بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

«فتاة المصنع».. الحب وسط الاغتراب

من فيلم "فتاة المصنع"

على عكس الأفلام التجارية في تناولها للطبقات الكادحة الفقيرة، طل علينا المخرج محمد خان، ومن خلال أحداث فيلم “فتاة المصنع” ليطرح محاوره من خلال مركزية وضع المرأة في الأحداث، وبكادرات معبرة التقطت قضايا راكدة بإشارات ذكية صغيرة تعكس قضايا أكبر. توغل الفيلم داخل الطبقات الكادحة من خلال التناول، بوضوح تام، الانعكاسات الاجتماعية المتناقضة وبتعميق المضمون مع خلو تام من الابتذال السلعي الذي اعتمد عليه منتجي الأرباح.

هيام، ذات الواحد وعشرين عاما، تنتمي إلى طبقة فقيرة، تعمل بأحد مصانع الملابس، وتعبر عن زميلاتها العاملات في طبقتهن وطموحهن. أما صلاح أو المشرف الجديد “اللي مش لابس دبلة” والذي ينتمي إلى الطبقة الوسطى ونال قدرا وسطا من التعليم، فقد تم تعيينه كـ”بشمهندس” بقسم يشغلن البنات كل العاملين فيه. لم يكن مستبعدا وتحت تأثير الضغوط الاجتماعية واستغلال قاسي تعانيه العاملات بالمصنع، الدائمين السؤال عن المرتب أو “الإضافي هينزل إمتى؟”، أن ينفلتن لحظيا من وسط مسئوليتهن المادية المتراكمة وعمق الاغتراب عن إنسانيتهن ويملن إلى المشرف الجديد “الخمس أدوار” و”اللي متعرفيش لون عينيه إيه”.

خلقت هيام عالما مواز من الأحلام، أو ربما الأوهام، في حب المشرف الجديد هروبا من واقع أشد قسوة من حدة أدواتها في الحياكة، خيال صنعته رغبة قوية في الخلاص من استغلال مادي متوحش وأعباء معيشية ثقيلة إلى الانطلاق في ساحات أرحب وتصورات لعالم أفضل يتسيده الحب، أو على الأقل ينقذها من توبيخ وإهانات المشرفة حسنية.

تخيلت هيام أثناء مصارحتها لصلاح أن حياتها كانت ستتغير تماما لو أن أبيها ظل حيا، مثلما توهمت إحدى فتيات المصنع أن زميلتها المتعثرة في زواجها، والتي اعتاد زوجها على إهانتها، هي بجميع الأحوال أفضل منهن، وأنها بالتأكيد أوفر حظا من تلك التي تنتمي “والعياذ بالله” إلى برج العذراء! ومثلما أيضا تخيلت جدتها بأن المرأة المُطلّقة ستظل معيبة حتى تزويجها مجددا.. “إنتي هتتجوزي إمتى؟” أو هكذا كانت دائما تسأل خالة هيام.

الحب متاح في أي وقت ومعروض ودعايته معلنة مثل الشقق الخاوية، لكن الاقتراب منه هو منطقة محفوفة بالمغامرات والمخاطر والاستغلال أيضا، أو مثلما لاحظت هيام وأثناء سير أتوبيس الرحلة، وهي التي تسكن المناطق العشوائية المهمشة، “بصي العماير، يا لهوي كل دي شقق فاضية!”. هل أصبح الحب فعلا سلعة كالشقق؟ هل التشوه أصاب كل القيم والمفاهيم الجميلة في مجتمع يتسيده الاستغلال؟ هل سيصبح الآن الاختيار المطروح بين استغلال المصنع أواستغلال الحب؟

أغاني سعاد حسني، يلا يا هوا، كلمات الغزل، معايير ثابتة للأنوثة، ضل راجل ولا ضل حيطة، البنت ملهاش إلا بيتها، آخرة البنت الجواز، عانس، مطلقة، وتناقضات عميقة بأفكار المجتمع، اختزلها المخرج بذكاء في لقطات سريعة من أفلام قديمة، دفعت هيام، وكثير من البنات، للخروج من ضغط أفكار اجتماعية تحاصرها وربما تعتصرها إلى البحث عن منقذ “رجل” يدور بنفس فلك التناقضات وبمحورية ثابتة يحقق حلم الحب والزواج “ويا لهوي لما الواحدة تكمل 21 سنة”.

