بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بين جماهيرية الفن وخضوعه للرأسمالية

شهدت العقود الثلاثة الأولي من القرن العشرين – وخاصة في دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة – تقدما مذهلا في عملية إعادة الإنتاج الآلي للأعمال الفنية بكافة أشكالها من موسيقى وفن تشكيلي وإبداع أدبي وغير ذلك. فإعادة الإنتاج الآلي للفنون، مثل نسخ إسطوانات الموسيقى، يضمن توزيع هذه الأعمال بشكل واسع وتحقيق الربح منها.

وعلى الرغم من أن إعادة إنتاج أكثر من نسخة للعمل الفني كانت سائدة في العصور التي سبقت القرن العشرين بشكل يدوي أو حرفي في أحيان كثيرة، أو من خلال الطباعة، إلا أننا نناقش هنا عملية إعادة إنتاج الفنون “آليا” التي اتسم بها القرن العشرون دون سواه وأصبحت مؤشرا للصعود المتصل للرأسمالية العالمية في مجال التكنولوجيا، بل آلة في يد الإمبريالية لتعبئة الجماهير. وتعتبر عملية إعادة إنتاج الفنون آليا موضوعا ذا أهمية خاصة في تتبع الصعود الرأسمالي لسببين رئيسيين: تحقيقها للربح، وتأثيرها علي الناس واتجاهاتهم السياسية.

في هذه المقالة أود أن أقدم لوجهة نظر المفكر الألماني الماركسي والتر بنجامين حول هذا الموضوع، وخاصة لأفكاره التي طرحها في مقالته الشهيرة “العمل الفني في عصر إعادة الإنتاج آليا” التي كتبها عام 1936، مع محاولة لربط هذا الطرح بما يحدث في مصر الآن من إعادة إنتاج آلي مذهلة لكافة أنواع الفنون. أود أيضا أن أتناول بالتحليل ما يعنيه هذا الانتشار الواسع لنسخ وتوزيع كافة الفنون في مصر في علاقته بصعود الرأسمالية الاحتكارية من ناحية، وما يطلق عليه الليبرالية الجديدة من ناحية أخرى.

وقبل الدخول إلى الموضوع ربما يكون مفيدا التعريف ببنجامين. كان والتر بنجامين أحد أعضاء “مدرسة فرانكفورت” الشهيرة التي بدأت نشاطها بإنشاء معهد البحوث الاجتماعية بجامعة فرانكفورت بألمانيا في عام 1923. ولكن مع وصول هتلر للحكم في عام 1933، انتقل هذا المعهد إلي نيويورك، وسافر الكثير من أعضائه للخارج.

وبنجامين من المفكرين الماركسيين المؤسسين للنظرية النقدية الحديثة من أمثال ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر وهيربرت ماركوز. وقد عاد معهد البحوث الاجتماعية وأعضاؤه إلي ألمانيا في عام 1949. وكان من أهم الدراسات النظرية التي قام بها مفكرون مثل أدورنو وهور كهايمر(وأيضا بنجامين، وخاصة في الثلاثينات، حيث أنه توفى عام 1940) هو ما أطلقوا عليه عملية “صناعة الثقافة”. والمقصود بذلك الإنتاج الثقافي الذي يقدم علي نطاق جماهيري، وبالتالي فبالإمكان تتبع وتحليل العوامل التي تنظم هذا الإنتاج وتساعد علي انتشاره وتوزيعه بواسطة أدوات جماهيرية مثل الراديو والسينما والصحافة. وقد أطلق علي هذا المجال فيما بعد “الثقافة الشعبية”. وكانت هذه الاتجاهات الجديدة في تطوير النظرية الماركسية هي التي شكلت المناخ الثقافي الذي أنتج فيه بنجامين مقالاته الهامة في الثلاثينات ومنها المقالة التي نحن بصددها هنا.

العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه آليا

بداية دعونا نتأمل قليلا في الفارق بين “أصل” العمل الفني وإعادة إنتاجه في نسخ عديدة. فمثلا إذا نظرنا إلي لوحة أصلية للفنان محمود سعيد كــ”بنات بحري”، وتأملنا في الألوان التي يستخدمها والخطوط التي تبرز أمامنا حية كأن الفنان قد رسمها للتو، فإننا هنا نمر بتجربة تقربنا من إبداع هذا الفنان ووجهة نظره وعالمه الفني. ثم دعونا نقارن هذه التجربة الشعورية التي تنقلنا إلي لحظة إبداعية خاصة ومميزة، بما سنشعر به عندما نجد بطاقة مطبوعة لنفس هذه اللوحة في المكتبات. سوف نجد مئات من هذه البطاقات المطبوعة التي أعادت آليا إنتاج أصل العمل الفني (أو أصل لوحة محمود سعيد). هل سنمر بنفس التجربة الإبداعية التي عشناها ونحن نتأمل اللوحة الأصلية؟ أعتقد أن الإجابة هي “لا”.

