بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اشتراكية “جورج أورويل”

بقلم: لوكا تافان

غالباً ما يُقدَّم جورج أورويل كناقد لأي محاولة جذرية لتغيير العالم. ومع ذلك، كان اشتراكيا ومناضلا ضد اللامساواة والاستغلال والقهر.

تناولت كتابات أورويل الرئيسية – الحنين إلى كتالونيا، ومزرعة الحيوان، و1984 – بالأساس مسألة ما إذا كان من الممكن بناء مجتمع مختلف جذريا. تطورت وتغيرت سياسات أورويل خلال فترة مضطربة من تاريخ العالم – حقبة الحروب والثورات. ولفهم أعمال أورويل، علينا أن ندرك الزمن الذي كتبهم فيه.

نشأ أورويل في عائلة من الطبقة المتوسطة من الموظفين الإداريين للاستعمار البريطاني. التحق بمدرسة إيتون الخاصة والأكثر تميزا في بريطانيا، قبل أن يلتحق بالشرطة الإمبراطورية الهندية المتمركزة في بورما (ميانمار) في أوائل عام 1920، تلك التجربة التي غيّرت وجهة نظره للعالم بشكل جذري. تعرض أورويل لأبشع وأقسى أوجه النظام، وكتب وهو في طريقه إلى ويجان عام 1936: “لمدة خمس سنوات، كنت جزءا من نظام قمعي، فشعرت بتأنيب الضمير، أردت أن أُغرق نفسي، أردت أن أكون من المقهورين، وأقف بجانبهم ضد الطغاة”.

عاد إلى أوروبا عام 1925، وعمل بوظائف منخفضة الأجر، وأخذ يراقب ويسجل ظروف وتجارب العمال الفقراء. إن كتاب “الانحطاط والتشرد في باريس ولندن” هو اتهام قوي للطرق التي يسلكها الأغنياء للازدهار عن طريق دفع الغالبية العظمى إلى الفقر والبطالة.

واختتم أورويل بأن من الواجب تأسيس حزب اشتراكي في بريطانيا، ولابد أن تسقط الرأسمالية. لقد كانت بداخله جذور اشتراكية، ولكنه بقى غير متأكد ما إذا كان العمال المُستغَلين لديهم القدرة على إدراك ضرورة الحاجة إلى عالم جديد.

كتب في عام 1936: “أول شيء لابد أن يفاجئ أي متابع خارجي هو أن الاشتراكية بشكلها المتطور تقتصر تماما على الطبقة المتوسطة… حتى الآن بناء على تجربتي، لا يوجد عامل حقيقي لا يعرف آثار الاشتراكية الكبيرة”. السؤال هنا أين استقر أورويل باقي هذا العام؟ ليس في باريس أو لندن، ولكن في برشلونة في خضم الثورة.

إسبانيا
في 17 يوليو، قام الجنرال الفاشي فرانشيسكو فرانكو بانقلاب عسكري ليضع نهاية لثورة العمال والفلاحين التي استمرت لمدة سبع سنوات والتي كانت تمثل تحدي رهيب لتقدم الرأسمالية في إسبانيا. العمال الإسبان كانوا على دراية بما حدث مع رفاقهم في ألماينا وإيطاليا، ولكنهم كانوا على استعداد للمقاومة. ارتفعت صيحاتهم “فيينا أفضل من برلين”، ففي برلين انتصرت النازية دون قتال، بينما في فيينا سلّح العمال أنفسهم وقاوموا الفاشية حتى آخر نفس.

على الفور، تم إيقاف الفاشي فرانكو، وهُزم جيشه في ثلثي إسبانيا. ومع شلل حكومة الجمهوريين القديمة والجيش في الثورة، كان العمال هم أصحاب السُلطة في معظم أنحاء إسبانيا. سافر أورويل إلى إسبانيا للمساعدة على محاربة الفاشية، ووصل إلى برشلونة بعد عيد الميلاد مباشرة، ورأى مشاهد محت شكوكه في قدرة الطبقة العاملة على تغيير العالم.