نفس الأفكار تشدّهن بمزيد من القيود، وتحيطهن بهالة مميتة من المحاذير. “هو عيب الواحدة تقول لواحد إنه واحشها؟”، “مفيش أغاني وكلام فارغ وقلة حيا”، “مفيش غيرها هيام محدش عارفلها حاجة”.
هيام ظلت تعاني التردد بين أساطير خلقها العالم الضيق المحيط بها في المصنع ليضيق الخناق عليها، وخوف متلازم من مواجهتها بإعلان حبها المجرد للمشرف.

صلاح هو الآخر يعاني الاغتراب عن إنسانيته والاستغلال في عمله، رغبة قوية في الانفلات من الضغوط، والسعي لتكوين علاقات تقضي على ساعات ملله واحباطاته النفسية واغترابه وربما أيضا فشله، استغلال وليد استغلال، وانخراط في دائرة تسليع المجتمع المستغل واختزال قيم الحب والمشاركة إلى بعض كلمات الغزل والملامسات.

صلاح يقرر أن طبقتها الكادحة لا تليق به. أما المجتمع فيقرر أن الرجل هو من يصرح بالحب، الرجل لا يبكي، والرجل هو الأعقل والأقوى، والرجل لا يعيبه الطلاق، والرجل من يملك “حق” التعدد، وفي ظل تناقضات مزدوجة يعانيها نفس “الرجل” لحالة الاغتراب وأفكار “سي السيد” ليخلقا تشوها عميقا للعلاقات العاطفية السائدة.

صلاح لا يعرف عم سيد، أو أحمد زكي في فيلم “اضحك الصورة تطلع حلوة”، وربما أيضا لا يعرف، ضمن دوائر الاستغلال المتداخلة، أن “كلمة أنا بحبك عقد.. اللمسة عقد.. النظرة عقد”، لكن المؤكد أن هيام، المهيئة فكريا بأن الحب خلاصها، تتذكر قُبلة صلاح جيدا، أما هو، والمهيئ مجتمعيا للاختيارات المتعددة نسبيا، لا يتذكر، رغم أن كلاهما دفعهما رغبة التخلص من الاغتراب.

هيام قررت الاحتفال بـ”البشمهندس” صلاح اللي “لبس الدبلة” أخيرا على طريقتها الخاصة. هيام استطاعت مواجهة الاستغلال تحت اسم “الحب” من ناحية، وتحدي قسوة المجتمع وأفكاره من ناحية أخرى.

يطرح الفيلم التناقضات المجتمعية بقوة بين خالتها المطلقة التي تكافح من أجل تربية ابنتها في ظل وضع اقتصادي متردي وضغوط اجتماعية تحاصرها بقسوة ومجتمع يصدر أحكامه الظالمة الضيقة.. وببساطة تصبح “قبل الساعة التاسعة” شرطا للدخول للبيت، أو البديل هو المبيت في الشارع بكل رضا وشماتة!

الفيلم نجح بالفعل في تجنب الوقوع في فخ التفسيرات الحرفية عن استغلال الطبقات الكادحة وفي ظل تسليع عام للقيم النبيلة يمارسها أبناء الطبقة الواحدة. عدسة المخرج استطاعت صنع لقطات لحظية تعكس تشوه العلاقات العاطفية في المجتمع بفعل تناقضاته الحادة.

لتطل علينا أم كلثوم تقطع أغاني سعاد حسني “حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه؟!”.