بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماركيز: مغادرة الأرض حياً

“إن الشيء الوحيد الذي أريده في هذه الحياة هو أن أكون كاتباً، وسوف أصير كذلك”.

ربما صار جابريل جارسيا ماركيز أكثر من مجرد كاتب، فقد خلق عالما بأكمله، مميز، رهيف، وقاسي‫.‬ في أعماله الأدبية دفع الواقع إلى أبعد حدود الخيال، ليتحول بلا معقوليته إلى صورة أكثر وضوحا لما نعيشه‫.‬ يمكن تلمس ذلك بوضوح في رائعته ‫”‬خريف البطريرك‫”‬ حين يحكي عن الرئيس الجنرال السرمدي، مالك الكون، أعتى من مجرد ديكتاتور يحيا كأنه الأبد، ثم يموت في النهاية داخل قصره ‫”‬أكثر عمرا من كل البشر والحيوانات في البر أو البحر‫”.‬ الأمر نفسه يتكرر في روايته القصيرة ‫”‬سرد أحداث موت معلن‫”‬، عندما تتواطأ قرية بأكملها في جريمة قتل سانتياجو نصار، الكل يعرف أن جريمة سوف تقع لكن أحدا لم يتدخل لمنعها أو تحذير الضحية، كأن القتل قدرا هذه المرة‫.‬

ذلك المزيج المحكم بين الواقع والخيال، عاشه ماركيز في سنوات حياته الأولى. فعقب ميلاده في 6 مارس 1927 بأركاتاكا في كولومبيا، اضطر والديه للانتقال من دونه إلى مدينة بارانكويلا بسبب عمل والده، فقضى ماركيز سنواته المبكرة في بيت جدته لأمه العامر بقصص الأشباح والعلامات ونذر المستقبل، كانت قصص الغرائبيات جزءا عاديا من حياتها وحياة ماركيز الأولى. لعبت قصص الجدة دورا كبيرا في خلق ذلك العالم السحري في أعمال ماركيز، وخاصة روايته الأشهر “مائة عام من العزلة”، بأجوائها الأسطورية عن قصة 7 أجيال من عائلة بوينديا في قرية خيالية.

لم تكن الجدة فقط هي المؤثر الوحيد في حياة ماركيز، فحياة الجد أيضا لعبت دورا في تكوين الوعي السياسي له. كان الجد كما قال عنه ماركيز نفسه “الحبل السري بين التاريخ والواقع”، فهو الجنرال السابق في صفوف الليبراليين في حرب الألف يوم الأهلية في كولومبيا (1899 –1902) ضد حزب المحافظين الحاكم، وقتها المتهم بالتلاعب في الانتخابات، وهو من رفض الصمت على مجزرة وقعت في نفس عام ميلاد ماركيز في صفوف عمال إحدى الشركات المورّدة للفاكهة للولايات المتحدة الأمريكية، حين أضرب العمال عن العمل مطالبين بتحسين شروط عملهم، فأرسلت الحكومة الكولومبية الجيش لقمع الإضراب، تحت تهديد نظيرتها الأمريكية باجتياح البلاد إذا لم تحمِ استثماراتها في مجال الفاكهة. وأسفرت التجريدة العسكرية الكولومبية عن قتل أعداد ضخمة غير معروفة من العمال. وهي الواقعة ذاتها التي أوردها ماركيز في روايته “مائة عام من العزلة”.

يمكن تتبع تأثير الجد بحكاياته عن الحرب الأهلية بين الليبراليين والمحافظين في الخط السياسي الذي انتهجه ماركيز لاحقا في شبابه، كما عبر أكثر من مرة في لقاءات ومقالات صحفية، فمواقفه التي تميل ناحية اليسار ومعاداة الحكومات المحافظة والعسكرية في أمريكا الجنوبية والنظام العالمي الواقع تحت تأثير الولايات المتحدة الأمريكية، أغلب الظن أن هذه المواقف تشكلت نواتها من قصص الجد المحارب السابق.

