بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الطاهر وطّار.. تجربة في العشق

“الموت لا يخيفني ، لأنني أؤمن به منذ صباي، وأنتظره كل يوم كحق وواجب”. عبارة تحولت لحقيقة برحيل الأديب الجزائري الكبير “الطاهر وطار” والذي كتب، قبل نحو أربع سنوات في تقديم موقعه على الإنترنت: “هذا موقعي وهذا مزاري، أعددته كي أقترب منكم أكثر فأكثر، أنتم الطلبة والباحثين، والمهتين بالأدب ورجالاته. أشعر وأنا أنهمك في إعداد هذا المزار، أنني أعد قبراً شبيهاً بقبور الفراعنة، الغاية منه أن نتواصل مع الآخرين عبر الزمن. إنني عندما أكتب، أفعل ذلك لأتوحد مع الكون بكل ما فيه، ستتعرفون علي شيئاً فشيئاً، فليس من السهل ملء هذه الفراغات.

فالموت الذي كان – وما يزال – هاجساً كبيراً في أعمال وطار بعد أن “رفع الولي الطاهر يديه بالدعاء”، انطفأت “شمعته في الدهاليز” وانتقل إلى “مقامه الزكي”، ولكنه “سيعود مثل الشهداء هذا الأسبوع” إلى الحياة بوصفه أحد المبدعين العرب.

شكل وطار ظاهرة فريدة في الجزائر ولطالما كان مثيراً للجدل، ألتحق بجبهة التحرير الجزائرية منذ بداية شبابه، وتربى على فكرها، وشارك في النضال ضد الاستعمار حتى نالت الجزائر استقلالها، غير أنه سرعان ما بدأت مشاكله مع السلطة الوليدة حين أغلقت صحيفة “الأحرار” التي أسسها في عام الاستقلال، ومن بعدها صحيفة “الجماهير” ثم “الشعب”، على اعتبارها تجمعاً للكتاب الماركسيين اليساريين. لقد باشر وطار نقد ممارسات السلطة وانحرافتها منذ البداية، في وقت كانت فيه محل تقدير الجميع في الداخل والخارج.

ورغم أن ثقافة وطار الأولى كانت في إطار إسلامي تراثي، من خلال التحاقه بمدرسة كانت تشرف عليها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ثم معهد غبن باديس ثم جامعة الزيتونة في تونس، إلا أن وطار صار ماركسياً يسارياً، ورغم يساريته لم يخفي تأثره بثقافته الأولى وبمكانة أسرته الدينية والاجتماعية ذات الأصول البربرية، حيث كان شديد الارتباط بخصوصية المجتمع الجزائري وتاريخه النضالي، ومكوناته التراثية خاصة اللغوية، ولقد ظهر هذا بوضوح من خلال تمسكه باللغة العربية والدفاع عنها، حيث كان من أشد الأصوات المعارضة للثقافة الفرانكوفونية التي هيمنت على الساحة الأدبية في الجزائر قبل الاستقلال وبعده، وحتى أواسط الثمانينات من القرن الماضي، حين بدأت الأصوات الروائية والشعرية التي تكتب بالغربية تكتسب زخماً وتفرض حضورها على الساحة الأدبية الجزائرية.

ونتيجة لوصول وطار إلى حقل الإبداع الروائي بعد خوضه لمضمار السياسة جاءت معظم أعماله لتصور عوالم مثيرة للدهشة داخل تفاصيل الحياة اليومية بالجزائر في أكثر من فترة زمنية قبل وبعد الاستعمار، فتناولت أغلب قصصه مثل: الطاحونة، والأبطال، الطعنات، يوميات فدائي، اليتامى، الرسالة، الشهداء يعودون، ظروف الجزائر الصعبة والثورة. غير أنها امتازت بفتح زاوية عريضة على مساحات واسعة لطرح قضايا كبرى كالمعاناة وإبراز الفقر والظلم واستغلال مكتسبات الثورة، ونقد سلوك بعض العسكريين والثوار الذين أصبحوا أكثر تعسفاً من المستعمر، وتحليل سلوك الناس ما بين قابض على الجمر، وما بين مستغل للظروف والشعارات. كما يظهر موقفه السياسي بوضوح في روايته ” اللاز” والتي وَّضح فيها المذابح التي تعرض لها الشيوعيين الجزائريين وعلاقتهم بتاريخ التحرر الوطني.

ويعتبر موقف وطار من الجماعات الإسلامية في الجزائر، هو الأكثر إثارة للجدل، بسبب اختلافه في هذا الأمر مع موقف أغلب المثقفين الجزائريين الذين مالوا لقمع السلطة للإسلاميين، وهو ما رفضه وطار كما رفض تبني مصطلح “الإرهاب” مفضلاً مصطلح “العنف والعنف المضاد”.

وهكذا فأنه لا أحد يجادل بأن لوطار إسهامه الإبداعي ضمن الحركة الأدبية الجزائرية، فإن لا أحد أيضاً ينكر دوره في بناء معالم وملامح الشخصية الثقافية الوطنية الجزائرية وسيخلف رحيل وطار فراغاً كبيراً ليس في الكتابة فقط وإنما في الحياة الثقافية أيضاً، فلم يكن وطار كاتباً يكتب من برجه العاجي بل كان يقارب السياسة بالثقافة ويكتب الأدب بوعي سياسي كبير.