كتب أورويل: “تلك هي المرة الأولى التي أتواجد فيها في مدينة يمسك فيها العمال بزمام الأمور”. وكتب أيضا: “عمليا كل مبنى تم الاستيلاء عليه من قبل العمال غُطى بالكامل بالأعلام الحمراء، وكل متجر ومقهى كان عليه نقش يتحدث عن الجماعية، حتى “بلاك بوتس” غطت صناديقها بالأحمر والأسود. وأصبح العاملون بالمطاعم والمتاجر ينظرون إليك ويتعاملون معك على قدر المساواة. عرفت على الفور أن هذا بالفعل ما يستحق القتال من أجله”.

برشلونة غيّرت من فهم أورويل تماما للاشتراكية؛ ففي البداية شهد النضج السياسي والشجاعة والقدرة الخفية للعمال على خلق مجتمع جديد، وكان كل نظره موجّه نحو سُلطة العمال. وأصر على البقاء في إسبانبا والانضمام لميليشيات الطبقة العاملة.

الإقامة المؤقتة لأورويل في ظل التشدد الثوري في إسبانيا، والتزامه بالاشتراكية، كان حقيقة محرجة للكثير من كُتّاب سيرته المحافظين. فعلى سبيل المثال، انتقد روبرت كولس بشدة دور أورويل في الثورة ووصفه بالنزوة، مشيرا بتعالي أنه “قضى قليلا من الوقت في الاستجابة لتجاربه الخاصة، في حين أنه قضى مزيدا من الوقت في التفكير حول فن الممكن سياسيا”.

في البداية، لم يكن أورويل يدرك إلا القليل عن الخلافات السياسية بين المجموعات المقاتلة في إسبانيا، ولم يكن يعير الأمر الكثير من الاهتمام، ولكنه سرعان ما أدرك أن مصير النضال مُعلّق على المناقشات بين منظمات الطبقة العاملة المركزية للمقاومة.

انضم أورويل إلى حزب العمال للتوحيد الماركسي (P.O.U.M) في أوائل عام 1937. صُنِّفَت المنظمة بأنها تروتسكية، وذكرت أن الطريق الوحيد لإحراز النصر على فرانكو في الحرب هو نجاح الثورة الاجتماعية والتي كانت في أوجّها تلك الأيام. كان من السهل هزيمة الفاشية إذا أدرك العمال أنهم يقاتلون من أجل التحرر الكامل من جميع أشكال الاستغلال التي يتعرضون لها.

جاء رأي مضاد من الحزب الشيوعي الستاليني بأن لابد من تحقيق النصر في الحرب أولا، وأن العمال لن يستطيعوا استكمال ثورتهم إلا بعد هزيمة الفاشية. يجب على العمال الحفاظ على الرأسماليين في الصورة، وهذا يعني عدم إخافتهم بالدعوات للسيطرة على وسائل الإنتاج أو بتسليح أنفسم في الشوارع. كان أهم شيء عند الستالينيين هو وضع نهاية للمد الثوري بأسرع طريقة ممكنة.

عندما عاد أورويل مرة أخرى إلى برشلونة في الأيام الأولى من شهر مايو، كان الحزب الشيوعي يحاول القيام بذلك. كما كانت القوات تحاول استعادة السيطرة على الأماكن التي استولت عليها العمال من قبل، ولكن انتفض العمال ولم يستسلموا ودافعوا عن أنفسهم. بشكل مأساوي رفضت منظمات العمال الأخرى – الأناركيين (C.N.T)، حزب العمال للتوحيد الماركسي (P.O.U.M) – تقديم نفسها كقيادة حقيقية للانتفاضة العمالية. وبعد أيام من المقاومة، أزال العمال الحواجز وفتحوا الطريق لموجة القمع. هرب أورويل عبر الحدود إلى فرنسا، كما فعل معظم أعضاء حزب العمال للتوحيد الماركسي الذين كانوا مُحاصرون من قبل الشرطة السرية الستالينية.

الثوري الروسي ليون تروتسكي في بداية الثورة صرح بأن “في هذا الثقل النوعي في الحياة الاقتصادية للبلد، وفي هذا المستوى السياسي والثقافي، تفوّقت الطبقة العمالية الإسبانية منذ اليوم الأول في الثورة على نظيرتها الروسية في مطلع 1917”. لكن سُحقت الثورة العمالية العظيمة بعد ذلك تحت نعال الفاشية والستالينية، وتلاشت آمال عظيمة.