لم تكن قصة زواج والدي ماركيز أقل إلهاما بالنسبة له من باقي قصص الجد والجدة، فرواية “الحب في زمن الكوليرا” مستوحاه من تلك القصة. فقد واجه جابريل إليجرو جارسيا، والد ماركيز، رفضا من والد لويزا سانتياجا ماركيز، معتبرا أنه لا يليق بها كزوج. لكن إليجرو تمسك بعلاقته بلويزا، وأغرقها برسائله وقصائده التي لا تحصى، وعزف الكمان تحت شرفة منزلها، وحينما أرسلها والدها في رحلة طويلة لإبعادها عن إليجرو، استمر في إرسال البرقيات المطوّلة لها، تماما كما جاء في الرواية، حتى خضع الأب في النهاية لإصرار إليجرو وأعطى ابنته موافقته على الزواج به.

لم تكن حياة ماركيز أكثر غرائبية وإثارة من حياة والديه وجدّيه، فقد عمل صحفيا أثناء دراسته القانون بأواخر الأربعينيات، وكتب لعدد من الصحف الكولومبية، وخلال هذه الفترة كان عضوا بارزا في “مجموعة بارنكويلا”، على اسم المدينة التي كان يقطنها، والتي ضمت عدد من الكتاب والصحفيين المميزين والمشاهير بكولومبيا، وكانت واحدة من أهم تجمعات المثقفين، كما تعرف أيضا خلال هذه الفترة على أعمال كتاب مثل: فيرجينيا وولف وويليام فولكنر، ولعبت كتابات كلاهما دورا في تطوير رؤيته الإبداعية، وخاصة تقنيات السرد لدى فولكنر وتيماته التاريخية في الكتابة.

وفي أواخر 1957 انتقل ماركيز إلى كراكاس، عاصمة فنزويلا، قابلا منصبا في إحدى الصحف هناك، ليشارك بعد فترة وجيزة من وصوله العاصمة الفنزويلية في الاحتجاجات التي أطاحت بالرئيس الديكتاتور ماركوس بيريز جيمينيز (1953 – 1958).

في مارس 1958 عاد إلى موطنه وتزوج من مرسيدس بارشا، ثم عاد مرة أخرى، في شهر مايو، إلى كراكاس، وأنجب منها ابنين هما رودريجو وجونزالو.

في 1999 تم تشخيص إصابة ماركيز بسرطان الغدد الليمفاوية، وبدأ رحلته مع العلاج الكيميائي بإحدى المستشفيات بلوس أنجلوس، والتي انتهت بالنجاح، لكنها دفعته إلى التفكير في كتابة مذكراته. ظل ماركيز لمدة 3 سنوات يكتب يوميا دون انقطاع، فصل خط الهاتف، قلّص زيارات الأصدقاء إلى الحد الأدنى ألغى كل الرحلات وكافة أنواع الخطط المستقبلية وتفرغ لكتابة سيرته الذاتية “أن تعيش لتروى” التي نشرها سنة 2002.

في 17 أبريل 2014 توفى ماركيز بمستشفى في المكسيك إثر تدهور عام بصحته بعد إصابته بالتهاب رئوي، وكان عمره 87 عاما. وودعته أسرته في جنازة عائلية، ونُظمت جنازة رسمية له حضرها الرئيسان الكولومبي والمكسيكي في مكسيكو سيتي، حيث عاش ماركيز آخر 3 عقود من حياته، كما نظم سكان أركاتاكا، حيث ولد، جنازة رسمية له.

ترك ماركيز خلفه 6 روايات أشهرها “مائة عام من العزلة” و”خريف البطريرك” و”الحب في زمن الكوليرا” و”الجنرال في متاهة”، و4 روايات قصيرة منها “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” و”ذكرى غانياتي الحزينات” و”سرد أحداث موت معلن”، و5 مجموعات قصصية، و7 كتب غير أدبية.

يمكن لأي قارئ، رغم الطابع الخيالي لأعماله، أن يجد في طياتها تاريخ ومجتمع أمريكا الجنوبية، حيث الصراع القديم بين الليبراليين والمحافظين، ثم عصر الديكتاتوريات العسكرية، وأجواء الحكايات الأسطورية للجدة. ستحيا سطور ماركيز طويلا مثلما عاش طويلا ليروي، مخلصا لما اعتبره هو الفعل الوحيد الذي يجيده.. الكتابة.