بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قراءة في فيلم «الميدان»

مع حلول الذكرى الثالثة للثورة المصرية، وفي أجواء هي الأسوأ منذ انطلاق الثورة ومناخ يشهد تخوين واتهامات ضد ثورة يناير ومحاولة لوصمها من قبل إعلام الثورة المضادة بالمؤامرة الخارجية والداخلية لتخريب مصر، ووسط حالة من الهستيريا الإعلامية والتهليل والتطبيل للحرب على الإرهاب واستعادة هيبة الدولة ورفع شعارات الأمن القومي والاستقرار، أتى وصول الفيلم الوثائقي المصري إلى الترشيحات النهائية لجائزة الأوسكار في وقت نحتاج فيه إلى إنعاش الذاكرة الجماهيرية وتذكيرها بالثورة وبالأوضاع التي أدت إلى اندلاعها وبالجرائم التى ارتكبها المجلس العسكري في الفترة التي لعب فيها دورا هاما في إجهاض الثورة، مرة بشكل ناعم ومرة بالمذابح الدموية، التي ارتكبها في حق الثوار، مرورا بخيانة الإخوان المسلمين لأهداف الثورة وتحالفهم مع المجلس العسكري إلى صعودهم إلى السلطة ومحاولتهم إيقاف الثورة بكل السبل الممكنة انتهاءً بسقوطهم وما تلى ذلك من عودة المجلس العسكري إلى السلطة.

يتناول الفيلم عملية سرد تاريخي للمحطات الهامة في الثورة المصرية من خلال شخوص أبطاله التي تمثل عينة عشوائية من الطليعة الثورية ونشطاء الميدان. الشخصية المحورية هى أحمد: شاب مصري في منتصف العشرينات، يشبه عشرات ومئات الآلاف من شباب الطبقات الشعبية التي شاركت في الثورة نتيجة ما كانت تعانيه الطبقات الكادحة من إفقار وبطالة وقمع داخلية النظام.

أحمد شاب يحمل نقاءا ثوريا وإخلاصا لمبادئه، ومن خلال مشاركته في أحداث الثورة مع غياب الرؤية السياسية والنظرية الثورية، سيطرت الرؤى المثالية على تفكيره، مثل حواره مع المعتصمين في الميدان باعتصام مارس عن “أن سر نجاح الثورة في 18 يوم هو إننا كنا يد واحدة” أو بمعنى آخر كلنا مصريين بدون انتماءات سياسية أو حزبية هو سر نجاحنا، كذلك فى كلامه فى نهاية الفيلم عن احتياجنا ليس إلى قائد ولكن إلى ضمير، هذه الرؤية التي تتجسد في هتاف “ثورتنا ثورة شعبية.. لا ائتلافية ولاحزبية”.

الحقيقة أن غياب الأفق والرؤية السياسية هو أحد أسباب انكسار موجة الثورة الأولى بعد ثلاث سنوات، فالثورة عملية تغيير سياسي جذري، وفى حالة افتقارها إلى الرؤية السياسية والتنظيم ستفشل في تحقيق أهدافها، وهو ما يظهر في حوار بين أبطال العمل عن أن الإخوان هم القوة الوحيدة المنظمة وأن الثوار يفتقرون إلى التنظيم السياسي القادر على التأثير فى محيط الجماهير.

