتشابكة والمتداخلة، الانحيازات والانتماءات، التفاصيل التاريخية المركبة. وسيتوقف الزمن بك للحظة عند سماعك عدد من الجمل الحوارية في الفيديو الدعائي للفيلم الوثائقي “الميدان”، الفيلم الذي تدور أحداثه حول يوميات عدد من الشخصيات مختلفة الأفكار والانحيازات السياسية.

يتضمن الفيلم تطورات السنوات الثلاث الماضية من تصوير جيهان نجيم، مخرجة الفيلم، منذ اللحظة الأولى للثورة في يناير 2011 وحتى سقوط مرسي عن الحكم. الفيلم مدته 95 دقيقة وينافس فيلم “الميدان” في فئة “أفضل فيلم وثائقي” بالأوسكار ومعه خمسة أفلام وثائقية أخرى هم: The Act of Killing و Cutie and the Boxer و Dirty Wars و 20Feet from Stardom.

“لو آخر نقطة دم طلعت مننا كقوات مسلحة مش هيطلع طلقة فيكو”، تسمع الجملة من أحد الجنرالات أعضاء المجلس العسكري الذي نزل للميدان ليجبر المتظاهرين وقتها في مارس 2011 على فض الاعتصام الذي استمر من فيه لانعدام ثقتهم في مجلس مبارك العسكري.. تلك الجملة التي أعقبها فوراً فضٌ وحشيٌ للاعتصام من قبل قوات الشرطة العسكرية، وإخلاء ميدان التحرير من الثوار، تحول المتحف المصري في تلك الأثناء إلى سلخانة تعذيب تُجرى فيه أيضاً كشوف العذرية. تلك كانت نقطة تحول في علاقة المعسكر الثوري بالقيادات العسكرية على رأس الحكم بعد خلع مبارك.

“الجيش خان الثورة”، جملة قالها أحد أبطال الفيلم التي تدور معهم وعنهم أحداث “الميدان”.

“عم مجدي.. أنا بحبك، لكن بَكره جماعة الإخوان المسلمين”، شاب من شباب الميدان متحدثاً إلى أحد ابطال الفيلم وهو ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان موجوداً جنباً إلى جنب مع هذا الشاب قبل سقوط مبارك.

“خُدوا الميدان واعملوا اللي انتوا عاوزينه، والثورة جاية غصباً عن أي حد”، الشاب موجهاً حديثه لـ”عم مجدي” عضو جماعة الإخوان. تلك الجمل الحوارية، التي تجعلك تفكر مرة تلو الأخرى في أمر الثورة وأمر ذلك الحدث الكبير الذي كان بمثابة انفجاراً حقيقياً لتعقيدات العلاقات الإنسانية وتفاصيل الأزمات المجتمعية المركبة وانحيازات مجموعة من الناس لقوى سياسية هي بالأساس عدوا طبقي لها ولانحيازاتها الاجتماعية وتعمل ضد مصالحها المباشرة.

فيلم بهذه الاهمية للأسف لن يراه المصريون لأن الطبقة الحاكمة لن تجرؤ على عرض فيلم يعلن بوضوح أن الطبقة الحاكمة كاملة لا استثناء فيها تعمل ضد مصالح أغلبية الجماهير التي خرجت في يناير من أجل هدم دولة الظلم والفقر والذل والقتل، لا من أجل تجميلها وإحداث تغييرات طفيفة على نظام حكمها بوضع بعض اللمسات الديمقراطية في عملية إدلاء الاصوات وانتخاب المسئولين، إلخ. تلك الطبقة الحاكمة لن تجرؤ على فضح نفسها وكشف انحيازاتها لمصالحها الاقتصادية المباشرة وليس لمصالح المواطنين.. تصريحات عديدة تأتي من جهاز المصنفات لكنها لا تعدو كونها تصريحات عن عدم وجود أي رفض لعرض الفيلم وأنه لم يُعرض عليهم بالأساس، لكن الحقيقة أن الفيلم تم تقديمه لجهاز الرقابة منذ ثلاثة أشهر دون جدوى، الفيلم لن يُعرض في مصر ولن يراه المصريون لأنه يفضح الطبقة الحاكمة ويُنعش ذاكرة الثورة في عقول الجماهير. الآن على الفنانين أن يعملوا على الفور على مساندة هذه التجربة وأن يستخدموا كافة السبل لعرض هذا الفيلم في دور العرض المصرية ليراه المصريون ويعرفوا الحقيقة. الحقيقة هي ما نحتاجه اليوم لمواجهة حملات تزييف وتشويه الثورة وتاريخها.

برومو الفيلم: