بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أضغاث أحلام في ليلة صيف عابرة

ستستغرق في النوم كل يوم على أمل العيش والتنفس والتكاثر والمزيد والمزيد من الاندهاش، تحاصرنا وحدتنا ما بين ذكريات قد غضت الطرف فلم تأبَ إلا أن تؤرق مضاجعنا وتنهيدة صيف حار، فيما ينهمر الرصاص من حولنا كزخات مطر، لا تقل إلا القليل!

وفيما تنبت أشجار الياسمين كل يوم لتعلن أن الحياة قد بدأت هنا بتفاحة وقطمة طائشة وإيزاعِ من شيطان! تتصاعد ألسنة النيران لتعلن في القبائل أن قريش قد أعلنت الحرب على يهود خيبر وليس على الصهيونية، ها هي الحرب قد بدأت ولم تضع أوزارها سوى أنها بالفعل قد وضعت أثقالها، وبين هذا وذاك يسير الجنود ذوو الأنوف المعقوفة هائمين على وجوهم تسيرهم في ذلك طبول الحرب المتقدة.. لم يدروا ما هي.. أهي حرب على الإرهاب.. أم حرب على الإسلام.. أم على أنين البطون الخاوية؟!

الحلم الأول.. حرب البسوس
يحدوثنك قائلين بأنهم لم يريدوا الحرب ولا ألوانها.. لم يريدوا الخيانة ودمائها.. يستحلفون عليك يا ابن عمي ليروك جثث قالوا إن لك يدا فيها، ثم ينقضون من حولك كأسراب من الغربان.. لا تقل إلا القليل!

ألف عام ومازلت ترى الأماني القحبيات.. ألف عام وأنت أحمق لا ترى إلا وجوه الخائنات، انتظرنا كثيرا لنرى نصراً لا تحققه إلا أيادي الأعداء، ففي مجالس الخمر نتبادل الكؤوس، لنصيح ولوعه الخمر تطيح برؤسنا، إن الحكم إلا لله، هكذا صاح خليفة المسلمين البغدادي في الموصل!

يمرون عليك كأسراب من طير أبابيل، يتهامسون.. يتشاورون فيما بينهم لقتلك
ألف عام يبن عمي وأنت ترى الوجوه العاباسات تنظر إليك!
ألف عام وأنت كما أنت لم تتغير لم يرتد إليك نظرك لترى حقيقة أصابتها السماء!
ألف عام وأنت تسير حافي القدمين وترى الدمع في عيون أطفال الحرب فلا تحرك سوى أكف الدعاء إلى السماء لتدعو وتبتهل كمريم تحت مسيح مصلوب!
ألف عام وأنت لم تتعظ، لم تتوان عن السير وراء من خانوك، من مثلوا بجثتك لتنهشها ضباع الوادي وأنت هنا تنظر إليها وعيناك تفيض من الدمع!
ثم تلعن القدر وتود الانتقام وأنت كما أنت، تروادك كوابيس الظهيرة فتتعشى وتتمشى بين دجاها وضحاها، تعجبك كلامتي وأشعاري وخواطري وبعض الهذي هنا وهناك، ثم تسأل نفسك في خشوع ومن أمام تمثال لبوذا هل أنا حقا أنا؟!
فحرب البسوس قد طالت ألف عام، ولم أعد أرى إلا وجوه النساء العابسات!

الحلم الثاني.. سيحدثونك
سيحدثونك قائلين جئناك يا أمير فكن الحكم.. فقل أنا خصم لكم إن كنتم لا تعلمون!
سيحدثونك عن ثوره قامت هناك في أقاصي الأرض.. عن دماء قد سالت.. عن أمهات ثكلى مازلن يرتدين السواد.. عن أطفال مازلوا ينبشون قبور آبائهم باحثين عن حضن يحتويهم.. سيحدثونك عن شريعة الغاب وقانون تنظيم التظاهر، وعن مصانع قد خصخصت تحت مُسمى إهدار المال العام، بأي منطق تلك أحاديثكم؟! ونحن هنا نئن من عدالة عمياء أغُفلت في غياهب الجُب، سيحدثونك عن أوراق الشتاء وأزهار الخريف.. عن ظلام الشمس الداكن وعن خيوط الليل الغامر.. سيعلقون لكم المشانق على أبواب اللجان الإنتخابية.. فتلك ديموقراطية أرتضيتموها .. فما بال القوم لا يفقهون حديثا!

ثم تمر بنا الأيام من بين أصابعنا كلفائف تبغ مُحترقة، ونحن مثلما نحن نجلس القرفصاء ونستمع في سكينة لبعض الأغاني الفارسية، ونتسأل في سكون من يرتقي سلما للسماء ليصافح الشهداء؟ ومن يقطف الأزهار كل صباح ليتنشق ولو على سبيل الكذب عبير الحرية الزائفة؟ ومن يتنفس الحرية ليجد في كل نفس ألف نفس لرائحة إمراة؟ دعونا لا نلقي بالاً، نتأرجح حول المدفئة قليلاً، تهزنا الذكريات يمنياً ويساراً، نتجه نحو اليسار لعل وعسى لنصبوا إلى عدالة وحرية أصبحت الأن موضع حديث الساسة، ثم نبتذل لنرى كل شئ حولنا ممزوج بألوان الفراشات، أما الدنيا فإنها تحمل بين طياتها حزناً لا نعرف مصدره.. لا نعرف هويته.. يؤثر ولا يتأثر، نوقد الشموع لنرى ظلام يحيط بنا، امتداد الأعماق يريك بواطن الأمور، فانتصر لرغباتك!

الحلم الثالث.. دموع ليلة صيف
تصاعدت روحي إلى السماء خطوة تسبق خطوة، في ليلة ممطرة سرمدية باردة في دفئها فلم أفارقها ولم تعرفني، انتزعت أهاتي المكبوتة لأصيح بلا جدوى، فتلك أنفس متقطعة وهذه تأوهات بلا معاني، نظرت إلى جسدي كروح هائمة في ملكوت هائم هو الأخر لم يعرف كيف يدير شؤون ذاته، جسدي مسجى وبه عدة طعنات من الخلف، يبدو أنها كانت قاتله نوعا ما، تسلقت روحي إلى السماء لتنفتح أبوابها الباب تلو الآخر لا شئ يعترضني سوى بعض النباح، ليوقفني أحدهم طالباً مني yبراز هويتي أو على الأقل ما تبقى منها، ليس معي سوي هويه رجل زائف وقلبُ مدمى، هكذا صحت في وجهه!

إذا فلتعد أدراجك.. إلى دنياك هكذا أجابني الرجل وهو يشيح بوجهه عني، ولتصنع هويتك الزائفة ولا تنسى أن تجددها مرتين في العام! لينبثق من أمامي دهليز من أقصى الشرق لأنزلق فيه كما تنزلق المياه من أعالي المنحدرات، رأيت العمر يمر من أمامي كذكريات أليمة، هنا ولدت وهنا تعلمت المشي وهنا تعرفت على حب قد أحترق قبل أن أتذوقه، عزيزي لا تقلق ولا تحزن فتلك خواطر اتحادية هكذا صاح الشيطان في أذني!

ما زلت انزلق ليمر العمر تباعاً كأنه اوراق شجر في موسم الخريف لتتناثر الورقات كالكلمات من حولي، كُلاً سيمسك بصحيفة أعماله وليس بصفيحة الزبدة! هكذا الفرق بين جزار يسعى وراعي يأكل وأندلسي يسير، لم أعد أعرف أين أنا في منتصف طريق لا عودة منه أم إن الزمن قد توقف وتطابقت عقارب ساعته؟! سار بي الزمن متأرجحاً تميل كفتيه على أحدهما فتنال الأخرى بقدر ما تأخذ الأولى، هكذا أنا كما لم أكن من قبل بل وأكثر من ذي قبل، أهملت نفسي وطمست هويتي، وأغلقت باب غرفتي، انتزعت قلمي كسكين بارد، ها أنا اكتب، لا شيئ سيمنعني.. لا شيئ سيوقفني.. لا موت منتظر.. ولا بعث مرتقب، جميعنا في الكذب أخوة وفي الخيانة أصدقاء وفي الحب أشقياء، أما الدنيا فتظل كما هي مجرد انسان نعيش في كنفه، هو حضن الأم المنتهى، هو نهديها الذي نلتقمه، تعبيرات مهولة تحيط بنا، فلا سر في جسدي أمام الليل، فللحياة أقول انتظريني حتى تجف الثمالة في قدحي!