بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عن المعمار والثقافة وقاهرةٌ كانت

تنتابني منذ سنوات طويلة تساؤلات لم أصل لإجابة شافية لها أبداً، هل هناك علاقة بين الثقافة والجمال المعماري؟
هل كون الشخص “غير مثقف” (على الرغم من أنني لا أعتقد في صحة هذا التعبير، لأن لكلٌ منّا ثقافته الخاصة، حتى لو كانت تلك الثقافة لا تتناسب مع ثقافة الآخرين) يؤثر على رد فعله تجاه محيطه المعماري والبيئي؟
هل تتحكم الظروف المادية والاقتصادية لأفراد المجتمع في مدى تذوقهم لعناصر الجمال، فتؤثر بالسلب على مفاهيم قد تبدو بديهية مثل الفن والجمال والثقافة؟

هل تتحكم النزعة التجارية في ثقافة المجتمع فتمحو احتياجاته الروحية للجمال، وتبدلها باحتياجات مادية بحتة؟
والأهم، هل الحياة وسط محيط معماري جميل تؤثر على الفكر وتخلق مجتمع مثقف؟ أم أن وجود مجتمع مثقف متذوق للجمال يساعد على خلق وسيلة للتغلب على القبح المجتمعي المنتشر؟ أم أن التأثير متبادل؟

أعتقد أن الأمر في النهاية يعتمد على مفهوم كلمة “الثقافة” نفسها عند أفراد المجتمع. نظرة أعمق لنظريات علم المجتمع وتعريفه للثقافة، وباختصار شديد أتمنى ألا يُخِل بالمعنى، نجد أنفسنا أمام ثلاث طرق مختلفة للنظر إلى مفهوم الثقافة:
1- نسخة إميل دوركهايم الذي يميل لرؤية الثقافة بوصفها الشيء الوحيد الذي يحدد كيفية رد فعلنا وسط الجماعة.
2- نسخة كارل ماركس حيث يرى أن الثقافة تخضع عموما تحت سيطرة الطبقات المسيطرة مادياً من النُخَب كوسيلة للسيطرة على العامة من الشعب.
3- نسخة ماكس فيبر حيث يتم تعريف الثقافة من قِبَل الفرد وليس الجماهير.

وعلى ذلك، فإن الثقافة في أوسع معانيها تدمج الجوانب الأساسية للجنس البشري في طريقة الحياة التي تنعكس وتكون ثقافة المجتمع؛ فتجمع بين الوعي والحكمة والمعرفة في مختلف المجالات. على سبيل المثال لا الحصر؛ علم النفس، وعلم الإجتماع، وعلم الإقتصاد، والأنثروبولوجيا (علوم الإنسان)، والعلوم البيئية، والعلوم الهندسية، والقانون، والسياسة، والهندسة المعمارية. وفي هذا الإطار، تصبح الثقافة هي التي تؤثر وتُشكل الشكل المعماري للمجتمع.

ولكن على الجانب الآخر، فإن المعمار، أثناء فترات النمو المجتمعي، يسجل تأثيرات الثقافة في زمانه ومكانه؛ فيتحول إلى وعاء تندمج فيه الجوانب البيئية والثقافية المختلفة التي تتفاعل معاً لإعطائنا في نهاية المطاف نتاج مادي معين له خواصه ومعالمه، وهي المباني المعمارية نفسها، وبالتالي في هذه الحالة فإن العمارة تعطينا مصدراً هاماً للتعرف على ملامح ثقافة المجتمعات والشعوب المختلفة في تلك الحقبة، وفي هذا الإطار، تصبح العمارة تعبيراً عن الثقافة.

تاريخ مصر مليء بأمثلة معمارية تعطيك فكرة عن الطابع الثقافي والمجتمعي لأزمنتها، فتنظر للعمارة الأيوبية تجدها وقد اهتمت بالخصائص الوظيفية للمبنى على حساب الشكل الجمالي، وتستطيع بسهولة أن تفهم أن تلك الحقبة كانت مليئة بالحروب الخارجية فلم تعطهم رفاهية الجمال المعماري. تمر بالعمارة المملوكية بتسلسلها، فتلمس التطور المذهل في التفاصيل، وتستنبط منه ملامح التقدم في كل المجالات العلمية في ذلك العصر، على الرغم من صراعاته الداخلية. وتصل إلى العمارة العثمانية فيتاح لك تخيل مدى الثراء والتعالي والتباهي الذي تجلّى في التفاصيل المعمارية.