تدور مقالة والتر بنجامين المشار إليها عاليه حول هذه الفكرة بالتحديد: ما هو تأثير عملية إعادة إنتاج العمل الفني آليا، التي انتشرت في العقود الأولى من القرن العشرين، على تجربتنا وعلاقتنا بالفنون في ظل التطور الرأسمالي؟ بكلام آخر، كيف يتم اختيار الفنون التي يعاد إنتاجها؟ ومن الذي يختار: الدولة أم المواطنون أنفسهم أم الشركات الاحتكارية؟ وكيف تساعد إعادة إنتاج الفنون وتوزيعها على توطيد دعائم الفنون “الرسمية” أو السائدة التي يعتبر الكثير منها بوقا دعائيا للسلطة الرأسمالية؟

أعتقد أن هذه التساؤلات تستحق بعض التفكير والتأمل، لأننا في الحقيقة سنجد أنفسنا أمام موضوع ينطوي على مفارقة: من ناحية سنجد إعادة إنتاج الفنون تحقق ربحا عظيما للمنتج الذي يكون المتحكم الرئيسي في الرسالة التي تبثها هذه الفنون. ومن ناحية أخرى فإن عملية إعادة إنتاج الأشكال الفنية المختلفة تساعد على انتشارها وسط الطبقات العاملة والفقيرة أو الفئات التي لن يتيسر لها أن تشاهد لوحات محمود سعيد الأصلية أو أن تسمع عن فن بيكاسو أو مسرح بريخت أو موسيقى موتسارت.

ويطرح بنيامين في مقالته فكرة هامة، وهي أن الجماهير أصبحت تشعر بأنها قريبة من الفنون المختلفة من خلال عملية إعادة الإنتاج الآلي. فبعد أن كان الفن التشكيلي مثلا حكرا على الطبقات البورجوازية، أصبح هذا الفن الآن في متناول الجميع لأننا نجد الكثير من اللوحات مطبوعة على البطاقات والبوسترات في كل مكان وفي أي وقت.

ولأن بنيامين لم يعش بالطبع عصر الإنترنت، فلربما كان سيذهل كيف أصبحت الفنون في متناول الجميع من خلال هذه التكنولوجيا الحديثة. ففي ستينات القرن العشرين مثلا، كان الكثيرون يعتبرون أن حضور حفلة غنائية في المسرح لعبد الحليم حافظ أو فيروز هو نوع من الحلم الجميل. ثم أصبحت أغانيهما فيما بعد في متناول الجميع، أولا على شرائط الكاسيت ثم السي دي ثم الإنترنت (ببلاش).

كل هذه التغيرات تعيدنا مرة أخرى إلى التفكير في ماهية عملية إعادة الإنتاج الآلي وتطورها علي مدار العقود الماضية، وتأثيرها علي الصناعات الرأسمالية من ناحية، والأفكار الليبرالية الجديدة من ناحية أخرى. فعندما تحس الجماهير أنها “قريبة” من العمل الفني واقعيا وماديا وفكريا، بل إنه في استطاعتها “امتلاك” هذا العمل كأي سلعة أخرى في السوق، فإن هذا يطرح سؤالا أهم وأشمل عن توجهات الفنون السائدة على الساحة الرسمية (أي الفنون التي يسمح لها بالظهور في الراديو والتليفزيون والسينما والفضائيات.. الخ) وأيضا عن الفنون التي تنتج علي ساحة بديلة، أو الساحة”غير الرسمية” والتي تعبر في أحيان كثيرة عن ثقافة راديكالية مختلفة عن السائد.

أود أن أضرب مثالا على ذلك بتجارب بعض المخرجين المصريين الجدد في السينما المستقلة، والتي يقدمون فيها أفلاما من إنتاجهم الذاتي، وبالتالي فهم غالبا يطرحون فيها أفكارا جريئة وجديدة. كما أن تقرّب الجماهير من نوع معين من الفنون (مثل أغاني شعبان عبد الرحيم مثلا) يطرح تساؤلات عن”الكم” الذي يعاد إنتاجها به، والربح الذي يحققه هذا الإنتاج، ومدى تحكم الشركات المحتكرة لهذه العملية في السوق الرأسمالي.

