بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تشكيل شرعية الثورة المضادة عبر الدراما

مع صعود النظام الحالي إلى السلطة عقب انقلاب يوليو 2013، شرعت الدولة في بناء سردية رسمية للأحداث، مستندة إلى خطاب يقوم على تصدير الخوف كأداة رئيسية للهيمنة؛ الخوف من الإرهاب، ومن «الفوضى والانهيار»، حيث تم تقديم رواية الدولة باعتبارها التفسير الوحيد المعقول للماضي والمسار الوحيد الممكن للمستقبل. وفي هذا السياق، رُسمت أحداث ما بعد ثورة يناير في صورة حرب دائمة بين «العدو الإرهابي» وأجهزة الدولة الأمنية الساهرة على حماية الوطن.

لم تقتصر هذه العملية على الإعلام الإخباري، بل امتدت إلى مجالات أكثر انتشارًا وتأثيرًا في حياة المصريين، وفي مقدمتها الثقافة والفن. ومع توسّع سيطرة الأجهزة السيادية على القطاعات الإعلامية والفنية، تحوّلت الدراما إلى ساحة مركزية لإعادة كتابة التاريخ القريب وفرض السردية الرسمية للدولة. ولم يعد الهدف مقتصرًا على إقناع الجمهور بمواقف سياسية معينة أو إقصاء خصوم سياسيين من المجال العام، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع، بما يضمن ترسيخ سردية معينة تبرر الوضع الحالي وترسخه.

لا يمكن فهم هذه المرحلة من الإنتاج الدرامي من خلال تحليل أعمالها منفردة، إذ إن ما يميزها هو وجود مجموعة من السمات المشتركة التي تتكرر عبر عدد كبير من الأعمال، بما يشير إلى أنها ليست مجرد اختيارات فنية معزولة، وإنما اتجاه درامي تشكل لخدمة سياق سياسي محدد.

يتناول هذا المقال أبرز السمات التي ميّزت دراما ما بعد انقلاب 2013، من خلال تحليل السردية التي تتضمنها، والوقوف على الكيفية التي اتخذت بها هذه السمات شكلًا خاصًا دون غيره، والدور الذي تلعبه في تشكيل الوعي العام وإعادة إنتاج تصورات محددة عن الدولة وأجهزتها الأمنية.

البونابرتية

ينظر كثير من منتقدي نظام ما بعد 30 يونيو إلى حكم عبد الفتاح السيسي باعتباره نظامًا شديد المركزية، تتركز فيه السلطة في يد فرد واحد، ويتراجع فيه الدور التشريعي والرقابي للبرلمان لصالح الأجهزة التنفيذية والأمنية. غير أن هذا التوصيف، رغم أهميته، يتعامل مع السلطوية بوصفها نتيجة نهائية دون فهم الظروف السياسية والاجتماعية التي أنتجتها.

صاغ كارل ماركس مفهوم البونابرتية لتحليل حكم لويس بونابرت في فرنسا، وهي تمثل نمطًا من الحكم السلطوي يظهر عندما تتعادل أو تتوازن القوى الطبقية الرئيسية بحيث لا تستطيع أي طبقة فرض هيمنتها بشكل مباشر، فتكتسب الدولة والجهاز التنفيذي قدرًا من الاستقلال النسبي، ويظهر قائد يدّعي تمثيل الأمة كلها بينما يعتمد عمليًا على البيروقراطية والجيش وأجهزة الدولة.

يرتكز هذا النمط من الحكم على حكم «الرجل القوي»، ويعتمد على قيادة عسكرية كاريزمية تدّعي حماية المصلحة الوطنية والحفاظ على الاستقرار، مع تهميش دور البرلمان لصالح تغليب السلطة التنفيذية.