ننتقل إلى خالد عبد الله وهو مصري عائد من الخارج بعد أن أعادت 25 يناير الروح إليه وقرر ألا يتركها ويستكمل التغيير ويشارك في صناعته، والناشطة النسوية والحقوقية عايدة الكاشف، هما نموذج لنشطاء من الإنتليجنسيا المناضلة الثورية، يمكن تصنيفهما كديمقراطيين جذريين، أو المناضلين الحقوقيين الساعيين لحكم مدني حقيقي ومجتمع يحترم حقوق الإنسان وإصلاحات سياسية واجتماعية عميقة وليست شكلية، ويظهر فى حوار خالد مع والدته عندما يسألها “إنتي عاوزة انتخابات برلمانية في شهرين” فترد بأن الإنسانية لم تصل إلى شكل أفضل من التمثيل النيابي وأنها تخشى عودة الحكم العسكري، فيقف هو مدافعا عن فكرة الشرعية الثورية والتغيير بضغط الجماهير، كذلك يطل خالد بالمحادثة مع والده في الخارج عن إنه سيسعى لخلق إعلام بديل يفضح جرائم النظام ويرد والده بعبارة ذات دلالة “أنت ناسك فقراء، فالغني مش عاوز حرية هو حر فعلا، الديمقراطية عشان الغلابة والفقراء”، في إشارة إلى امتلاك الدولة ورجال الأعمال للإعلام، وبأن المجلس العسكرى هم قيادة الثورة المضادة.

ننتقل إلى مجدى عضو الإخوان المسلمين الذي شارك في الثورة منذ بدايتها وتوطدت صلته برفاق الميدان، ولم يمنعه انتماؤه لجماعة الإخوان وصلته الوجدانية العميقة بهم من انتقادهم بسبب مواقفهم المهادنة للمجلس العسكري، وكذلك عدم رضائه عن تصريحات قيادات الإخوان بعدم النزول للميدان وأن ذلك تعطيل عجلة الإنتاج، أدى إلى أن أعلن تمرده تماما بالخروج على الأوامر التنظيمية ونزل للميدان في أحداث محمد محمود، ثم مطالبته لأحمد بالصبر بعد نجاح مرسي، ثم رفضه النزول في مواجهة رفاق الثورة “أحمد وخالد” في الاتحادية ولومه لابنه على النزول هناك، ولكن كل ذلك لم يمنعه من النزول إلى اعتصام رابعة العدوية برغم كل انتقاداته للإخوان على مدى عامين لإحساسه بأن تحرك 30 يونيو تقف وراءه الدولة بأجهزتها، مستغلة الثوار وتستخدم الجماهير المحبطة من خيانة مرسي لوعوده بتحقيق أهداف الثورة كغطاء لانقلاب عسكري يعيد دولة مبارك بالكامل.

الفيلم بمجمله هو تعبير عن معضلة الثورة. كان الافتقار إلى النظرية والتنظيم الثوري هم سبب الفشل في تحقيق أهدافها الآنية، فمن المشاهد المعبرة في نهاية الفيلم نظرات أحمد التائهة إلى احتفالات الجماهير بسقوط مرسي التي تعبر عن حالة من الصراع الداخلى ومحاولة لاختراق ضبابية المشهد: “هل سقوط مرسي بهذا الشكل خطوة للأمام أم خطوة للخلف؟” وشريط يوم 11 فبراير في ذهنه، “لقد تخيلنا أن الثورة نجحت بسقوط مبارك وكنا واهمين”.

هل العبارة التي طالما رددناها في بدايات الثورة “مشكلتنا إننا خرجنا من الميدان بعد سقوط مبارك قبل أن تصبح الشرعية في أيدي الثوار” عبارة سليمة؟. في تقديرنا أن ترك الجماهير للميدان كان نتيجة وليس سببا، كان نتيجة غياب التنظيم والرؤية السياسية وبالتالي استطاع النظام خداع الجماهير بأن خلع مبارك معناه سقوط النظام.

يشير فيلم “الميدان” إلى الدور الحيوي للفن الثوري كسلاح دعائي وتحريضي لديه القدرة على الانتشار والتأثير في قطاعات جماهيرية واسعة ولعب دور الذاكرة الثورية واستخلاص دروس التجارب الثورية والاستفادة منها. ولا شك إننا بحاجة إلى العديد من المعالجات الفنية ذات مضامين ثورية تبحث في الجذور الاجتماعية العميقة للثورة المصرية وتساهم في طرح البديل الثوري القادر على التعبير سياسيا عن الثورة المصرية.