شخصيات:
الشيخ إمام عيسى

“يا مصر قومي وشدي الحيل”.
في السابع من يونيو عام 1995، رحل عن دنيانا فنان الشعب الشيخ إمام عيسى عن 77 عامًا. وبالرغم من أن الشيخ إمام بدأ مشواره الفني في الربع الأخير فقط من عمره، إلا أنه قد ترك لنا تركة كبيرة من الفن السياسي المرتبط بتطورات وأحداث مهمة بدأت مع هزيمة 1967 وتبدد الحلم الذي وهم النظام الشعب به، وحركة الطلاب في 1972، وانتفاضة الشعب في يناير 1977، والانبطاح الساداتي أمام إسرائيل في 1979، وغزو لبنان 1982، والانتفاضة الفلسطينية 1987. وقد تلازمت بداية الشيخ إمام الحقيقية مع صعود حركة طلابية انتفضت بعد أن تعرضت مصر لهزتها العنيفة في 1967، وبدأت في الدخول في تحولات مهمة على يد السادات منذ بدايات حكمه.
أضحت أغاني الشيخ المعبر الحقيقي عن الحركة في منعطفاتها الهامة وأحداثها الاحتجاجية، ورددها الطلاب اليساريون كجزء مكون من تعبيرهم عن أفكارهم. فمن نقد أوضاع السلطة بلغة صارخة، إلى السخرية من الفساد المتمثل في جيل الانفتاح، إلى التغني ببطولة الشعب الفلسطيني والشعوب التوَّاقة للحرية، وصولًا للتأكيد على ربط حركة جموع الشعب (عمالًا وفلاحين وطلابًا) بعضها البعض لمواجهة السلطة التي تذبحهم وتسرق عرقهم وقوت يومهم.
وبالرغم من صوت الشيخ وكلمات نجم، التي استحوذت على السنبة الأكبر من الحالة، وقد شكلا معًا وحدة واحدة تركت بصمتها في التكوين الفكري والسياسي لكل مناضلي السبعينات والثمانينات، إلا أنها أيضًا عكست تناقضات تلك المرحلة والأفكار التي تبنتها مشاريع التكوينات السياسية التي كانت موجودة، من ميل إلى الوطنية وعدم الوضوح الطبقي، والعداء للسلطة بصفتها فقط فاسدة وعميلة. ولذلك جاء تزامن وفاة الشيخ في منتصف التسعينات كتعبير عن نهاية مؤسفة لمرحلة الزخم التي شهدتها تلك الحركة التي أفرزت تلك التكوينات بقصورها وعيوب مشاريعها.
وعلى الرغم من ذلك، فإن أغاني الشيخ إمام ظلت راية مرفوعة، وبالذات في السبعينات، في وقت انحططت فيه الأغنية والذوق بشكل عام في الفن وخلافه، لتعبر عن رفض شعبي عارم لكل السياسات المتبعة وقتها، والتي بدت في الانفتاح الاقتصادي وغلاء الأسعار والقمع الوحشي وسلسلة القوانين المعادية بشكل واضح، وصولًا للتفاوض مع إسرائيل كلب حراسة الإمبريالية في المنطقة، وبالتالي الخضوع التام لشروط الأخيرة.
لقد اختار الشيخ إمام طريقته في التعبير عن الفن الذي عشقه ووهب له حياته، وبالتالي كان عليه أن يتحمل دفع ثمن ذلك سنوات من عمره في معتقلات السلطة. واجه الشيخ الكفيف صعوبة الحياة وشظف العيش، ولكنه لم يتخل أبدًا عن قضيته، وهي التغني بمصر وشعبها، يحثهم على الانتفاض في وجه الظالمين، فما أحوج حركتنا اليوم لفنان مثل الشيخ يلهب بأغانيه الحماس في قلوب الشباب ويضرب لهم المثل في القدرة على الصمود في وجه أعدائهم.