لقد جاء صعود النظام الحالي في ظل أزمة سياسية عميقة اتسمت بتراجع شعبية جماعة الإخوان المسلمين، واتساع الاستياء من أدائها، وتصاعد مخاوف قطاعات من الشعب من احتمال انفراد الجماعة بالسلطة وما قد يترتب على ذلك من الابتعاد عن المسار العلماني وفرض قيود اجتماعية وثقافية أو إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما يخدم شبكاتها السياسية والاقتصادية، وهو ما عُرف إعلاميًا وقتها بـ«أخونة الدولة». وهو ما أثار قلقًا لدى أجنحة داخل البرجوازية المصرية من احتمال إعادة تشكيل موازين النفوذ الاقتصادي بما قد يصب في صالح شبكات أعمال مرتبطة بالجماعة.

من الناحية الأخرى، كان الإخوان، بحكم طبيعتهم الطبقية وبنيتهم السياسية وتحالفهم مع قطاعات من البرجوازية المصرية، ينتهجون برنامجًا سياسيًا واقتصاديًا معاديًا بشكل واضح للعمال، بالإضافة إلى أنه لم يضع أيًّا من أهداف ثورة يناير التي تتعلق بالعدالة الاجتماعية أو إعادة توزيع الثروات في حيز التنفيذ، ولكن على العكس، تبنّى الإخوان المسلمون السياسات النيوليبرالية عن طريق السعي للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي وما يرتبط به من إجراءات تقشفية، والدعوات المتكررة لوقف الإضرابات والاعتصامات، كما استمرت حكومة الإخوان في انتهاكاتها ضد النقابات المستقلة والقيادات العمالية. لقد حاولت جماعة الإخوان في الوقت نفسه اللعب على جميع الحبال، بدءًا باستمالة أجهزة الدولة، مرورًا بمحاولة طمأنة البرجوازية الوطنية ورجال الأعمال، وانتهاءً بمداعبة الهوى الإسلامي لدى قطاع واسع من الجماهير. لكن هذا النهج حال دون بناء تحالفات اجتماعية وسياسية مستقرة، لتنتهي الجماعة إلى فقدان الدعم والتأييد من قطاعات واسعة من الشعب، وفي المقدمة قطاعات من الحركة العمالية التي كانت قد شاركت في ثورة يناير.

كانت القوى السياسية المعارضة للإخوان أضعف، وهو ما دفعها منذ البداية إلى التقارب مع المجلس العسكري بهدف تحقيق قدر من التوازن في مواجهة الجماعة. ونتيجة لذلك، لم تتمكن هذه القوى من ترسيخ حضور سياسي مستقل بصورة كاملة، وهو ما أفسح المجال للدولة كي تظهر باعتبارها المعبر الرئيسي عن كل المعارضين للجماعة.

كان هذا الصراع، الذي عجزت أيٌّ من القوى السياسية عن حسمه بصورة نهائية، وما نتج عنه من حالة ممتدة من الاضطراب، تفاقمت لاحقًا مع تصاعد العمليات الإرهابية عقب سقوط حكم الإخوان، بمثابة الأرضية التي مهّدت لظهور الحكم السلطوي للسيسي بوصفه قائدًا قويًا سيحمي الدولة ويضمن المصلحة الوطنية. وقد ارتكز هذا الخطاب على وعد أساسي بإنهاء حالة الفوضى وإعادة فرض الأمن والاستقرار.

الهيمنة وبناء الصوت الواحد

وكأي نظام سياسي، سعى هذا النظام إلى ترسيخ شرعيته عبر آليات الهيمنة، أي من خلال السعي إلى اكتساب قدر من القبول والموافقة الطوعية على سياساته. لم تعتمد هذه العملية على أدوات القمع وحدها، بل استندت أيضًا إلى بناء شرعية سياسية موازية. فقد عملت الدولة على ترسيخ سردية رسمية للأحداث تقوم على خطاب الخوف من الفوضى والإرهاب، وفي المقابل جرى تضييق المجال أمام أي روايات بديلة أو قراءات نقدية لما حدث، بما يعزز هذه السردية ويجعلها الإطار المهيمن لفهم المرحلة.