هكذا، وكما يقول بنيامين، فمع توسع إعادة الإنتاج الآلي للأعمال الفنية، انتقلت الفنون من مرحلة كونها قيمة إبداعية فقط، أي خاضعة مباشرة للتحليل الفني والتقني من المتخصصين فيها أو أولئك المتذوقين لها، إلى مرحلة أخرى غاية في الأهمية: أي انتقالها إلي الساحة السياسية. ومع هذا التطور اختلفت وظيفة الفن. كيف يؤثر الإنتاج الآلي للفن علي فهمنا للسياسة أو ارتباطنا بها؟ وكيف يؤثر على توجهاتنا السياسية، بل على عملنا بالسياسة؟

يضيف بنيامين أن وظيفة الفن قد اختلفت في عصرنا هذا لأن جميع أشكال الفنون أصبحت سلعا خاضعة لشروط السوق الرأسمالي من عرض وطلب وتوزيع وربح. وفي حالتنا المصرية يمكن أن نرى بوضوح كيف أن أفلام عادل إمام مثلا، بسبب سهولة انتشارها كسلعة في الأسواق على مدار السنوات، وعلى رغم كل ما تحمله من أفكار مستهلكة واتجاهات رجعية، حتى وإن كان عادل إمام يضعها في قالب ضاحك، أصبحت تحتل مكانة كبيرة في وسط الجمهور. حيث يقبل الكثيرون على إعادة نسخ هذه الأفلام على شرائط الفيديو والدي في دي.

من ناحية أخرى، نرى أن أفلاما مختلفة نوعيا على مستوى التقنية والمضمون معا، كأفلام يسري نصر الله أو داوود عبد السيد، لا تلقى هذه الشعبية الكبيرة من الجماهير. هل شاهد البعض من الجماهير في صعيد مصر مثلاَ فيلم هام كــ “سرقات صيفية” ليسري نصر الله؟ هل سمع البعض من هذه الجماهير بأغاني زياد رحباني ومارسيل خليفة؟ أعتقد أن الإجابة هي “لا”. ولكن هل شاهدت هذه الجماهير أفلاما مثل “الإرهابي” أو “السفارة في العمارة”؟ الإجابة بكل تأكيد هي “نعم”. في هذا الإطار، تظل أفلام يسري نصر الله وداوود عبد السيد وغيرهما، أو أغاني الشيخ إمام أو مارسيل أو زياد، محدودة الانتشار والتوزيع بين فئة من الفنانين والمثقفين والطلبة، أو في أوساط اليسار بشكل عام.

هذه المفارقة تعود بنا مرة أخرى إلى فكرة تأثير إعادة إنتاج الفنون آليا علي انتشار الفن كسلعة في الأسواق، وإلى فكرة انتقال هذه السلع إلى الساحة السياسية وتأثيرها على التوجهات السياسية للجماهير. فالسائد والرجعي والموائم لتوجهات الدولة الرأسمالية هو للأسف ما يعاد إنتاجه آليا بكثرة. ولذلك نرى أنه في كثير من الأحيان أصبحت الفنون في مصر ساحة للنشر والدعاية للأفكار السلطوية، وأصبحت الدولة تساند سيطرة الشركات على نشر وتوزيع وإعادة الإنتاج الآلي لفنون بعينها، كما رأينا في حالة أفلام عادل إمام مثلا.

إعادة إنتاج الفنون آليا وتعبئة الجماهير

طرح بنجامين أفكاره عن عملية إعادة إنتاج العمل الفني آليا وارتباطه الوثيق بصعود الرأسمالية في زمن كانت فيه الفاشية هي السائدة في إيطاليا والنازية في ألمانيا. كانت وجهة نظر بنجامين أن هتلر استطاع أن يعبئ من ورائه الجماهير في ألمانيا، ليس فقط من خلال خطبه وأساليبه القمعية، ولكن أيضا من خلال الدعاية للحرب بواسطة إعادة الإنتاج الآلي للصور والموسيقى من ضمن الفنون الأخرى التي تجعل الجماهير تساند هذه الحرب وأهدافها.