خيبة الأمل

بسبب حماسة أورويل للحرب التي شاهدتها في إسبانيا، بعد العودة إلى بريطانيا كتب رواية “الحنين إلى كتالونيا” في محاولة منه لفضح خيانة الستالينيين، وأصبح هذا الموضوع هاجسا لعدة سنوات. وبسبب سيطرة الستالينية على اليسار البريطاني، دفع أورويل ثمن انتقاداته تلك، حيث واجه صعوبات بالغة في العثور على ناشر للرواية.

ومع ذلك، بعد أن شهد أورويل نوع مختلف من المجتمع، اشتد عزمه وإصراره لتطبيق الاشتراكية في بريطانيا. خطَّط لمعارضة الحرب العالمية الثانية لأسباب أممية، حتى أنه كان يعد لبناء منظمة سرية للقيام بأنشطة غير شرعية (سرية) لمناهضة الحرب.

استنادا إلى الخبرة التي شهدها في تساهل كل من الرأسماليين والجمهوريين التي فتحت باب السلطة لفرانكو، صار أورويل على قناعة تامة بأن القوة الوحيدة القادرة على معارضة الفاشية هي الطبقة العاملة. وقال في عام 1941: “إن شعور جميع الاشتراكيين الحقيقيين مرتكز بشدة على الشعار التروتسكي “الحرب والثورة لا ينفصلان”. لا يمكننا هزيمة هتلر دون خوض الثورة، ولا يمكننا تدعيم ثورتنا بدون هزيمة هتلر”.

عندما هُزمت الثورة العمالية في نهاية الحرب، دخل أورويل في مرحلة يأس، وكتب في عام 1945: “اعتقدت أن الفوارق الطبقية والاستغلال الإمبريالي، اللذين طالما خجلت منهما لن يعودا مرة أخرى”. وفي هذه الفترة من خيبة الأمل واليأس، كتب أورويل أشهر عملين له.

مزرعة الحيوان
تُعتبر رواية مزرعة الحيوان بمثابة هجاء لاذع للهزيمة التي لحقت بالثورة الروسية، كما أنها تحتوي على رسالة إنسانية عميقة، بشخصيات ساخرة، مثل: الميجور العجوز، الخنزير الحكيم الذي يمثل كارل ماركس، وسنوبول الذي يمثل ليون تروتسكي، وبوكسر، الحصان القوي الذي يمثل الطبقة العاملة المُستغَلة، وأخيرا نابليون، ممثل ستالين الذي خان الثورة وتصالح مع الحكام القدامى، ورفع شعار “كل الحيوان متساوون، ولكن بعضهم أكثر مساواة من الآخرين”.

التفسير الأكثر شيوعا لـ”مزرعة الحيوان” هو أنها تحذير ضد أية محاولة لتغيير العالم. لا تقدم الرواية دفاعا عن الوضع القائم، بل تحتوي في شكل استعاري نقد يدين الاستغلال الرأسمالي، كما يشرح ميجور العجوز: “نحن نولد، ويُقدَّم لنا قدر معين من الطعام ليبقينا على قيد الحياة، والقادرون منا يُجبرون على العمل لآخر نفس، وفي اللحظة التي يصبح أحدنا بدون فائدة يُذبَح بقسوة وبشاعة”.

وفي خطاب للتروتسكي السابق داويت ماكدونالد، أجاب أورويل بنفسه على مسألة ما إذا كان يقصد بأن يقدم “مزرعة الحيوان” كعمل مناهض للثورة: “أنا عنيت ذلك لتنتشر على نطاق أوسع.. ما كنت أحاول أن أقوله هو أن لا يمكنك أن تقوم بثورة إلا إذا قمت بها من أجل نفسك. ليس هناك ما يُسمى بالديكتاتورية الخيّرة”.

ومع ذلك في بعض النواحي، “مزرعة الحيوان” قصّرت في تفسير نواياها. وناهيكم عن تقديم بديل جذري للديكتاتورية الستالينية، لم يقدم الكتاب أي تحليل ملموس لكيفية التي هُزمت بها الثورة، ولكنه ترك القارئ بدون جواب للدمار الذي حدث نتيجة الخيانات السوفييتية.