تم بناء هذه السردية دراميًا من خلال مجموعة من الأعمال التليفزيونية والسينمائية امتدت من «الاختيار» بمواسمه الثلاثة، مرورًا بأعمال أخرى أكثر هامشية وأقل تأثيرًا. كان الهدف النهائي منها جميعًا هو بناء شرعية نظام السيسي العسكري كنظام وطني لا يملك انحيازًا طبقيًا، تقتصر مصلحته فقط على حماية الدولة من الإرهاب والرجعية الدينية والعبور بها بسلام في فترة غير مستقرة. وهكذا لعب العمل وباقي أعمال شركة المتحدة الشبيهة دور الغطاء الأيديولوجي لبناء شرعية لبونابرتية السيسي، وإنتاج «الصوت الوطني الواحد» ضد الجماعات الإسلامية، حيث تم تقديم المشهد السياسي بشكل مستمر في ما بعد يناير على أنه محاولات من جماعة الإخوان للاستيلاء على الدولة ومحاولة دائمة من الجيش لإنقاذها.

لم يكن الإقصاء هنا هو إقصاء أصوات الإسلام السياسي فقط، بل إقصاء كل الأصوات التي شاركت في الثورة، بما فيها الشباب والقوى السياسية الأخرى، بل وحتى الأجنحة الأخرى داخل النظام التي لم توافق هوى ومشروع السيسي.

اعتمدت عملية بناء هذا الصوت الواحد في هذه النوعية من الأعمال على تصوير انتقائي للواقع، بداية من عرض لأنصاف الحقائق، مثل إبراز دور جهازي الجيش والشرطة في التصدي للإرهاب، بينما يغيب أي تعريض بالدور القمعي الذي لعبته تلك الأجهزة في حق الثوار والقوى السياسية المعارضة منذ ثورة يناير وحتى الآن، ما رسم صورة أبوية للجهاز الأمني للدولة باعتباره العين الساهرة على خدمة الوطن. وهكذا بدأت الدولة في تمرير سرديتها في كل القضايا المحورية.

وإلى جانب ذلك، لعبت التسريبات المجتزأة للمقابلات التي جرت بين المجلس العسكري وممثلين مختلفين عن تيارات الإسلام السياسي دورًا مهمًا في تشكيل الرأي العام، بما سمح بإنتاج انطباعات سياسية محددة حول طبيعة العلاقة بين الطرفين وأهدافها. وبدلًا من إتاحة صورة كاملة للسياق الذي جرت فيه تلك اللقاءات، جرى توظيف الأجزاء المنتقاة منها لتعزيز سرديات بعينها، وتقديم المسلسل بمظهر الوثائقي.

في مقال باسل رمسيس «لا يزال لديَّ الرئيس أمل»، يشير الكاتب إلى سيطرة الأجهزة الأمنية بشكل فج على صناعة الدراما في مصر، مستشهدًا بأحد الكتاب المشاركين في أحد المسلسلات الأخيرة، قائلًا: «قبل سنوات، حكى لي كاتب مشارك في أحد المسلسلات الشهيرة، من تلك النوعية المكتوبة عن طريق لجان/ورش يتصدرها كاتب شهير أو كاتبة ممن تحولت أسماؤهم لماركة مسجلة، أنه كان يذهب أسبوعيًا للضابط المسؤول عن المسلسل في الأمن الوطني، يترك له الحلقة الجديدة ثم يعود حين يستدعونه، ليخبره الضابط بما يجب تغييره. في أغلب الأحيان، لم يكن يخبره سبب الرفض أو مبررات التعديلات، ولا يمنحه خطًا دراميًا/أمنيًا للاهتداء به، فيغامرون بالتنفيذ، ثم العودة للمكتب نفسه مجددًا».

هكذا تحولت الدراما تدريجيًا، وخاصة الرمضانية، إلى ساحة فنية للجهات السيادية؛ يقررون ما يتم أو يصلح عرضه وما يتم منعه أو تأجيله في أفضل الظروف.

مذبحتي رابعة والنهضة بين الدراما والواقع

كان للفض الوحشي لاعتصامي رابعة والنهضة وما أثاره ذلك من سخط وتعاطف دولي ومحلي، وما أعقبه من قمع لأبسط أشكال الحقوق السياسية في السنين التالية لعملية الفض، ما جعل النظام يهتم بأن تتضمن سرديته تصويرًا لهذا الحدث تحديدًا، حيث صُوّرت عملية الفض بأنها عملية فض لاعتصام مسلح جاءت على مضض نتيجة فشل أي مفاوضات سلمية للتسوية مع المعتصمين، وتمت بأقل قدر ممكن من الخسائر في صفوف المدنيين وبأكبر قدر ممكن من التضحيات من جانب الأجهزة الأمنية.