وإن كان تاريخ مصر الحديث تحديداً هو أكبر مثال يستحق الدراسة من حيث التدهور الثقافي والمعماري، فمن عاصمة كوزموبوليتانية كانت في يومٍ ما قِبلة العالم، وواحدة من أروع المدن وأكثرها تقبلاً للثقافات المختلفة؛ من أديان وجنسيات، إلى مدينة تحترف تبَنِّي ثقافة القبح، وقد تحولت شوارعها إلى مناطق شبه عشوائية من كثرة إزدحام الأسواق وانتشار الفوضى، فتجد القاهرة الخديوية بمنطقة وسط البلد الحالية، التي كانت مبانيها مطابقة لمثيلتها في عواصم أوروبا، بل وكانت أكثر جاذبية بحكم كونها مدينة نجت من دمار الحرب العالمية الثانية، وقد تحولت إلى مباني مهملة لا تمت بصلة إلى الأناقة والرونق الذي كان يميزها، وتجد منطقة مثل مصر الجديدة، التي يحمل معمارها إسماً خاصاً به في التعريفات المعمارية (Heliopolis Architecture)، تعاني من مخاوف الهدد والإهمال والقمامة، وتجد أحياء مثل المعادي والزمالك وجاردن سيتي وقد تحولت الكثير من شوارعها العتيقة إلى بضع فيلات تتأذى وسط عمارات شاهقة بلا روحٍ أو هويّة.

السائر في شوارع مصر الجديدة تحديداً يستطيع لمس التدهور المعماري وبالتالي الثقافي في البلاد، فيرى التفاصيل الفنية في عمارات العشرينات من القرن العشرين المجاورة لعمارات الأربعينات – حتى وإن غطت واجهاتها العتيقة أحياناً العلامات التجارية العملاقة. ويتجول قليلاً ليجد مبانِ الخمسينات والستينات التي، على الرغم من افتقادها للتفاصيل الدقيقة الجمالية في المعمار، ظلت تحتفظ بثقافة الاتساع والشكل المتسق. ويستكمل جولته فيصطدم بمهازل عمارة الثمانينات والتسعينات التي تمثل القبح المجتمعي المسيطر على البلاد في أبشع صوره.

بنظرة أوسع، نصل إلى حقيقة أن ثقافة القبح صارت تسيطر على كل معالم الحياة الإجتماعية، فلا يتوقف الأمر عند العمارة، بل تجد مجازر الأشجار شبه اليومية في حملة غير مفهومة أو مبررة، كأنها تهدف إلى عملية تصحر كاملة للعاصمة العتيقة وقتل كل ما هو جميل بها، وكأن القاهرة تحولت بمرور الزمان إلى رمز ومثال حيّ للتدهور والعظمة الضائعة.

لذلك، وكاستنتاج منطقي لكل ما سبق من وجهة نظري، وكما اعتدنا الدراسة في المبادئ الأساسية للحاسب الآلي؛ إذا كانت المدخلات خاطئة فالمخرجات بالتأكيد خاطئة؛ بمعنى أنك إذا كنت تعيش في مكان غير صحي، ملوث، يفتقر إلى أبسط ملامح الحياة الكريمة لقاطنيه، لا تتوقع أن تجد مجتمع إستثنائي متعدد الثقافات أو مُنتج لثقافة مميزة، وإذا كنت تعيش في مجتمع عنصري، يُفرض عليه الجهل العلمي والأخلاقي، فلا تتوقع مِنه بناء محيط جميل بطرز معمارية مميزة!

وفي النهاية، أظل إلى يومنا هذا أتساءل: هل تغيير البيئة والظروف الاجتماعية التي يعيش بها مجتمعنا تجعله أكثر ثقافة وتقبلا لفكرة الجمال؟