فشل جورج أورويل في التعرف على القيود المادية التي واجهها العمال الروس بعدما سيطروا على المجتمع. تفاقمت الأزمة الاقتصادية إثر الحرب العالمية الأولى. تضاءلت الطبقة العاملة الصناعية، التي صنعت الثورة، بصورة كبيرة في الحجم والحماس السياسي، إثر الحصار التجاري المفروض وجبروت 14 جيش أجنبي. بينما تحوّل الحزب البلشفي إلى جهاز بيروقراطي عملاق وقف في طريق طبقة عاملة، مهزومة تماما، ليسيطر على السلطة بشكل مباشر.

1984
رواية 1984 هي أشهر وأفضل روايات أورويل، ومع ذلك واجهت الرواية جدلاً شديداً، فقد كان أورويل يقصد نقد البيروقراطية والشمولية في كل من بريطانيا والاتحاد السوفييتي. وبالفعل، صارت الرواية معروفة بشكل متزايد، ليس باعتبارها تتناول الستالينية، بل تسلط الدول بعد أحداث 11 سبتمبر.

بطل الرواية هو ونستون سميث، الذي يعيش تحت مراقبة الأخ الأكبر وشرطة الفكر في الدولة الشمولية. وما يضفي على الرواية هذه القوة هو زيادة وعي وينستون ورفضه الحالة الراهنة للأمور، كما لخص في مذكراته: “الحرية هي حرية القول أن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة، فإذا سُلِّم بذلك صار كل شيء آخر في مساره السليم”.

لمّح أورويل إلى المقاومة المحتملة، ولكن مع هذه الملحوظة: “إن كان هنالك من أمل، فالأمل يكمن في عامة الشعب وعليك الإيمان بذلك”. ومع أنه فتح هذا الباب، ولكن سرعان ما أغلقه. فبدلاً من أن تكون مصدراً للمقاومة، والقوة، والتضحية بالنفس، كما ظهر العمال الإسبان في رواية الحنين إلى كتالونيا، ظهرت الطبقة العاملة في رواية 1984 بسلبية بحتة. كما وصفهم أورويل بأنهم مثل: “النمل الذي بإمكانه أن يرى الأشياء الصغيرة فقط وليست الكبيرة”، وأنهم “أناس لم يتعلموا أبداً كيف يفكرون”.

هكذا يؤول نضال وينستون الذي كرّس حياته لليأس والعبث عندما علم أنه من صُنع الأخ الأكبر. قُبض على وينستون، وتعرض للتعذيب ورضخ للتراجع عن أرائه المعارضة، وللإعلان عن حبه الأبدي للأخ الأكبر. وبالطبع هُزم.

إن رواية 1984، بها العديد من التعبيرات الأكثر عمقاً من تشاؤم أورويل. “فإذا كنت تريد أن تستشرق صورة المستقبل، فتخيل حذاء يدوس ويدمغ على وجه إنسان إلى أبد الآبدين”، كما قال “أوبرين” جلاد وينستون في نهاية الرواية.

التراجع
قبل وفاته عام 1950، فقد أورويل أي أمل في التغيير الثوري في المستقبل القريب، وتلائم مع رغبات حكومة حزب العمال الحاكم كـ“أهون الشرين”. لكنه لم يتخل أبداً عن كراهيته العميقة لعدم المساواة والاستغلال.

كيف تحول أورويل من الدفع بحياته بكل طاقته على جبهة الاشتراكية في إسبانيا، إلى التراجع والتشاؤم المفرط هكذا؟ عدة عوامل أدت إلى ذلك.

أولاً، تزامنت الفترة التي كان يدعم فيها أورويل السياسات الاشتراكية، مع فترة الهزيمة المروَّعة للطبقة العاملة دولياً. وكان مصير المعارضة التروتسكية في أواخر عشرينات القرن الماضي إما السجن أو النفي من الاتحاد السوفييتي، وانمحت مكاسب الثورة الروسية وانتهت إلى ديكتاتورية وحشية. العمال الألمان والإيطاليون تعرضوا للسحق تحت أقدام الفاشية، أُبيدت مؤسساتهم وتركوا قادتهم يقبعون في معسكرات الاعتقال بمفردهم. كانت تلك هي الفترة التي وصفها الكاتب فيكتور سيرج بـ”منتصف ليل القرن”، واحدة من فترات اليأس لليسار على المستوى الأممي.