في الواقع، لم تكن هذه هي الحقيقة. فطبقًا لرواية محمد البرادعي، الذي كان مستشارًا لرئيس الجمهورية إبان الانقلاب، كانت هناك مفاوضات متقدمة بين النظام والإخوان شارك فيها مفاوضون محليون ودوليون لتخفيض أعداد المتظاهرين للنصف والإقرار بنبذ العنف والقبول بتفتيش دولي للتأكد من عدم وجود أي سلاح بالاعتصام[1]، كما يذكر البرادعي أن هذا المستوى من التفاوض كان قائمًا حتى اليوم السابق مباشرة من عملية الفض، ولا يعلم البرادعي ما الذي دفع نحو انتهاج هذا النهج العنيف في عملية الفض[2]، ما جعل البرادعي يتقدم باستقالة صبيحة يوم الفض بسبب ما رأى أنه تعدٍّ وإراقة للدماء لا يتحمل مسؤوليتها.

وفي مقابل رواية النظام على شاشات التلفاز، فإن الواقع كان شيئًا آخر. فرغم وجود مسلحين داخل الاعتصام، إلا أن الغالبية العظمى من المعتصمين كانوا غير مسلحين. فطبقًا لرواية وزير الداخلية المنفذ لعملية الفض، تم ضبط 10 بنادق آلية و29 بندقية خرطوش في عملية الفض[3]، ما يعني أن عنف الداخلية لم يكن مساويًا لحجم الخطر الفعلي الذي كان داخل الاعتصام، وهذا ما تعكسه أيضًا أرقام القتلى والمصابين. فبينما كانت خسائر وزارة الداخلية 43 قتيلًا و200 مصاب[4]، كانت الخسائر في صفوف المعتصمين 670 قتيلًا و4201 مصاب بحسب رواية وزارة الصحة المصرية[5]، بينما أشار تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أن عدد القتلى وصل إلى 904 قتلى.

أمام هذه الخسائر وهذا العنف في التعامل مع المعتصمين، لم تؤيد القوى السياسية المختلفة التي أيدت الانقلاب عملية الفض، حيث قدم البرادعي استقالته من منصب نائب الرئيس احتجاجًا على الفض الدموي، واستنكر كل من شيخ الأزهر وحزب مصر القوية وحزب النور. وهذا جانب آخر لا تظهره الدراما؛ فبينما يظهر المسلسل عملية الفض كإجراء وطني لا مناص منه من أجل حماية البلاد، يشير الواقع إلى عدم وجود هذا الإجماع وهذه الرؤية الوطنية داخل جميع أطراف الكتلة السياسية المناوئة للانقلاب.

ستار لتصفية المعارضة

دائمًا ما يقدم فض اعتصامي رابعة والنهضة في سردية النظام بوصفه الحدث المؤسس لموجة الإرهاب التي شهدتها مصر خلال السنوات اللاحقة. ورغم أن هذه الرؤية تستند إلى تصاعد واضح في أعمال العنف المسلح بعد الفض، فإنها تغفل جانبًا آخر من المشهد؛ إذ تحولت الحرب على الإرهاب إلى مبرر دائم لتوسيع نطاق القمع السياسي. فخلال تلك الفترة، لم يقتصر الاستهداف على جماعة الإخوان المسلمين أو التيارات الإسلامية، بل امتد ليشمل قوى سياسية ومدنية متنوعة، بما فيها أطراف عارضت الإسلام السياسي أو كانت على خلاف معه. وأصبحت اتهامات من قبيل «نشر أخبار كاذبة»، و«الانتماء إلى جماعة إرهابية»، و«إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي» أدوات قانونية متكررة لملاحقة معارضي النظام.

