بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فتحي الخميسي: الأغنية قالب بدون محتوى

أصبحت الأغنية المصرية والعربية بشكل عام، تتسم بالإسفاف والسطحية ويتشابه المعروض منها. وفي هذه الصفات لم يشذ سوى القليل جدًا. ونتيجة لهذا الإفلاس تم استبدال الفن بالرقص والعري والعزف على وتر الغرائز الجنسية لجذب الجماهير واستمرار ماكينات طبع شرائط الكاسيت بغض النظر عن الدور الفني المفترض أن تؤديه الأغنية. في هذا السياق أجرت “أوراق اشتراكية” حوارًا مع الدكتور فتحي الخميسي للوقوف على أسباب تراجع الموسيقى والأغنية العربيتين.

* كيف تطورت الأغنية في مصر مع تطور الظروف الاجتماعية والاقتصادية؟

** مرت الموسيقى المصرية بثلاث مراحل كبرى. كانت المرحلة الأولى في عصر محمد علي حيث صاحب النهضة التي شملت مجالات عديدة تطوير في الموسيقى على يد الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب رائد في الدور، والذي طوره بعد ذلك الشيخ محمد عثمان، عبقري القرن التاسع عشر، وهو صاحب دور “كادني الهوى” ودور “عشنا وشفنا” وهو من وصل بهذا الفن إلى نهاية تطوره. ويمثل هذان الشيخان الجيل الأول للموسيقى وهو جيل الرواد الذي عبر عن علاقات الإنتاج الإقطاعية في التاريخ المصري. أما الجيل الثاني في الموسيقى فقد عبر عنه الشيخ الكبير والأستاذ سيد درويش الذي طور في الموسيقى ووصل بها إلى قمة شامخة، خاصة وأنه أدخل المسرح الغنائي في الموسيقى العربية متمثلاً في الديالوج والتريالوج والغناء الجماعي. وتأثرت الموسيقى في هذه الفترة التي اتسمت بزخم الحركات الجماهيرية والثورة ضد الاحتلال، فجاء المسرح الغنائي بديلاً عن الغناء الفردي متأثرًا بحركة الشارع في ذلك الوقت. ويظهر ذلك في أغاني سيد درويش الذي غنى في إحدى مسرحياته قائلاً “أحسن جيوش في الأمم جيوشنا”. تلا هذا الجيل الجيل الثالث الذي تمثل في الأستاذ محمد عبد الوهاب والسنباطي، وبعدهم الموجي ومحمود الشريف وكمال الطويل، وهو جيل الرومانتيكية. وقد تجلت في موسيقى هذا الجيل أحلام الثورة والمجتمع الجديد في ظل المرحلة الناصرية. لذلك فإن العلاقة بين الفن والتغيرات الاجتماعية علاقة مباشرة. ودل على ذلك أيضًا أنه في عهد السادات تراجعت الأناشيد الوطنية تمامًا، بل وانعدمت هذه الأشكال وربما كان هذا توجهًا من السادات نفسه وأجهزة إعلام الدولة في ذلك الحين. وهذا التوجه تم تسييده في أجهزة الإعلام المختلفة إلى وقتنا هذا.

* أصبح لدى دار الأوبرا المصرية وجهة تجارية، حيث أنها تغازل أحيانًا جماهير الأغنية الخفيفة فما رأيك في ذلك؟

** يعتقد البعض أن الأوبرا من شأنها تقديم فن الأوبرا وعلى الرغم من أن مصر تمتلك محاولتين لعمل الأوبرا، إلا أن هذا الفن لا يلزم الشعب المصري. فالإنسان يلزمه ما يأخذ بيده للتطور ولا يلزمه ما لا يفهمه. وربما أن الأوبرا ليست الفن الرفيع للشعب المصري، ولذلك فإن الأولى بالنسبة لدار الأوبرا أن تقدم التراث الموسيقي المصري، خاصة وأننا نملك تراثًا موسيقيًا كبيرًا حيث أن سيد درويش ترك 22 مسرحية غنائية، لا يقدم منها سوى ثلاث مسرحيات هي “العشرة الطيبة” و”شهرزاد” و”الباروكة”. كذلك ترك الأستاذ محمد كامل الخلعي تراثًا مهمًا. وفي الحقيقة أن دار الأوبرا ابتعدت عن دورها هذا، وهو تقديم المسرح الغنائي من أجل الربح التجاري، وهو ما يعد توجهًا عامًا في الاقتصاد والسياسة كما هو في الفن. وأصبحت الآن تنافس الإذاعة والتليفزيون وهو شيء مخجل بالنسبة لهذه الدار التي تتلقى دعمًا ماديًا كبيرًا.

* الأغنية الحديثة تلقى رواجًا بين الجماهير العربية لدرجة أن أحد المطربين الشباب حصل على الأسطوانة الفضية التي حصل عليها عبد الوهاب.

** أصحاب الأغنية الخفيفة يعلنون فراغًا لا بد أن يملأ. فإذا فرغت قاعة من أساتذة كبار كان لا بد أن يملأ هذه القاعة الأطفال للهو حتى يأتي أساتذة آخرون. وقد فرغت الأجيال الثلاثة الكبيرة في الموسيقى من مهامها، ومن الطبيعي أن تظل ماكينة الرأسمالية في العمل. وإن ذهب فنان موهوب، فليأت آخر غير موهوب حتى يتسنى لشركات الكاسيت وشركات إنتاج السينما والعاملين الملحقين في هذه الصناعات الاستمرار في العمل حتى وإن كان المضمون فارغًا.

* هناك عدد محدود من الشركات تقوم باحتكار المطربين لفترات طويلة، كيف يؤثر ذلك على المستوى الفني للأغنية؟

** الاحتكار هو طبيعة النظام الرأسمالي، وهذه الشركات هي جزء من هذا النظام الذي هدفه الأساسي هو الربح. لذلك فإن الفن يأتي ترتيبه متأخرًا على قائمة الأولويات بالنسبة لهذه الشركات ويتراجع مستواه بسبب تحوله إلى سلعة.

* كيف ترى ظاهرة استخدام الفتيات في أغنيات الفيديو كليب؟

** عندما تفرغ الموسيقى من محتواها، لا بد أن يتم تقديم بديل لهذا المحتوى، وليكن هذا البديل هو تعرية الفتيات وتسليعهن بغرض الدعاية، وفي البلدان العربية تلقى تعربة النساء رواجًا كبيرًا بين الجماهير، والشركات الرأسمالية تعي ذلك وتستخدمه.

في نهاية اللقاء دعا الدكتور فتحي الخميسي إلى وجود منظمات فنية غير حكومية تنتظم في اتحاد غير رسمي للفنانين في مواجهة الاتحاد الرسمي الذي أصابه الكثير من أمراض التحولات الاقتصادية والاجتماعية.