ثانياً، هستيريا الحرب الباردة قسَّمت السياسة إلى معسكرين بربريين: الشمولية السوفييتية والرأسمالية الغربية. معارضة أورويل للستالينية كانت مليئة بالقناعات بأن الاشتراكية المزيفة في روسيا، يجب فضحها من أجل محاربتها. ومع ذلك، افتقر إلى الإيمان بأن الحركة العمالية في كلٍ من إنجلترا وروسيا يمكن أن تقدم بديلاً للديكتاتورية الستالينية والرأسمالية الليبرالية البريطانية.

بالإضافة إلى ذلك، كان اليسار المناهض للستالينية ضئيلاً للغاية ليمثل قطباً يجذب أورويل نحوه. إن اتصالاته العابرة مع التروتسكيين البريطانيين الذين حاولوا الدفاع عن الماركسية الثورية الحقيقية ضد النظام الديكتاتوري في روسيا، لم يكن كافياً لتلاشي الإحباط الذي أعقب تلك الهزائم الساحقة. وجود منظمة ثورية جوهرية في ذلك الوقت، كان يمكن أن يجدد الأمل عند أورويل في مقاومة الرأسمالية.

المقاومة
بعد بضع سنوات فقط من وفاة أورويل، تصدعت الستالينية. في عام 1953، أضرب عمال البناء في برلين الشرقية وأشعلوا ثورة شعبية. وفي عام 1956، احتل عمال المجر المصانع والمكاتب والسكك الحديدية ومحطات الطاقة وأداروها بأنفسهم.

صارت الثورات تشتعل أكثر فأكثر، ففي عام 1968 في تشيكوسلوفاكيا، كانت القوة الغاشمة من الدبابات الستالينية لازمة لإخماد الحركة الثورية المطالبة بالتغيير. في عام 1980، العمال في جادنساك، المدينة الصناعية في بولندا، احتلوا مصانعهم وأصدروا التصريح التالي:

”نحن مختلفون الآن، لأننا متحدون، وبالتالي أقوى. نحن مختلفون لأنه خلال 30 عاماً تعلمنا أن وعودهم هي مجرد أوهام. نحن مختلفون، لأننا قد فهمنا أنه عندما نسمع كلمة ”إعادة التنظيم المالي” فهذا يعني الاستغلال”.

انتشرت الحركة في جميع أرجاء البلد، واستغرقت الحكومة أكثر من عام لانتزاع السُلطة مرة أخرى من العمال. إذا تسنى لأورويل رؤية هذه الانتفاضات وولادة اليسار الجديد المناهض للستالينية، ربما كان قد تذكر تجاربه السابقة. لو كان حاضراً في ذلك الوقت ليرى الثورة المصرية في عام 2011، والإضرابات العامة ضد التقشف في اليونان، والتمرد في بالتيمور، فبدون شك سيقف بجانب المضطهدين.

وإذا كان أورويل في عام 1936، قد صُدم من عدم المساواة والتمييز الطبقي التي كانت موجودة بوضوح في لندن، فماذا عساه أن يقول عن العالم الآن؛ حيث يمتلك أغنى 69 شخص فقط أكثر من ثروة 3.5 مليار شخص؟

في عام 1942، تذكر أورويل حين كان في إسبانيا عندما تصافح مع أحد المقاتلين، وكان إيطالياً سافر مثل أورويل للقتال من أجل الطبقة العاملة: ”والسؤال هنا بسيط جداً، أيمكن أن يُسمح لمن هم مثل هذا الجندي الإيطالي عيش حياة لائقة مفعمة بالإنسانية، أم لا يجوز لهم ذلك؟ أيجب أن يُدفَّع الرجل العادي مرة أخرى إلى الوحل، أم لا؟”.

بعد سبعين عاماً، يبقى طرح نفس السؤال فكرة جيدة. وكما أجاب أورويل: ”أنا شخصياً أعتقد أن الرجل العادي سيفوز في معركته عاجلاً أو آجلاً، ولكن أريد أن يكون عاجلاً وليس في وقت لاحق، في وقت ما خلال السنوات المائة المقبلة، وليس في وقت ما خلال العشرة آلاف المقبلة. هذه كانت المشكلة الحقيقية للحرب الإسبانية، والحرب الحالية، وربما لحروب آخرى لم تأت بعد”.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 18 مايو 2015 بموقع جريدة “الراية الحمراء” الأسترالية