وفي ظل هذا المناخ، تعرضت أشكال متعددة من النشاط السياسي السلمي للتضييق والقمع المباشر، ما أدى إلى انكماش المجال السياسي وتراجع إمكانيات التعبير والتنظيم المستقل. وتشير تقديرات حقوقية إلى أن عدد المعتقلين السياسيين في مصر قد وصل في بعض التقارير إلى 60 ألف معتقل[6].

وهكذا، فبعد أن جرى تقديم نظام السيسي العسكري البونابرتي في الخطاب الرسمي والإعلامي بوصفه المنقذ القادر على استعادة الاستقرار، بدأ تدريجيًا في ترسيخ نمط من الحكم السلطوي اتسم بتقييد المعارضة وإخضاع المجال السياسي لرقابة وسيطرة متزايدتين.

بناء كاريزمية السيسي

إلى جانب الاعتماد على أجهزة الدولة وادعاء الحياد والوقوف فوق الانقسامات الطبقية، تتسم البونابرتية بسمة إضافية، وهي تركيز السلطة في يد قائد كاريزمي، وعليه كانت إحدى الأدوار التي لعبتها دراما الدولة هي بناء هذه الصورة عن السيسي.

تم رسم هذه الصورة بشكل استثنائي في مسلسل «الاختيار 3» بطريقتين:

  • تصوير السيسي في شخصية الفرد المخلص.
  • التهميش الفج لأي شخصية قد يؤثر ظهورها على هذه الكاريزمية.

اهتم المسلسل بتصوير السيسي كشخص حكيم بعيد النظر، مهموم دائمًا بقضايا البلاد، وتمادى في إظهار حبه وتفانيه في خدمة مصر، إلى جانب التركيز الطفولي على إظهار السيسي بصورة الأب الحامي، بكل ما فيها من لمسات ذكورية. وهذا ما أولى اهتمامًا مبالغًا فيه بأن تتمتع شخصية السيسي في هذا المسلسل بالصفات الذكورية النموذجية، مثل طول القامة والبنية العضلية القوية، بالرغم من عدم توفر هذه الصفات في السيسي فعليًا، ما جعل الأمر يبدو كاريكاتوريًا عندما تم اختيار الممثل ياسر جلال لتمثيل دور السيسي في المسلسل، رغم الاختلافات الجسدية الفجة بينهما. ويظهر ذلك أيضًا في منع عرض فيلم «سري للغاية» بأوامر من السيسي، بعدما رأت الدوائر المقربة من النظام أن أداء السقا في الفيلم دون المستوى ويقدم السيسي بشخصية كاريكاتورية[7].

تتناسب هذه الرؤى تمامًا مع نظرة السيسي إلى نفسه. في أحد خطاباته، حيث يقول السيسي عن نفسه: «ربنا خلقني طبيب أوصف الحالة، هو خلقني كده! دلوقتي كل الدنيا بتقول اسمعوه» (مشيرًا لنفسه)، «مين كل الدنيا؟ خبراء المخابرات والسياسيين والإعلاميين، وكبار الفلاسفة لو حبيتوا!».

إلى جانب ما سبق، اهتم العمل بتقديم السيسي في صورة الأب الحنون والقريب من المواطنين، وليس فقط في صورة القائد السياسي أو العسكري. وقد جرى ذلك من خلال استخدام نبرة صوت هادئة ودافئة في العديد من المشاهد، والتركيز على لقطات إنسانية من حياته الشخصية والعائلية. فتمت الإشارة إلى علاقته بوالدته وزوجته وأبنائه. ومن خلال هذه العناصر، يسعى العمل إلى بناء صورة لزعامة السيسي، لا تقتصر على الكفاءة، بل أيضًا إلى الأبوة والعطف.

وعلى الجانب الآخر، صوّر خصوم السيسي باعتبارهم شخصيات تفتقر إلى الحكمة والكفاءة السياسية، وتتمتع على نحو وثيق بالغرور والسذاجة وسوء التقدير.