فمن خلال تصوير مسيرات “شباب هتلر” مثلا والدعاية للحرب بواسطة الأغاني القومية وبثها بشكل مستمر ونسخ البوسترات والأعلام التي تحمل الشعارات النازية، استطاع هتلر أن يحشد الجماهير من خلفه في الحرب العالمية الثانية، ويؤثر على أفكارهم وتوجهاتهم السياسية. بكلام آخر، وكما يضيف بنجامين، استطاعت النازية أن تقدم الفن على أنه جزء لا يتجزأ من الحياة السياسية، وبالتالي استطاعت أن “تجّمل” الأيديولوجيا السياسية.

يشير بنيامين أيضا إلى أن الدولة النازية استطاعت أن تحشد جميع الموارد التكنولوجية لخدمة آلة الحرب، على الرغم من صيانتها للملكية الخاصة. فالدولة الرأسمالية في استطاعتها أن تُخضع الملكية الخاصة ومواردها وأموالها لخدمة الحرب والتراكم المتصل لرأس المال. والوجه الآخر للعملة هو أن أي تدمير تسببه الحرب سوف يفسر علي أن الدولة لم تكن تمتلك الموارد التكنولوجية الكافية للدفاع عن نفسها، وبالتالي توجيه أموال أكثر لخدمة آلة الحرب.

يستخلص بنجامين من هذه العملية السافرة في توحشها أن الحرب الإمبريالية العالمية هي نوع من “التمرد التكنولوجي” الذي يدمر حياة البشر: فبدلا من توظيف الطائرات في إغاثة الفقراء ونقل المواد الغذائية إليهم، تلقي هذه الطائرات القنابل التي تقتل الفقراء. أصبحت التكنولوجيا تستخدم في تدمير ما صنعته هذه التكنولوجيا ذاتها في الأساس، وهي إن تفعل ذلك فإنما بإضافة “بعدا جماليا” لهذه الآلة المتوحشة.

ولكن إن كانت الإمبريالية تستغل الفن في الحرب والتدمير، فإن نقيضها هو الشيوعية التي تعمل على “تسييس” الفن، أي أنها تقلب الآلة الرأسمالية رأسا على عقب. وهكذا، فما يمكن أن نستخلصه من هذه الأفكار هو أن عملية إعادة إنتاج الفنون آليا هي في الحقيقة سلاح ذو حدين: فهي يمكن استخدامها لتعبئة الجماهير لأهداف سياسية إمبريالية، أو من أجل تسييسهم وحشدهم تجاه ثورة اشتراكية. وبين هذين النقيضين، نرى في حياتنا اليومية أشكالا لاحصر لها من إعادة الإنتاج الآلي للفنون. فما يعنينا كماركسيين ثوريين هو خلق الوسائل التي تمكننا من التحكم في إعادة إنتاج الفنون آليا. إن التمكن من تشغيل هذه الآلات التكنولوجية الحديثة أصبح ضرورة من ضروريات العمل الثوري وليس نوعا من الرفاهية كما كان ينظر إليه في السابق.

أصبح من الحتمي أن نطور من أدواتنا السياسية في هذا المضمار حتى نستطيع أن نصل إلى الجماهير ونعمل في وسطها بآليات تفهمها الجماهير وتتعامل معها في حياتها اليومية. فالإنتاج الثقافي والفني هو جزء لا يتجزأ من العمل الثوري، وعلينا أن نحاول باستمرار وبشكل واعي ومدروس أن ندفع بعملية “تسييس” الفن خطوات إلى الأمام.

إن بارونات الليبرالية الجديدة في مصر يحاولون أن يقنعونا بأن ما يسود حاليا في الأسواق من أشكال فنية مختلفة (سي دي ودي في دي؛ أفلام ، مسرحيات، أغاني، فن تشكيلي، الخ) بل الانتشار الواسع لهذا الإنتاج وإعادة الإنتاج إنما يدل على أن في مصر نوعا من “الثورة الثقافية” في ظل مناخ “الحرية” الذي تتمتع به الجماهير! ونحن نعلم تمام العلم أن هذا الكلام ما هو إلا أوهام وأكاذيب تحاول الدولة جاهدة ومعها رجال أعمالها ووزراء ثقافتها وفنونها وأصدقاؤهم ترويجها بذكاء من خلال إغراق الأسواق بإنتاج فني هش وفج وتافه، وأيضا من خلال خلق منافسة شرسة بين هذه السلع ومنتجيها. وهم في ذلك يحققون أرباحا طائلة من وراء ترويج الفن كسلعة وبيعها. فعلينا ألا ننسى أن الفن في أساسه هو حرية الإبداع بدون قيود أو شروط وأن ربط هذا الفن بالعمل الثوري هو في رأيي ما يجب أن يحكم أدواتنا في إعادة الإنتاج الآلي للفنون.