كما أهملت سردية النظام الدرامية عمومًا، وفي مسلسل «الاختيار 3» خصوصًا، عن عمد، تمثيل شخصيات رئيسية في تلك الفترة، مثل شخصية البرادعي الذي كان لاعبًا بارزًا في سياسة البلاد من فترة ما قبل الثورة وخلال فترة الإخوان، من خلال مشاركته في تأسيس جبهة الإنقاذ ثم توليه لمنصب نائب رئيس الجمهورية عقب الإطاحة بمرسي. كما لم يتم تمثيل أي شخصية من شخصيات جبهة الإنقاذ في المسلسل، واقتصر الأمر على التعرض لأسمائهم في الحوار في بعض المشاهد. ما ساهم في تصوير الصراع على أنه صراع بين أجهزة الدولة من جهة والإخوان المتطرفين من جهة أخرى، مع استبعاد أي دور فعال تقوم به أي قوى سياسية معارضة أخرى.

والأمر نفسه تكرر مع شخصية الفريق سامي عنان، الذي كان الرجل الثاني في البلاد خلال فترة حكم المجلس العسكري، وحاول الترشح للرئاسة بعد الإطاحة بالإخوان، إلا أن النظام اعتقله عقب ذلك الإعلان لثنيه عن القرار، من أجل تمهيد الطريق لترشح السيسي.

لعب هذا التهميش دورًا مزدوجًا؛ الأول هو التعتيم على أي تناقضات داخل الكتلة السياسية المعارضة للإخوان وتصويرها بشكل مثالي ككيان واحد متجانس، والثاني هو التأكيد على كاريزمية السيسي وتفرده من خلال تهميش دور أي لاعب سياسي آخر سواه.

في ضوء التحليل السابق، لا يمكن فهم التمثيل الدرامي لشخصية القائد بوصفه مجرد ضرب من أوهام العظمة، بل بوصفه جزءًا من صورة أكبر يحاول النظام فيها، من خلال الدراما، التماس شرعية لوجوده في الخيال الاجتماعي عن طريق إعادة إنتاج الدولة البوليسية ككيان فوق طبقي، كل مهمته هي الحفاظ على الأمن وحماية البلد من أي تهديد، مع التعتيم على أي دور قمعي تقوم به أجهزة هذه الدولة.

غير أن حدود هذه الهيمنة تظهر دائمًا في اللحظة التي تعجز فيها عن تحويل الواقع إلى صورة مطابقة لسرديتها. فبوسع الدراما أن تعيد سرد الماضي، وأن تمنح السلطة غطاءً أيديولوجيًا، لكنها لا تستطيع إلغاء التناقضات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أنتجت الأزمة أصلًا. ولهذا فإن استقرار أي سردية سياسية يظل مرتبطًا بقدرتها على التعامل مع هذه التناقضات، لا بمجرد إعادة تمثيلها على الشاشة. فالتناقضات التي لم تُحل منذ اللحظة الأولى، وإنما جرى تأجيلها وتكثيفها داخل بنية أكثر صلابة، ومع تراكم الزمن، لن تعود هذه السردية قادرة على احتواء ما يفلت من شروطها.

وهنا يعود السؤال الأهم: إذا كانت الثورة قد أُجهضت ولم تُحل تناقضاتها، وإذا كانت الثورة المضادة قد نجحت في تثبيت السلطة دون أن تُنهي أسباب الانفجار، فأين يُعاد فتح الصراع من جديد؟

 

[1] محمد البرادعي، “وفي رواية أخرى”، الحلقة الثالثة، حوار مع خالد الغرابلي، قناة العربي، 20 يناير 2017.

[2] المصدر نفسه

[3] المؤتمر الصحفي لوزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم حول قرار فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة”، وزارة الداخلية المصرية، 14 أغسطس 2013.

[4] المصدر نفسه

[5] “«الصحة»: ارتفاع حصيلة اشتباكات الأربعاء إلى 578 قتيلاً و4201 مصاب حتى الآن”. المصري اليوم. 15 أغسطس 2013.

[6] Prisons Without Keys: How Egypt’s Detention System Kills Life, Rights and Hope WJWC – June 2025

[7] العربي الجديد، “حقيقة إيقاف فيلم «سري للغاية» بأوامر من السيسي”، 6 يونيو 2018.